22 September,2018

«بـوتـيــــن» يـــــلـعـب الـشـطـرنــــــج الـجــــــوي بـطـــــائـرات «سـوخـــــــوي»!

بقلم وليد عوض

333 ما أسوأ سمعة لبنان بهذا الاشتباك الذي حصل داخل مجلس النواب، عند انعقاد جلسة لجنة وزارة الأشغال البرلمانية برئاسة المهندس محمد قباني. فمن خلال هذه السباب والاتهامات المتبادلة بين نواب تيار <المستقبل> ونواب <الاصلاح والتغيير>، استحال لبنان نقطة صغيرة على اهتمامات المجتمع الدولي، وغاب الأفق المرسوم لانتخاب رئيس الجمهورية، وعلى لبنان أن يبدأ من الآن في استرجاع سمعته المهدورة، في وقت يعاني فيه من أزمات النازحين السوريين، وغياب الماء والكهرباء وضمان الشيخوخة، وعدم القدرة على تسديد الدين البالغ 70 مليار دولار.

صورة هذا الاشتباك البرلماني وهي تحتل الصفحات الأولى من الجرائد المحلية والعربية والأجنبية، وتأخذ حيزاً بارزاً من وسائل التواصل الاجتماعي، أفسحت في المجال للأميركان والأوروبيين للتساؤل: لماذا نخدم هذا البلد الصغير وهو غير القادر على تقديم صورة حضارية عن نفسه؟! صحيح ان برلمانات أخرى شهدت اشتباكات أخرى كالبرلمان التركي، إلا ان عين العالم لم تكن على تركيا، كما كانت على لبنان اقتصادياً وعسكرياً وثقافياً.

وأفضل ما يفعله الرئيسان نبيه بري وتمام سلام هو إنشاء خلية لاسترجاع الثقة في لبنان عربياً وعالمياً… والمشوار طويل!

لبنان الآن دخل دائرة الظلام في الاهتمامين العربي والدولي، خصوصاً وأن كل بلد منشغل بمشاكله وقضاياه. فالمملكة العربية السعودية التي تستضيف جالية لبنانية بعدد ثلاثمئة ألف انسان، تحب لبنان واللبنانيين، ولكنها تعيش المثل القائل: <بحبك يا سواري قد زندي لا>. فالشاغل الأكبر عندها الآن هي جارتها اليمن التي بسطت عليها كل الحماية، عسكرياً واقتصادياً واعلامياً. وكذلك فإن همها الثاني الآن معالجة ارتدادات هبوط سعر برميل النفط الذي يشكل العمود الفقري لاقتصادها، وهي المرة الأولى التي تلجأ فيها الى طلب القروض، بعدما كانت مصدراً للقروض.

وإيران التي لها حضورها في لبنان، عبر حزب الله وقوى 8 آذار، مشغولة بأنصارها الحوثيين في حرب اليمن، وعينها على تنفيذ الولايات المتحدة وباقي الدول الخمس زائد ألمانيا للاتفاق النووي الموقع في فيينا، وبتداعيات الحجاج الإيرانيين المفقودين في مأساة تدافع مشعر منى. كذلك فهي الجناح الآخر في مروحة الحماية الروسية الإيرانية لسوريا، وحماية نظام بشار الأسد من الانهيار. ويكفي أن الرئيس الإيراني <حسن روحاني> قال للرئيس الفرنسي <فرانسوا هولاند> في نيويورك على هامش اجتماعات الدورة السبعين لهيئة الأمم، إن الوقت لم يحن بعد لفتح ملف الرئاسة في لبنان.

 

شمس فرنسا.. الغائبة

putin-erdogan1

وفرنسا التي سميت <أم الدنيا عموم>، في حقبة من الزمن اللبناني، تكفيها مشاغلها وهمومها. فالمصاعب الاقتصادية في ازدياد، وفرص العمل في انكماش، وديونها تغطي رأسها، وأزمة المهاجرين تشعل النزاع في الداخل بين <هولاند> والرئيس السابق <نيقولا ساركوزي> وزعيمة اليمين المتطرف <مارين لوبان> التي تزداد شعبيتها يوماً بعد يوم، حتى يمكن التصور بأنها <أنجيلا ميركل> فرنسا الآتية في انتخابات ربيع 2017.

والرئيس <هولاند> لا يستطيع أن يقدم الى لبنان أكثر مما فعل، لأنه منشغل هو الآخر في تحضير معركة رئاسة عام 2017، وهو بين قرارين أحلاهما مر: إما أن يخوض المعركة الرئاسية مرة ثانية، ويحفظ كرامة الاشتراكية واليسار، كما فعل سلفه الراحل <فرانسوا ميتيران>، واما ان يعلن انسحابه من المعركة تاركاً لرئيسي الحكومة السابقين <آلان جوبيه> و<فرانسوا فيون> منازلة رئيس الحزب الجمهوري <نيقولا ساركوزي> ورئيسة حزب <الجبهة الوطنية> <مارين لوبان>.

وقداسة البابا <فرانسيس> رمز عالمي للانسانية والبركة، ولكن يتذكر الناس قول <نابوليون> في لغة الحرب والسلام: <كم يملك البابا من دبابات؟>.

ومصر راعية لبنان في سنوات الخمسينات والستينات، لم تعد قادرة على هذه الرعاية، وعندها من المشاكل والمتاعب ما يكفيها. وقد فتحت في النفق المظلم كوة بيضاء حين نأت بنفسها عن الشأن السوري، ومالت الى صيغة تجمع بين الرئيس بشار الأسد والمعارضة التي استضافتها في القاهرة غير مرة، وأعطت التدخل العسكري الجوي الروسي نفحة تأييد ما دام الهدف هو محاربة الارهاب واقتلاع شوكة <داعش> الذي وصلت مواصله الى سيناء ورفح.

وعين الرئيس عبد الفتاح السيسي لا تغمض عن سيناء، بعدما فقد فيها نخبة من العسكريين الشجعان تحت تفجيرات العصابات الارهابية، كما لا تغمض عينه عن وجوب اكتساح الديموقراطية لانتخابات مجلس الشعب منتصف هذا الشهر، والتقليل من مخاوف عودة رجال حسني مبارك، حيث قال في مهرجان ذكرى انتصار اكتوبر: <لن يستطيع أحد أن يعود بنا الى الوراء>. كذلك تكفيه مشكلته مع سد اثيوبيا ومخاطر تضاؤل كميات مياه النيل، روح الحياة في مصر.

كلهم مشغولون.. عنا!

 

putin-sissi2من يبقى لنا إذن؟

الولايات المتحدة لا تعير اهتماماً للملف اللبناني، ولا جاء ذكر لبنان في خطاب الرئيس <باراك أوباما> من منبر الأمم المتحدة، وهو أمر مختلف عن سياسة الرئيس الراحل <دوايت أيزنهاور> حين أرسل مبعوثه الخاص <روبرت مورفي> الى بيروت بعد مروره في القاهرة، صيف 1958، للاتفاق على قائد الجيش اللواء فؤاد شهاب كرئيس للجمهورية. صحيح ان الولايات المتحدة أرسلت تجهيزات عسكرية محدودة الى لبنان مؤخراً دون صواريخ أرض ــ جو، حتى لا يجري استخدامها ضد الطائرات الاسرائيلية، إلا ان محركات السياسة الأميركية لدعم لبنان، ولاسيما في معركته الرئاسية، لم تثبت وجودها، برغم شطارة السفير الأميركي <دايفيد هيل> المنقول الى العاصمة الباكستانية <اسلام آباد>، حيث لا يستطيع أن يفلح ويزرع ديبلوماسياً كما الحال في لبنان.

تبقى روسيا..

وتحديداً روسيا زمن الزعيم كمال جنبلاط، حيث كان لها دورها الفاعل في ترجيح كفة وزير الاقتصاد سليمان فرنجية في معركة الرئاسة على كفة حاكم مصرف لبنان الياس سركيس صيف 1970، حين انتقل كمال جنبلاط في آخر لحظة من جماعة التصويت للياس سركيس، الى جماعة التصويت لسليمان فرنجية. وروسيا الآن هي طائرة <السوخوي> ذات التقنية العالية في السماء السورية، وقد استخدمتها كحجر شطرنج جوي في أنقرة، حين اخترقت إحدى طائرات <سوخوي> الجو التركي لمدة دقيقتين لا أكثر، بحجة سوء الأحوال الجوية، وقد اعتبرها الرئيس التركي <رجب طيب أردوغان> انتهاكاً للسيادة الجوية التركية، وذهبت الى <بروكسيل> مقر الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي، للحصول على بيان استنكار أطلسي ضد هذا الخرق الجوي.

وتلازم هذا التطور مع لجوء 41 فصيلاً من فصائل المعارضة السورية الى اصدار بيان مشترك يدعو الى إنشاء تحالف اقليمي لمواجهة روسيا وإيران باعتبارهما قوتين تحتلان سوريا.

اختبار <بوتين>

وهكذا أراد الرئيس الروسي <فلاديمير بوتين> أن يجس نبض تركيا ويختبر ردة فعل حلف شمالي الأطلسي، ويعيد حجر الشطرنج الجوي الى مكانه، بعدما أدى المهمة.

والمشهد الروسي في سوريا، كما يقول الخبراء، مختلف عما كان عليه في أفغانستان زمان السبعينــــات، وقـــد جـــاء مــن رحــم دراســـة دقيقـــــة قــــام بهـــــا عـــــدد من العقول الاستراتيجية في روسيا، ولم يــــأتِ بفعل مغامرة، أو قفزة في المجهول.

وروسيا، بهذا التصور، باقية في سوريا شهوراً، وربما سنوات، ولسان حالها يقول لدول حلف شمالي الأطلسي: <أنا هنا>. وبذلك ستتحكم بملفات المجريات السياسية والعسكرية في المنطقة، خصوصاً بعدما صدر من المرجع الشيعي العراقي الكبير السيد علي السيستاني بيان يرحب بالمجيء الروسي الى العراق لاستئصال جذور <داعش>، وهذا الأمر يسحب البساط من تحت قدمي الولايات المتحدة التي قدمت الى العراق خدمات بمئات مليارات الدولارات، ولو أنها أخطأت في تفكيك الجيش العراقي عند دخولها العـــــراق عــــام 2003، وتسببت بهذا التفكيك في نشوء <داعش> من ضباط عراقيين سابقين تم تسريحهم!

روسيا حولنا وحوالينا..

وصار وجود طائرات <السوخوي> قرب سمائنا، مدعاة للتأثير في معركة انتخابات الرئاسة، واستيلاد سليمان فرنجية آخر.. من يدري؟!