18 November,2018

البحث عن حجر الأساس لحل سياسي في ظل هدم ما بقي من حجر على الأرض السورية

 

بقلم خالد عوض

franjiyeh-nassrallah

«بـوتـيـــــن» مـتـشـبـث بـالـمـفـاوضـــــات كـفـولـكـلــــــور  ضــــروري لـتـغـطـيــــة حـربـــــه فــــي سـوريـــــــا  

يمكن اطلاق أي مسمى على الجلسات الدائرة في <جنيف> بين وفدي المعارضة السورية ووفد النظام ما عدا كلمة مفاوضات. فالغارات الجوية والعمليات العسكرية البرية في أوجها والدمار هو النتيجة الوحيدة الأكيدة لكل ما يحصل. وحده المبعوث الأممي <ستيفان دي مستورا> متفائل بمجرد جلوس الأطراف المتنازعة حول طاولة مفاوضات في <جنيف> لعلها تصل إلى حل بينما الكل مقتنع أن المستر <بوتين> ماض في مخططه العسكري في سوريا وأن الأميركيين غير مستعجلين في الوقت الحاضر على فرض إطار حل سياسي لم تنضج معالمه بعد على الأرض. لماذا إذاً أصر الروس والأميركيون على <مؤتمر جنيف 3> وهم يعرفون أن ساعة الحل لا زالت بعيدة؟

 

<جنيف> وعروبة لبنان

 

بالنسبة للروس الأمر يتعلق بإنهاء المعارضة عسكرياً واجبارها على الإنخـــــراط في حل سياسي يكون النظام أحد مكوناته الرئيسية. وإجتماعــــات <جنيف> هـــــي فلكلور لـــــزوم تغطيـــــة الحــــــرب وتعـــــويم النظام، لا أكثر ولا أقل. أما بالنسبة للأميركيين فهم يؤمنون بسياسة الخطــــوة خطـــــوة وأن الحـل النهــــائي للأزمـــــة السورية سيأتي على مراحل، ومؤتمرات <جنيف> هي إحداها. تماماً كما كانت جلسات الحوار اللبنانيــــة التي عقدت في <جنيف> عام ١٩٨٣. صحيح أنهــــا لم تغير يومها من أي فصل من فصول الحرب إلا أنها انجبت اتفاقاً مهماً حول تأكيد عروبة لبنان، هذه الهوية التي كانت سبباً خلافياً أساسياً وأصبحت نـــــــواة لإتفــــاق الطـــــائف بعد ست سنـــــوات. ولن يكون من السهل استنباط <طائف> سوري، خاصة في ظل وجود تنظيم إرهابي يحتل ثلث العراق وأكثر من ثلث سوريا ولا يعترف أساساً بالحوار، ولكن الجميع يبحث في <جنيف> عن حجر الأساس لحل ما يمكن أن يوقف الحرب ويرسم إطاراً دستورياً يكون مقبولاً للأكراد والعلويين والمسيحيين والسنة والشيعة والتركمان والأقليات الأخرى في سوريا.

 

الإستثمارات بدل المساعدات

salam-2

الحالة السورية تمر إذا في مخاض طويل يشق طريقه بين المتغيرات العسكرية على الأرض وبدء التنازلات السياسية من قبل الأطراف الجالسة في <جنيف>. وفي هذا الوقت يستمر تدفق النازحين إلى أوروبا وبالتحديد إلى ألمانيا والسويد والدانمارك بحثاً عن المستقبل. والقلق الأوروبي المتزايد من بحر اللاجئين هو الذي شجع على عقد مؤتمر <لندن> لدعم سوريا والدول المجاورة وإطلاق الوعود بجمع ٩ مليارات دولار من الدول المانحة لمساعدة النازحين السوريين منها أكثر من ٤٠٠ مليون دولار من المفترض أن تكون من نصيب لبنان. والتركيز هذه المرة لم يكن على منح المساعدات بقدر ما كان على خلق الوظائف للنازحين لأنه الطريق الوحيد الذي يمكن أن يثنيهم عن البحث عن فرص العمل في ألمانيا أو اسكندينافيا. فاللاجئ يبحث أولاً عن الأمان الذي يحمي حياته فيهرب من بيته وحيه، ثم عن السقف الذي يمكن أن يأويه فيلجأ إلى منطقة أو بلد مجاور، ولكنه سرعان ما يبدأ بالتفكير في مستقبله، ولذلك يتوجه اليوم نحو أوروبا لأن الأردن ولبنان وحتى تركيا لا تؤمن الأمل بغد أفضل. ويبدو من محادثات مؤتمر <لندن> أن المنحى الذي ستأخذه المساعدات في المستقبل القريب هو خلق مناطق صناعية حرة تستثمر فيها الدول المانحة وتكون مخصصة لتوظيف النازحين أولاً ونسبة من سكان البلد المضيف في المرتبة الثانية. والظاهر أن الأوروبيين توصلوا إلى قناعة أنه فقط باستثمارات كهذه يمكن وقف المد البشري السوري نحو أوروبا. كل هذا يستلزم مواكبة حكومية وتشريعية، متوفرة في تركيا والأردن ولكنها غير موجودة في لبنان في ظل الفراغ الرئاسي والشلل الحكومي.

 

 أضعف الإيمان.. حكومة سوبر فعالة

هناك عدة أسباب تستوجب الإسراع في الإتفاق على رئيس للجمهورية وإنهاء الفراغ الكبير الذي إنعكس على كل شاردة وواردة في عمل الدولة أو ما تبقى منها. ولكن السبب الجديد الآتي من لندن هذه المرة هو أن لبنان أصبح أمام خيارين: إما انتخاب الرئيس لانتظام المؤسسات أو إذا تعذر ذلك فتفعيل كامل للعمل الحكومي في غياب رئيس للجمهورية من أجل مواكبة الدول المانحة بالقرارات والتشريعات التي تساهم في تخفيف أزمة اللاجئين. وإذا فشل لبنان في الإثنين فهذا يعني ذهاب معظم الإستثمارات إلى الأردن وتركيا وانكفاء الأوروبيين عن مد يد العون في مسألة النزوح السوري وتركنا نواجه لوحدنا عبء مليون ونصف مليون لاجئ سوري. والكلام عن ضرورة تفعيل الحكومة في هذه المرحلة يأتي في ظل عدم تبلور المواقف الداخلية بما فيه الكفاية لانتخاب رئيس للجمهورية. فـ١٤ آذار منقسمة بين مرشحي ٨ آذار والأخيرة منقسمة هي نفسها بين مرشحيها. كما أن الدول الإقليمية المتابعة للوضع اللبناني تبدو هي أيضاً غير معنية بموضوع الرئاسة تاركة الأمر للبنانيين و…أهوائهم.

 

الهدية في وقتها

frangieh-hariri

وهناك عدة اسئلة تؤشر الى أن قرار انتخاب الرئيس هو لبناني محض في هذه المرحلة. فمثلاً لماذا لا يجتمع الحريري وعون أو عون وفرنجية أو بري وعون فيلتقوا على اسم الرئيس طالما أن كل الأطراف قطعت أكثر من نصف المسافة التي كانت تفصلهما عن بعضهم البعض، وطالما أنه لم يعد هناك فيتو إقليمي على أحد؟ وهل صحيح أن لا أحد مستعجل لأن الإنتخاب الرئاسي في ظل عدم وضوح الرؤية في سوريا هو قفزة في المجهول؟ المرحلة الحالية تذكرنا بفترة <الطائف>. فالرئيس المقبل سيحمل مشروع إعادة تكوين السلطة، ولو من خلال الدستور الحالي، ومعالجة الإهتراء الذي أصاب الدولة خلال السنوات الأخيرة. وهذا الترميم يمكن أن يصيب الجميع ولذلك يبدو التريث أفضل الخيارات. وكما أن استقرار لبنان أمر متفق عليه دولياً فإن الإتجاه السياسي النهائي للبلد لم يحسم أمره بعد وهو بانتظار عدة تطورات،أهمها داخلي مرتبط بإعادة رسم التحالفات، ومنها إقليمي في سوريا والعراق واليمن، وربما بعضها دولي طالما أن الانتخابات الرئاسية الأميركية أصبحت على الأبواب. فلا أحد من القوى الإقليمية مضطر للتنازل لـ<باراك اوباما> في أي موضوع قبل بضعة أشهر من رحيله، بل الأفضل للجميع هو التمسك بكل الأوراق في هذه المرحلة حتى يتبين لون الخيط الرئاسي الأميركي. وإذا كان هناك من هدية في الشأن اللبناني تقدمها أي دولة من خلال تنازل ما فالأفضل أن تكون هذه الهدية في وقتها، وربما يكون هذا الوقت هو ربيع ٢٠١٧ عندما يكون الرئيس أو الرئيسة الأميركية الجديدة قد تسلم مهامه بالكامل.

ومن هنا حتى أيار (مايو) ٢٠١٧ يخلق الله ما لا تعلمون.