19 September,2018

«بـوتـيـــن» هـــو الآن الـمـقـــــاول الأول ضـــــد «داعـــــش» فـــــي ســوريــــــا!

بقلم وليد عوض

hollande-versai عدو الارهاب رقم واحد في سوريا والمنطقة هو الآن رئيس اتحاد روسيا <فلاديمير بوتين>، وهو المعوّل عليه وعلى طائراته <سوخوي> في اقتلاع جذور <داعش> لا في منع امتدادها وكفى. وحتى نعرف ماذا يدور في رأس <بوتين> الذي شارك في قمة <انطاليا> التركية لمجموعة العشرين منذ أيام، لا بأس أن نقرأ ما قاله الصحافي الألماني <هيوبرت سايبل> للمجلة السويسرية <ايبدو> (اختصاراً لكلمة الأسبوع بالفرنسية) محللاً شخصية الرئيس الروسي، كما لامسها عن قرب في حواره معه.

   اقرأوا ما قاله الصحافي الألماني عن <بوتين>، كما استخلص من مقابلة معه:

   * الرئيس السوري بشار الأسد حجر شطرنج مفيد وستواصل روسيا مساندته حتى الوصول الى حل سياسي.

   * في سوريا لن يكون هناك حل بدون موسكو سواء أراد البعض أم لم يريدوا، وسوف تكون روسيا هي المحاور والمفاوض في هذا الموضوع.

   * ما يهم <بوتين> الآن ألا تتحول سوريا الى عراق آخر أو ليبيا أخرى. ومنذ العام 2012 وهو يقترح لسوريا مرحلة سياسية انتقالية تضم المعارضة والرئيس الأسد الى طاولة حوار واحدة، قبل البحث في رحيل الأسد. ولكن السعودية والولايات المتحدة لم تكونا من هذا الرأي بل من الرأي الذي يقول برحيل الأسد قبل أية تسوية.

   * مما قاله لي <بوتين>: ينبغي أن أكون مثلما ينتظر مني شعبي. وعلى أي حال لست مرشحاً لمنصب مستشار ألمانيا.

   من خلال هذه الكلمات للصحافي الألماني <هيوبرت سايبل> يتراءى لنا ماذا يدور في رأس الرئيس الروسي <بوتين>، ومفاده أنه يجب اقتلاع الارهاب الذي انتشر في العالم وصولاً الى برج البراجنة في بيروت والطائرة الروسية التي سقطت في صحراء سيناء بمتفجرة، وخصص <بوتين> 50 مليون دولار لمن يدله على الفاعل. وأخيراً لا آخراً مجزرة باريس التي حصدت 129 قتيلاً وجرحى بالمئات. ومن خلال حضوره وكلماته من منبر قمة العشرين في المدينة الساحلية التركية نفهم انه يقول للعالم: <إذا أردتم اقتلاع <داعش> فما عليكم إلا أن تتكلوا على روسيا>. ولكنه لم يحدد المدة التي يحتاجها لاقتلاع جذور <داعش>، كما ان الرئيس الفرنسي <فرانسوا هولاند> وعد الفرنسيين من خلال قصر <فرساي> يوم الاثنين الماضي بإزالة <داعش> ولكنه لم يحدد زمناً، بل حدد المكان الذي هو سوريا، تماماً كما حدده <بوتين>.

   وأخطر ما ورد عن مخاطر <داعش> هو ما قاله رئيس وزراء ايطاليا <ماتيو رونزي> عن ان <داعش> ربما يملك طائرات بدون طيار.

   إنهم جميعاً يكبّرون الحجر السياسي والعسكري حتى يكون القضاء عليه.. انجازاً تاريخياً. وهذا ما أشعل همة أبو بكر بغدادي زعيم <داعش>، وشعر بأنه العملاق الدموي الذي يرهبه العالم.

    ومنطق المعركة ليس بجعلها وقفاً على الطائرات التي تقصف مواقع <داعش> من الجو، بل بجعلها تقصف الدواعي والمسببات التي جعلت شباناً في العقد الثاني من عمرهم يتسابقون الى الالتحاق بجيش <داعش> وبين هؤلاء شبان فرنسيون من ضواحي باريس، ضواحي المرض والجوع وجفاف فرص العمل.

 

اسألوهم لماذا هم فقراء؟

paris-1

   فالشاب المكتفي معيشياً، ويحصّل أسباب رزقه بيسر واجتهاد، ليس مادة صالحة لاجتذابه الى العمل الارهابي الذي يجعله قاتلاً أو مقتولاً. أما الشاب الذي تقطعت به سبل العيش الكريم، وضاقت أمامه فرص العمل، وشعر بالذل في جلب الدواء لأب مريض أو أم مريضة، فلن يتبصر بالمستقبل عندما يشده <داعش> الى جانبه، كما يحصل في وسائل التواصل الاجتماعي، بل يطبق مبدأ <كاد المريب أن يقول: خذوني>.

   والتحقيق الذي يجريه رجال الشرطة الفرنسية مع الشبان الستة الذين قبض عليهم يوم الاثنين الماضي بجرم التواطؤ أو المشاركة أو التخطيط لمجزرة <الستاد> الرياضي والمسرح الكوميدي، والمطعم السياحي، يجب ألا ينطلق فقط من معرفة المحرّض، والمخطط، وشركاء الجريمة، بل ينبغي أن ينطلق من السؤال الأول لكل شاب من الشبان الستة: ماذا تعمل؟! وكم هو دخلك الشهري؟! وكم هو المصروف الذي تؤمنه لعائلتك؟!

   بدون الغوص في الأحوال المعيشية للشبان الذين نجح <داعش> في استقطابهم، لا يمكن حل المشكلة، حتى بطائرات <السوخوي> و<الميراج> و<أف 16>. فالضغط يولّد الانفجار، والقمع ينتج مزيداً من الارتماء في أحضان الارهاب و<داعش> حتى لو كان الفتى المنشود فرنسياً، أو بلجيكياً، أو ايطالياً. ومن البيئة الفقيرة التعيسة يمكن أن ينشأ العقل المدبّر، مثل البلجيكي عبد الحميد أبو العواد ابن السابعة والعشرين سنة، أو الفرنسي سليم بن غانم الذي احتجز الصحافيين الفرنسيين الأربعة، أو صلاح عبد السلام ابن السادسة والعشرين الذي وضعته الشرطة الفرنسية على لائحة المطلوبين في تفجيرات الجمعة الماضي، أو ابراهيم عبد السلام الذي فجّر نفسه عند مقهى <كونتوار فولتير> في الدائرة الحادية عشرة، الدائرة التي يقع فيها سجن <الباستيل> وانطلق منها الثوار التاريخيون عام 1789، وولد معهم النشيد الوطني: <هيا أبناء الوطن فيوم المجد قد أهل>.

معنى مؤتمر <فرساي>

   وقد اختار الرئيس الفرنسي <فرانسوا هولاند> قصر <فرساي> التاريخي الذي بناه <لويس الرابع عشر>، ليعقد الاجتماع التاريخي العاجل لمجلس النواب ومجلس الشيوخ، ويعلنها حرباً ضروساً وبلا هوادة على <داعش> ويعد بعشرة آلاف فرصة عمل في جهازي الجيش والشرطة، ويطيل حالة الطوارئ الى ثلاثة أشهر، ويجتمع بسيدة اليمين المتطرف <مارين لوبان> رئيسة حزب <الجبهة الوطنية>، وبخصمه اليميني المعتدل <نيقولا ساركوزي> زعيم حزب <الجمهوريين> ومنافسه الانتخابي عام 2012، ويقول لهما: <لقد دقت ساعة الالتفاف حول الوطن>.

   والحقيقة ان الساعة قد دقت لتجميع كل قوى العالم، للخلاص من هذا الارهاب الدموي الكبير المتمثل في تنظيم <داعش>، ولم تدق الساعة فقط في فرنسا. وها هو الرئيس الأميركي <باراك أوباما> يعلن بدوره من قمة العشرين في <انطاليا> حربه الضروس على <داعش>، وينسى أو يتناسى ان الذي أنبت <داعش> هو السياسة الأميركية في العراق عام 2003 زمن الرئيس <جورج دابليو بوش>، عندما دخل الجيش الأميركي لإسقاط نظام صدام حسين، وقام بتفكيك الجيش العراقي وتسريح الضباط، فكانت ردة الفعل هذه اشتراك هؤلاء الضباط وعساكرهم في توليــــد تنظيم <داعش>، واطلاق جحافله في العراق وسوريا تحت راية دولة الخلافة الاسلامية في العراق والشام.

   أي ان العالم الفيزيائي الأميركي اخترع <فرانكشتاين> من جثة هامدة، وأطلقه لتصفية خصومه، فلما انتهى منهم ارتد على العالم الفيزيائي فقتله!

   وانظروا الآن الى العراق، إنه جثة سياسية مفحمة لم يرض <فلاديمير بوتين> أن يجعل سوريا نسخة منه أو من ليبيا، مع ان البلدين كان يحكمهما ديكتاتوران هما صدام حسين ومعمر القذافي، ولا يملك الأميركان برج-البراجنةوالفرنسيون بشخص الرئيس السابق <نيقولا ساركوزي> إلا أن يتساءلوا: هل أخطأنا بـــإزالة صدام حسين ومعمر القذافي؟

<داعش> قبل الأسد!

   وبالمعيار نفسه لا يريدون أن يخطئوا في إزالة بشار الأسد، لأن مرحلة ما بعده قد تكون أسوأ مثل العـــــراق أو ليبيــــا. وفيما قال <باراك أوباما> و<دايفيد كاميرون> من قمة <انطاليا> ان لا مستقبل في سوريا للأسد، تراجع الرئيس الفرنسي <فرانسوا هولانــــــد> عن المطالبة برحيل الأسد، فقال يوم الاثنين الماضي: <ما يهمنا الآن إزالة <داعش> لا إزالة الأسد>.

   وهكذا انقلب الموقف الفرنسي من بشار الأسد مئة وثمانين درجة.

   والآن.. الى أين؟!

   ومتى يتم القضاء على <داعش> ووقف أنهار الدم في لبنان وسوريا والعراق وفرنسا؟

   وما هو دور هيئة الأمم المتحدة في استيلاد قرار جديد كما يتمنى <فلاديمير بوتين> يُلزم دول العالم بتجريد <داعش> من أي سلاح أو مورد مالي أو دعم من وراء الستار؟

   وكما بدأنا ننتهي، وهو ان مفتاح المعركة ضد <داعش> موجود الآن في طائرات <السوخوي> الـــــروسية، ومعهـــــا طــــــائرات <الميراج> الفرنسية، ولكن القصف الجــــوي لا يكفي، بل يجب أن يتلازم مع قصف أسباب الفقـــــــر والمــــرض والحاجة المذلـــــة في صفـــــوف مجتمعــــــات الشبـــــاب العاطل عن العمـــــل، والمحكوم بظروف معيشية قاسية، والاعتماد على الجامعات والثانويات في التبشير بالعدالة الاجتماعية، والروح الانسانية، وإلا فإن <داعش> آخر سيظهر، إذا تم الإجهاز على <داعش> اليوم!

   والفكر الاجتماعي والانساني في هذا السبيل أمضى من الفكر.. العسكري!