15 November,2018

”بـيـــــــروت مـديـنـتــــــي وجــــاد تــــابـت“

 

بقلم سعيد غريب

SAM_5208 

لا عجب إذا سقطت الديمقراطية اللبنانية، فهي في الأساس مزيّفة وفلسفتها مبنيّة على التوافق، والتوافق هو نقيض الديمقراطية السليمة وفلسفتها، ويدحضها جملة وتفصيلاً…

فلسفتهم تقول: تعالوا نتفق على الانتخابات وقانونها، والتعيينات وأشخاصها، والقرارات الفوقية والعشوائية، وتوزيع المغانم وخيراتها والحصص ومردودها، والناس وعفويتها وخوفها.

فلسفتهم تضيف: تعالوا نتفق على كل شيء تطبيقاً للديمقراطية التوافقية، وإذا لم نوفّق نذهب إلى المصير والمستقبل المجهول!

أليس هذا لبنان الذي عرفناه كما عرفه أجدادنا وأجداد أجدادنا، بلداً خالياً إلاّ من الطائفية والمذهبية وشحن النفوس والقهر والظلم والترويع والتركيع وعند الحاجة الدماء والأرواح؟..

وإذا أريد لهذا البلد بأن يصبح دولة، تعالوا تقول فلسفتنا نحن المواطنين إلى <ضرب جنون> لعلّ فيه ما يشفي الداء المزمن.

نضيف: تعالوا إلى حكم قد يكون عادلاً وقد لا يكون، ألا يحق لنا أن نجرّب جنوناً من نوع آخر، ما دام جنون التوافق أوصلنا إلى هذا الانحدار القاتل!

تعالوا إلى حكم نصفه ديمقراطي ونصفه دكتاتوري: <كونراد أديناور> <Konrad Adenauer> الألماني أسماه <La Democrature> والشيخ بيار الجميّل المؤسس أسماه بل ترجمه إلى <المستبد العادل>.

إن بلداً سائباً كلبنان لا يقوّمه غير دكتاتور، وهذا الدكتاتور لا داعي للخوف منه، هو يذهب وتعود الفوضى التي نسميها الحرّية، لكنه يكون قد أرسى أسس دولة وضبط الدوائر والمؤسسات مدة كافية من الزمن.

صحيح أن الدكتاتورية لن تأتينا بالحرّية لكنها ستعرّفنا على قيمتها تحت سلطة الدولة وليس في شوارع الزعران والفلتان – إنها تبني دولة، ونحن بحاجة إلى دولة بكل مفاهيمها.

بربكم قولوا لي، عندما تسافرون – والجميع يسافر في هذه الأيام ولو بالدين (بفتح الدال) – خصوصاً إلى أوروبا، إلامَ تنظرون مشدوهين متسمرين؟ إنكم تركزون على ما صنعه الملوك وتصوّرون المعالم التي بناها وتركها الملوك والأباطرة، وتتمتعون بما خلّفه أولئك، رغم مساوئهم وبطشهم في بعض الأحيان، من حضارة لا تزال البشرية جمعاء تغرف منها لأجيال وأجيال… نعم، إنكم تسافرون للتمتع بما تركه الملوك وليس بما خلفته الديمقراطية، فالديمقراطية لم تخلف سوى مزيد من اللاّعدالة ومزيد من الخلل ومزيد من سوء الاختيار والخيار، والتلوث والبلاستيك والهواتف الذكية والمدمرة.

مع دكتاتور عادل، لن يكون هناك ضرورة أو حتمية للطغيان. لقد بنى هؤلاء الدولة في فرنسا، وجاء <نابليون بونابرت> بعد الثورة يصادر الطغيان، ولكنه عزّز وأكمل بناء الدولة، ولما مات عادت الملكية ولكن دامت الدولة ومؤسساتها إلى الآن، وبقي قوس النصر والعقد الاجتماعي.

عندنا في لبنان، الحل بالموجود ممنوع، ممنوع منذ زمن طويل، ربما منذ نشأته وربما منذ تكوينه.

والاختراق ممنوع علينا لأنه يطاول خطاً أحمر ما.. الحوار ممنوع بالنظر إلى ضعفنا الذاتي الناجم عن تفرقنا وتمزقنا، وعليه فإن الحل ممنوع علينا من قبل المتحكمين بقانون انتخاباتنا ومصيرنا.

إن الأوضاع في بلدنا بلغت من التروي ما جعل لبنان ومن فيه على عتبة كارثة وطنية واجتماعية وإنسانية، وأمسى بحاجة لإنقاذ سريع، ومن البديهي القول إن ضرورات الإنقاذ تقتضي تعليق أي بحث في المشاريع المستقبلية المشبوهة وحشد كل الجهود مرحلياً من أجل إنقاذ لبنان، وإلا سيبقى قسم كبير من اللبنانيين كمية كبيرة من الضحايا، وأقسام أخرى موزعة بين كميات هائلة من الموظفين الخاسرين والمواطنين الساعين إلى الفساد، وإذا قيل لنا <إن لبنان طول عمره هكذا>، فإن القائلين يقصدون السرقة والنصب، ونحن نقصد الحرّية والديمقراطية الصحيحة والسليمة.

نيأس؟ ماذا نجرّب؟

إذا اخترنا المستبد العادل فقد لا نجده في هذه الأيام المفتقرة إلى الرجال الرجال، أصحاب هذه الطينة، وإذا اخترنا الديمقراطية السليمة فيبدو أن المجتمع المدني النقي قد أمسك بطرف الخيط وفتح نافذة <بيروت مديني> وجاد تابت.