15 September,2019

بنك ”الجمّال“.. هل يكون آخر ضحايا الحرب الأميركية على حزب الله؟

 

بقلم علي الحسيني

يبدو أن الحرب الإقتصادية التي أعلنتها الولايات المتحدة الأميركية على حزب الله منذ فترة، آخذة بالتمدد خصوصاً في ظل تشديد عمليات الخناق المالي عليه والتي كان آخرها فرض وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على مصرف <جمّال ترست بنك> والشركات التابعة له في لبنان وذلك لأسباب قالت إنها تتعلق بقيام المصرف بأنشطة مالية لصالح <الحزب> وتحديداً المجلس التنفيذي لحزب الله، و<مؤسسة الشهيد>. وقد جاءت العقوبات الأميركية هذه، بعد فترة وجيزة على فرضها عقوبات مالية شملت شخصيّات حزبية عدة من بينها النائبين محمد رعد وأمين شرّي.

 

العقوبات تصل إلى بنك <الجمّال>!

لم يعد فرض الخزانة الأميركية عقوبات على شخصيات وشركات تزعم أنها تدعم وتساعد حزب الله، لاسيما على الصعيد المالي، أمراً مستغرباً. ففي حسابات إدارة الرئيس الأميركي الحالي <دونالد ترامب>، أن سلاح التدابير الاقتصادية القاسية وتشديد الخناق المالي على الحزب وإيران، هو الأعتى والأكثر فاعلية في المواجهة التي تخوضها ضد ايران ومتفرعاتها في المنطقة. وفي سياق حربها هذه، قررت أميركا اللجوء الى السلاح المالي والاعتماد عليه في شكل أساسي ورئيسي، لتجفيف منابع تمويل إيران وأذرعها كافة لاسيّما حزب الله، والتي تراها واشنطن، أكبر مغذي للإرهاب في العالم.

بعد شهر تقريباً على إعلان وزارة الخزانة الأميركية قراراً قضت بموجبه بوضع ثلاث شخصيات سياسية لبنانية بارزة تنتمي إلى حزب الله على قائمة العقوبات الأميركية، وإدارج مكتب مراقبة الأصول الأجنبية في الوزارة على القائمة كلاً من النائب محمد رعد والنائب أمين شري ورئيس وحدة الارتباط والتنسيق في <الحزب> وفيق صفا وهي المرّة الأولى التي تدرج فيها الإدارة الأميركية شخصيات سياسية تابعة لـحزب الله على قائمة العقوبات، أعلن البيت الأبيض فرض عقوبات على بنك <الجمّال>، لصِلته بـحزب الله وإيران وأدرجت وزارة الخزانة الأميركية إلى جانب المصرف، ثلاث شركات تأمين تابعة له على لائحة العقوبات. كما شملت العقوبات أيضاً أربعة أشخاص بسبب نقل أموال بين <الحرس الثوري الإيراني> وحركة <حماس> عبر حزب الله. وفي الوقت عينه، دعت الخزانة الأميركية الحكومة اللبنانية إلى بذل كل جهد للتخفيف من التأثيرات على أصحاب الحسابات الأبرياء في <جمّال تراست بنك> الذين لم يدركوا أن حزب الله يعرّض مدّخراتهم للخطر.

مصير بنك <الجمال>!

بعد ساعات قليلة كانت مضت على إدراج وزارة الخزانة الأميركية مصرف <جمّال تراست بنك> على لائحة العقوبات الأميركية، خرج سؤال غاية في الأهمية يتعلق بمصير المصرف وموظفيه وإمكانية دمجه بمصرف آخر على غرار ما سبق أن حصل بموضوع المصرف <الكندي>. وقد سرت تسريبات تتعلق بنيّة مصرف كبير شراء بنك <الجمّال> بعد أن يُسوّى وضعه القانوني. وعلى وجه السرعة، انكبّ حاكم مصرف لبنان رياض سلامة على دراسة الملف من كافة جوانبه وقد كلّف مجموعة من الشخصيّات الإقتصادية والمالية بوضع تقرير مُفصّل حول كل ما يتعلق بوضع مصرف <الجمّال> وقرار الخزانة الأميركية. كما سينظر سلامة بطلب أحد المصارف اللبنانية الكبرى، بضم <جمّال تراست بنك> اليه، ومنحه حوافز متعددة لإتمام العملية، تماماً كما فعل مع البنك اللبناني ــ الكندي من قبل.

من بوابة التذكير، فإن الجانب الأميركي ردّد منذ أكثر من شهر وجود نيات لديه بفرض عقوبات متشددة وأسماء جديدة لوضعها على لائحة <أوفاك>. وفي السياق يؤكد الخبير المالي والاقتصادي الدكتور غازي وزني أن القرار الأميركي بفَرض عقوبات على مصرف <جمّال تراست بنك>، لن يكون له تأثير على قرارات الدولة الإقتصادية ولن يُعيق عملية النهوض بالإقتصاد اللبناني. لكن لا بد من القول إن وزارة الخزانة الأميركية وجّهت عبر قرارها وضع المصرف على اللائحة السوداء، رسائل عديدة في اتجاهات مختلفة أبرزها تحذير للمصارف اللبنانية والمؤسسات المالية وجوب تقيّدها بالعقوبات الأميركية. كما وأن  وزارة الخزانة الأميركية لديها ملء الثقة بالقطاع المصرفي اللبناني، كون المصارف اللبنانية تمتثل للقوانين والتشريعات الدولية وبالتالي تطبّق القوانين والتدابير المتعلقة بمكافحة تمويل الإرهاب وتبييض الأموال. واعتبر وزني أن هذه الرسائل التي وجّهتها الخزانة الأميركية ووزارة الخارجية الأميركية تخفّف من حدّة قرار وضع <جمال تراست بنك> على اللائحة السوداء.

 

<بيلينغسلي>: <الجمّال> يُقدم خدمات لـحزب الله!

 

من جهته رأى نائب وزير الخزانة الاميركية <مارشال بيلينغسلي> أن حزب الله يُهدد الاستقرار والأمن في لبنان والمنطقة منذ عقود، وذلك من خلال ممارسة الإرهاب ضد المدنيين الأبرياء، وتعريض لبنان لمخاطر اقتصادية ومالية كبيرة بدون أي داعٍ، وتقويض سيادة لبنان ومؤسساته الديموقراطية. وقال: يجب ألا يسمـــــح لـحزب الله بالاستمرار في حرمان الشعب اللبناني من مستقبل ديموقراطي ومستقل خالٍ من الفساد والتدخلات الأجنبية، ولذلك قامـــت وزارة الخزانة الأميركية بفرض عقوبات على <جمّال تراست بنك>، وأدرجته على لائحة الإرهابيين الدوليين المدرجـين بشكل خاص نظراً إلى تقديمه خدمات مالية لـحزب الله.

ورأى أنه يجب على الحكومة اللبنانية تأمين مصلحة أصحاب الحسابات غير المنتسبين لـحزب الله في أسرع وقت ممكن، وإن أعضاء إدارة <جمّال تراست بنك> الذين تواطؤا مع النائب أمين شري وإرهابيي حزب الله الآخرين هم وصمة عار على

سمعة لبنان المالية ويجب نبذهم من كافة الدوائر المصرفية، لذلك يتعين على القطاع المالي اللبناني ألا يكتفي بتطبيق العقوبات على هذا الكيان.

في السياق تؤكد مصادر مقربة من حزب الله أن واشنطن، في سياق تصعيدها ضد إيران في المنطقة، تمارس من خلال وضعها شخصيّات نيابية تنتمي إلى <الحزب> ووضع بنك <الجمّال> على خانة العقوبات، ضغوطاً على الحكومة اللبنانية ومجلس النواب للفصل بينهما وبين الحزب وتضعهما في مواجهة بعضهما البعض، وأيضاً وضع الحزب مع أصحاب رؤوس الأموال من الطائفة الشيعية. ومن المعروف أن نسبة المودعين الاكبر في مصرف <الجمّال> هم من الشيعة وتحديداً من جنوب لبنان، لذلك فإن الولايات المتحدة لن تتوقف عن نبش أي ملف واختلاق تهم، لتطويق ايران وحزب الله والضغط عليهما اقتصادياً ومالياً في سبيل تطويعهما. ورأت المصادر أن هناك مشكلة في لبنان تكمن في تعامل القطاع المصرفي وشراكته في تنفيذ العقوبات وإعداد تقارير محرضة على الحزب وبيئته.

سلامة يُطمئن و<الجمّال> ينفي!

على وجه السرعة أكد حاكم مصرف لبنان رياض سلامة في حديث صحافي أن البنك المركزي يتابع عن كثب قضية <جمال تراست بنك> بعد إدراجه على لائحة <أوفاك>، موضحاً ان البنك لديه وجود في المصرف، وكل الودائع الشرعية مؤمنة في وقت استحقاقاتها حفاظاً على مصالح المتعاملين مع المصرف. وقال: إن السيولة مؤمنة لتلبية متطلبات المودعين الشرعيين للمصرف. ومن المعروف أن <جمال تراست بنك> يعدّ من المصارف الصغرى في لبنان من حيث الحجم والانتشار، ويحتل وفق ترتيب العام 2018 الذي اصدرته مجلة <الاقتصاد والأعمال> المرتبة 25 لجهة الموجودات، والمرتبة 24 لجهة ودائع العملاء، والمرتبة 21 لجهة التسليفات، والمرتبة 24 لجهة الارباح الصافية.

بدوره ردّ <جمّال ترست بنك> على إدراجه على لائحة العقوبات ببيان، نفى فيه بشكل قاطع كل الادعاءات التي يبدو أن <OFAC> قد بنت قرارها عليها، مؤكداً التزامه الصارم بقواعد وأنظمة مصرف لبنان، والتزامه بالقواعد واللوائح الدولية المتعلقة بمكافحة غسل الاموال وتمويل الإرهاب، وهو أمر لا يتساهل المصرف به. وأشار إلى انه سوف يتخذ جميع الخطوات المناسبة من أجل تبيان الحقيقة، كما سيتقدم بطلب استئناف لقرار <OFAC> أمام <OFAC> كما كافة المرجعيات ذات صلة، لافتاً إلى انه سيعمل بالتنسيق وإرشاد مصرف لبنان، ولجنة التحقيق الخاصة والهيئات الأخرى ذات الصلة في هذا الصدد لحماية مصلحة المودعين وعملاء <جمّال ترست بنك> ش.م.ل.

أي فاتورة سيدفعها اللبناني؟

في ظل إنسداد أفق التوافق الأميركي الإيراني، ومع استمرار ملاحقة الولايات المتحدة الأميركية لعمليات تمويل حزب الله وحركات <المقاومة> في المنطقة، ثمة سؤال يتردد على الدوام يتعلق بمصير التكلفة التي يُمكن ان يدفعها لبنان واللبنانيون خصوصاً إذا ما ظلّت العقوبات الإقتصادية والمالية، العنوان الأبرز للحرب التي تقودها أميركا ضد حلف <الممانعة> في المنطقة وحزب الله في لبنان؟

يقول خصوم إيران في لبنان، إن ثمة استحقاقات عديدة يمكن لإيران أن تحوّلها إلى مناسبات لاستعراض القوة، بدءاً بملفي <سيدر> وترسيم الحدود والنفط، مروراً بملف الانتخابات الرئاسية المقبلة، وصولاً إلى ملف الاستراتيجية الدفاعية وسلاح حزب الله. ويقول هؤلاء: كل هذه أمور تتعلق بمسائل تهمّ الأميركيين. لذلك من الممكن أن تذهب إيران إلى المفاوضات مع الولايات المتحدة، بعد حين، وفي يدها أوراق قوة تعزز وضعيتها التفاوضية، على الرغم من ضعفها الناتج عن الاختناق الاقتصادي والمالي الذي تراهن عليه واشنطن لتركيعها. في ظل معطيات كهذه، سيقدّم الطرفان تنازلات متبادلة في حال كانا يأملان بالوصول إلى تسوية نهائية وشاملة تتعلق بكل الملفات الخلافية، ومن ضمنها الملف اللبناني.

ويعود خصوم <الحزب> إلى الموقف الذي كان أطلقه وزير الخارجية الأميركي في جلساته الخاصة، يوم زيارته للبنان، فيومها قال إنه لم يعد بالإمكان التمييز بين الدولة واللبنانية وحزب الله. هذا الموقف برأيهم ليس موقفاً عابراً ولا مجرد ملاحظة هامشية. فهذا يتضمن إشارة قوية، أن واشنطن قادرة على اتخاذ إجراءات بحق لبنان، عندما تريد ذلك، وللبنانيين شواهد على ذلك في دول متعددة، منها الأزمة التي تعيشها سوريا مثلاً، وتدهور الليرة التركية قبل فترة، عندما اشتد الخلاف التركي الأميركي، ومن إيران إلى فنزويلا وغيرهما. وهذا المناخ، لا بد له أن يرتبط بشكل أو بآخر بالكلام عن انهيار الليرة، وصعوبة الوضعين المالي والاقتصادي.

في الخلاصة، يبدو واضحاً أن التعامل الأميركي مع الملف اللبناني، بما يتضمنه من إبقاء متعمد للأزمة الاقتصادية الحالية، له هدف محدد، يندرج في خانة تطويع إيران وحزب الله وتطويقهما، وبالطبع، لإجبار الحزب على تقديم المزيد من التنازلات لأميركا وإسرائيل، وكي لا يخرج عن الخطوط الحمراء الدولية، وفي وقت يستمر الأميركيون بالسيطرة على الوضع المصرفي والسياسي العام من خلال العقوبات، والاستقرار في الجنوب من خلال التهويل بالدمار. ويستمر الضغط الأميركي على ايران وحلفائها، لتطويقهم أكثر. وتتزامن هذه الضغوط مع أزمة حقيقية في لبنان تتصل بالعجز الاقتصادي والمالي، والذي يشكل مأزقاً حقيقياً، بعد الانكفاء العربي عن لبنان، وانقطاع التدفقات المالية التي تساعد في سد العجز نسبياً.