21 November,2018

بكركي لن تجمع الأقطاب الموارنة لعدم تكرار «الفشل »ومواقف عون وجعجع تجعل حوارهما الموعود أشبه بحوار الطرشان!

raii-mikatiمع حلول عيد الميلاد لدى الطوائف المسيحية يوم 25 كانون الأول/ ديسمبر الجاري، يبدأ الشهر الثامن للشغور الرئاسي في قصر بعبدا في وقت لا تدل فيه حركة الموفدين الدوليين الذين غصت بهم مكاتب المسؤولين والسياسيين اللبنانيين قبل أسبوعين على حصول اختراق معين في جدار الأزمة الرئاسية وسط حديث يزداد يوماً بعد يوم بأن الاستحقاق الرئاسي الذي تم ترحيله الى سنة 2015 قد يستهلك أشهراً إضافية قبل أن يتم ويصبح للبنان الرئيس الثالث عشر لجمهورية ما بعد الاستقلال. ولعل ما يزيد في هذا الانطباع ما يصدر من مواقف لرسميين وسياسيين تدل على أن إمكانية اتفاق القيادات اللبنانية على رئيس جديد لا يزال بعيد المنال للاعتبارات نفسها التي تتحكم بالمشهد الرئاسي اللبناني منذ انتهاء ولاية الرئيس السابق العماد ميشال سليمان وحتى اليوم.

واللافت ان كل التسريبات والإيحاءات التي تتردد في الأروقة السياسية عن <حل قريب> للأزمة الرئاسية، سرعان ما يتضح أنها من نتاج المطابخ الإعلامية المرتبطة بمرشحين <وسطيين> أو <وفاقيين> يحاولون زرع آمال بقرب وصول أحدهم الى قصر بعبدا للبقاء في واجهة الاهتمامات، أو لتذكير من يملك الحل والربط انهم في <جهوزية> تامة لتسلم المنصب الأعلى في الدولة. إلا أن أكثر من سياسي وقيادي يؤمن بـ<الواقعية السياسية> يتحدث عن ان انتخاب رئيس للجمهورية ليس قريباً على نحو ما أكد الرئيس السابق للحكومة نجيب ميقاتي بعيد زيارته لبكركي في الأسبوع الماضي لتهنئة البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي بحلول عيد الميلاد ورأس السنة الجديدة. وقد طرح تصريح ميقاتي أكثر من علامة استفهام لاسيما وان الرئيس السابق للحكومة من أبرز المطلعين على المواقف الدولية ولديه مروحة واسعة من الاتصالات مع مرجعيات لاسيما في دول القرار.

كلام ميقاتي في بكركي

ويقول متابعون لمسار الاستحقاق الرئاسي المتعثر ان ما قاله الرئيس ميقاتي وهو يغادر بكركي بات <لسان حال> عدد من سفراء الدول الكبرى الذين طلبوا أذونات من دولهم للسفر وتمضية الأعياد مع عائلاتهم في الخارج وأخّروا عودتهم الى بيروت خصوصاً وان عدم وجود رئيس للجمهورية <سيعفيهم> من المشاركة في الاحتفال التقليدي الذي كان يقام سنوياً داخل قصر بعبدا في النصف الأول من شهر كانون الثاني/ يناير والذي يتقبل فيه رئيس الجمهورية عادة تهاني السلك الديبلوماسي المعتمد في لبنان ويلقي في أركانه كلمة يحدد فيها موقف لبنان من الأحداث. وفي هذا السياق، نُقل عن سفير دولة أوروبية معنية مباشرة بالاستحقاق الرئاسي ان لا معطيات تدل على أن الانتخاب الرئاسي سيحصل في المدى المنظور، وان زميلاً للسفير الأوروبي يمثل دولة كبرى أسرّ له ان لا انتخابات رئاسية قريبة في لبنان وانه <أطفأ> المحركات التي أدارها قبل زيارة لبنان وتنقل بين بيروت وعواصم أخرى بحثاً عن مخرج للأزمة الرئاسية المفتوحة في لبنان.

لا لقاء للأقطاب الموارنة

في غضون ذلك، بدا ان اللقاءات بالمفرق التي عقدها البطريرك الراعي في بكركي مع الأقطاب الموارنة الثلاثة: الرئيس أمين الجميل والعماد ميشال عون والنائب سليمان فرنجية، ومع النائب جورج عدوان ممثلاً رئيس القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع، لم تسفر عن أي نتائج إيجابية، ما جعل البطريرك يوعز الى أحد معاونيه بـ<تسريب> معلومة للصحافيين المعتمدين في بكركي ان لا فائدة من جمع الأقطاب الموارنة الأربعة في لقاء واحد، إذا ما ظلت مواقفهم متباعدة، لأن البطريرك لم يعد متحمساً لرعاية <لقاءات فاشلة> بعد اليوم إلا في حالة واحدة وهي الحصول على ضمانات بأن <الدخان الأبيض> سيتصاعد من مدخنة بكركي نتيجة الاجتماع، وذلك منعاً لتكرار <خيبات الأمل> التي أضرّت بدور بكركي وبتأثير سيدها في مجرى الأحداث وسائر الاستحقاقات، وجعلت ردود الفعل تتزايد مقرونة بصفات تراوح بين <العجز> و<عدم التأثير> و<عدم التجاوب> وصولاً الى <اللامبالاة>، إضافة الى ان البطريرك الراعي لا يريد بعد اليوم ان يحصر المعضلة الرئاسية بالموقف الماروني المأزوم، لأن الطوائف الأخرى تتحمل أيضاً مسؤولية تأزيم الوضع الرئاسي أكثر فأكثر، ناهيك عن التأثيرات السلبية للصراعات الإقليمية ومنها الخلاف بين السعودية وإيران.

<حوار طرشان> بين عون وجعجع

في هذه الأثناء، انشغلت المرجعيات المسيحية والإسلامية على حدٍ سواء بمتابعة الحديث المتجدد عن تحضيرات تجري لعقد لقاء رئيس التيار الوطني الحر العماد ميشال عون ورئيس القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع لإطلاق حوار يفضي الى حل للأزمة الرئاسية العالقة، لاسيما وان ردود الفعل التي صدرت عن الرابية ومعراب أوحت كأن اللقاء بات قاب قوسين أو أدنى بعد <التجاوب> الذي أبداه كل من <الجنرال> و<الحكيم> لعقد حوار ثنائي بالتزامن مع الحوار الموعود بين حزب الله وتيار <المستقبل> الذي قد يبدأ قبل انتهاء السنة بأيام قليلة. إلا أن إشارات عدة صدرت خلال الأيام القليلة الماضية دلّت على أن <طبخة> الحوار العوني – القواتي لم تنضج بعد لاسيما وان المنطلقات والأهداف التي يفترض أن يستند إليها هذا الحوار متباعدة الى الحد الذي جعل بعض المراقبين يتحدثون عن ان <التفاهم> بين القطبين المارونيين أصعب مما يظنه البعض. فالدكتور سمير جعجع لا يرى أن العماد ميشال عون <جاهز> للبحث في مرشح توافقي لاسيما بعد إعلانه في حديث صحافي انه لا يزال المرشح الأقوى وهو ماضٍ في ترشحه غير المعلن رسمياً بعد. كذلك فإن العماد عون يقارب الحوار مع جعجع من مقلب آخر بحيث يأتي <الحكيم> الى الرابية على قاعدة ثوابت سياسية لا يمكن العبث بها وفي مقدمها الاتفاق على انتخاب رئيس قوي للجمهورية لا تتوافر مواصفاته لدى الكثيرين وهو ما دفعه الى اقتراح حصر المنافسة بينه وبين جعجع فقط!

إلا ان اعلان العماد عون رفضه التنازل عن ترشيحه للرئاسة، وبالتالي رفضه <تجيير> أصوات نواب كتلته لغيره، وإصراره على عدم تكرار ما حصل معه في العام 2008 يوم تنازل عن حقه لقائد الجيش آنذاك العماد ميشال سليمان يدل على ان اي حوار بين الرجلين لن يسفرعن نتيجة إيجابية بل سيزيد الأمور تعقيداً ويرفع منسوب اليأس لدى القيادات السياسية والروحية بإمكان انتخاب رئيس جديد للجمهورية. ولعل ما يضيء على <التباعد> في المواقف، وبالتالي الفشل الحتمي للحوار العوني – القواتي، ما يتردد في الرابية من ان على جعجع، الحريص على دور الرئيس الماروني القوي، ان يتجاوب مع ترشيح عون ويدعمه لاستعادة <وزن الحضور المسيحي> في السلطة، لأن جعجع سيكون المستفيد الأول مستقبلاً من استعادة وزنه الماروني سياسياً وشعبياً من خلال ما سيوفره له العماد عون عندما يصبح رئيساً للجمهورية من فرص إضافية تجعله يتعاطى مع الاستحقاق الرئاسي بعد انتهاء ولاية <الرئيس> عون براحة أكثر مما هي الحالة راهناً، حيث يقتصر تأييد جعجع رئاسياً على القوات اللبنانية وتيار <المستقبل> وعدد محدود من النواب المسيحيين المستقلين خصوصاً ان مجموع ما ناله من أصوات النواب في دورة الاقتراع اليتيمة التي أجريت في مجلس النواب، لم يتجاوز 48 صوتاً، أي دون الاكثرية المطلقة المحددة بـ65 صوتاً في الدورة الثانية للاقتراع.

القوات: الحكيم معبر إلزامي

في المقابل، فإن جعجع الذي حظي باستقبال <رئاسي> خلال زيارته للمملكة العربية السعودية الأسبوع الماضي، لا يبدو متحمساً لحوار مع العماد عون يعرف سلفاً انه لن يوصل الى نتيجة إذا ما استمر <الجنرال> على موقفه ولم يتنازل للاتفاق على مرشح يتفق معه على مواصفاته ثم على اسمه، إلا انه مصمم على استكماله حتى لو لم يتم التوصل الى نتائج، خصوصاً بعد الأجواء التي نقلتها مصادر قريبة من جعجع على اثر زيارته للسعودية للمرة الثانية في غضون شهرين، ذلك أن هذه المصادر أسهبت في الحديث عن أن <الحكيم> بات <الممر الإلزامي> لاختيار الرئيس العتيد بعد سلسلة اللقاءات التي عقدها مع ولي ولي العهد الأمير مقرن بن عبد العزيز و<الجيل الجديد> في القيادة السعودية، فضلاً عن التغطية الإعلامية الرسمية التي حظيت بها لقاءات جعجع في السعودية والتي جعلته – كما تقول المصادر القواتية – <الممثل الفعلي والثابت للمسيحيين في لبنان>، وأكدت أن علاقة رئيس القوات بالقيادة السعودية هي علاقة <استراتيجية> وليست مرتبطة بأشخاص معينين. وفي رأي المصادر نفسها ان استقبالات جعجع لدى الرياض شكّلت <الرسالة السلبية> السعودية الأكثر تعبيراً للعماد عون لجهة التأكيد على عدم القبول به رئيساً لا توافقياً ولا غير توافقي.

وتحدثت المصادر القواتية عن ان الحديث بين جعجع ومضيفيه السعوديين لم تقتصر على الشأن اللبناني فحسب، بل تعدته الى الشؤون الإقليمية والدولية، والوضع في سوريا ودور إيران والواقع اللبناني <الحقيقي> من الصراعات الدائرة حالياً، فضلاً عن الموقف من حزب الله الذي تتشدد الرياض في التعاطي معه. ولم يغب الحوار الموعود بين حزب الله وتيار <المستقبل> عن محادثات جعجع في الرياض وسط معطيات تشير الى أن <الحكيم> نقل الى المسؤولين السعوديين <مخاوف مشروعة> من أن يؤدي هذا الحوار الى قيام <تفاهم رباعي> جديد يكرّس واقعاً سياسياً لا مكان للقوات اللبنانية فيه. لذلك سعى جعجع في السعودية الى الحصول على <ضمانات> بأنه <مفتاح> السعودية لـ<العبور> الى الاستحقاق الرئاسي، كما ان العماد عون هو <مفتاح العبور> الإيراني للاستحقاق نفسه!

الرياض مع حصول الانتخابات

في المقابل، كانت المصادر السعودية الرسمية وشبه الرسمية تضع زيارة جعجع في إطار التشاور مع القيادات السياسية اللبنانية ولا تجاري مصادر القوات في إطلاق التوصيفات التي حفلت بها وسائل الإعلام <القواتية> أو القريبة منها. ولعل ما نقل عن هذه المصادر ان المسؤولين السعوديين أكدوا لجعجع ان المملكة ملتزمة دعم لبنان وعلى مسافة واحدة من الجميع، ما يدل على رغبة القيادة السعودية بعدم <المبالغة> في التعاطي مع زيارة جعجع وإبقائها في إطارها الصحيح. ولفت في هذا الإطار قول الأمير مقرن رسمياً ان المملكة تقف الى جانب لبنان دائماً وستدعمه في كل الخطوات التي من شأنها تعزيز استقراره وسيادته وأمن شعبه. أما في الشق الرئاسي، فقد أكد الأمير مقرن على <ضرورة حصول الانتخابات الرئاسية في أسرع وقت ممكن> ومن دون أي إضافات أخرى..

وسط هذه الصورة الضبابية، سيبقى الملف الرئاسي اللبناني مجمداً حتى إشعار آخر، ولا بد من انتظار نتائج الحوار الموعود بين حزب الله و<المستقبل> ليبنى على الشيء مقتضاه، علماً أن لا شيء يدل على ان الشق الرئاسي من الحوار سيكون واعداً بالكثير من الإنجازات، بل على العكس، فإن الأزمة ستبقى مفتوحة في انتظار <عجيبة> ما تقلب الموقف رأساً على عقب. وثمة من يرى ان زمن العجائب قد ولّى، وان الواقعية تفرض الاعتراف باستحالة الوصول الى تفاهم حول شخصية الرئيس العتيد.. في وقت قريب. وفيما اتضح ان حوار <المستقبل> – حزب الله لن يتطرق بالعمق الى الاستحقاق الرئاسي، بدا ان نجاح حوار عون – جعجع مرهون، حسب القوات، باقتناع <الجنرال> ان ترشيحه لن يوصله الى أي مكان، فيما هو مرهون – حسب التيار الوطني الحر – باقتناع جعجع بضرورة تسهيل وصول عون الى قصر بعبدا… فأي من القناعتين ستصبح حقيقية؟ عون يقول انه <لن يتراجع> وجعجع يؤكد أنه <لن يتعب>… وهذا يعني ان الدوران في الحلقة الرئاسية المفرغة مستمر حتى إشعار آخر!