25 September,2018

«بـــوتين» يــرتب أوراق المنطقـــة السياسيـــة ويفتــح بــاب المصالحـــة بيــن دمشــق وواشنطـــن!

بقلم وليد عوض

الحريري-بوتين

بعبع جديد دخل حياة اللبنانيين اسمه التوطين. وحش من سلالة الديناصور. وأجراس التنبه من خطره تقرع في كل مكان، وأخيرها صرح بكركي الذي حذّر منه البطريرك مار بطرس بشارة الراعي في عظة الفصح يوم الاثنين الماضي. وشبح التوطين هذه المرة يخيّم فوق جموع النازحين السوريين، داخل وخارج المخيمات، كما خيم مطلع الخمسينات فوق جموع النازحين الفلسطينيين المتدفقين براً من حدود لبنان الجنوبية.

لقد حرص الرئيس بشارة الخوري ومعه الزعيم الخالد رياض الصلح رئيس حكومة 1949 على التوجه شخصياً الى بلدة الناقورة الجنوبية للترحيب بالأخوة الفلسطينيين الهاربين من جحيم المجازر التي ترتكبها الميليشيات الصهيونية وفي مقدمها <شترن> و<هاغانا> و<أرغون> بقيادة شذاذ آفاق مثل <دايفيد بن غوريون> و<موسى شاريت> و<اسحق شامير>. وكان في حساب بشارة الخوري ورياض الصلح ان النزوح الفلسطيني القسري، بعد بقر بطون الأمهات الحوامل في مجزرة دير ياسين، كما قال أمين عام الجامعة العربية يومذاك عبد الرحمن باشا عزام، لن يستغرق سوى بضعة أيام يعود أهل فلسطين بعد ذلك الى ديارهم، وكفى الله الفلسطينيين شر النزوح.

لكن الحسابات العربية لم تكن دقيقة. فما حسبوه مسألة أيام راح يتمدد أسبوعاً بعد أسبوع وشهراً بعد شهر حتى تحول الى كارثة نزوح وعبء قومي على اللبنانيين والعرب جميعاً، وتحول الى قضية حملها العرب الى المحافل الدولية وصولاً الى هيئة الأمم التي شارك لبنان في وضع بنيتها مع سوريا ومصر والعراق والسعودية في <مؤتمر سان فرانسيسكو> عام 1945.

هذا العبء الفلسطيني تعامل معه الرئيس كميل شمعون عام 1953 على درجتين: درجة القابعات والقابعين في المخيمات بكل ما يعانونه من حرمان، ودرجة الأغنياء الفلسطينيين الذين يمكن للبنان أن ينتفع من ثرواتهم وغناهم في بناء مشاريع انمائية، مثل بنك <انترا> الذي أسسه في البداية كوكالة صيرفة المتمول الفلسطيني يوسف بيدس، ثم حوله الى أكبر صرح مصرفي في تاريخ لبنان. ومع يوسف بيدس لمعت في بنك <انترا> أسماء فلسطينية كان لها تأثيرها، مثل بدر الفاهوم، واميل مسلم، واسكندر أيوب، فيما لمعت في جانب آخر من الحياة المصرفية والاعمارية أسماء مثل ادريان جدي، ورفعت النمر، وأنيس البيبي، وهاشم النابلسي، ونمر طوقان، وسامح الخالدي، وكامل عبد الرحمن وحسيب الصباغ وسعيد خوري.

ولاحتواء ثروات هؤلاء وقدراتهم المالية اهتدى الرئيس كميل شمعون الى الحل الذي رآه مناسباً لدمج الأغنياء الفلسطينيين في المجتمع الاقتصادي اللبناني، وهو منحهم الجنسية اللبنانية، ومن هنا كانت بداية توطين الفلسطينيين، وخصوصاً أولئك الذين كانوا على كفاءة مهنية عالية مثل أسعد نصر مدير عام طيران الشرق الأوسط الذي حل مكان أحد مؤسسي الشركة الشيخ نجيب علم الدين الذي قرر ترك المنصب ليتفرغ لعلاج زوجته المريضة ايدا، وكان في ذلك مثالاً في النبل والتضحية.

 

بين نازح ونازح

لكن واقع الأمس شيء وحاضر اليوم شيء آخر.

فالأمين العام للأمم المتحدة <بان كي مون> وهو يزور لبنان ينفي أن يكون هناك مسعى أممي لتوطين اللاجئين السوريين في لبنان، وهو نفي بمثابة الإشارة الى وجود هذا الهاجس. والبطريرك بشارة الراعي يحذر من شبح التوطين. ووزير الخارجية جبران باسيل يعقد مؤتمراً صحفياً يرسل فيه تحذيراً من التوطين، ويتهم به أولئك الذين لا يبدون أي موقف ضد احتمالات التوطين، وكأنهم بذلك لا يمانعون في اعتباره شراً لا بد منه.

والفارق واضح بين حالة النازحين الفلسطينيين عام 1949، والنازحين السوريين الآن. فلم يكن للنازحين الفلسطينيين أرض يعودون إليها، ولا بد لاستعادتها من معارك عربية ــ اسرائيلية مثل عام 1948، وعام 1967، وعام 1973. أما النازحون السوريون فإن أرضهم موجودة ولا تحتاج الى معارك لاستعادتها، بل يكفي أن يتوقف اطلاق النار بين النظام السوري والمعارضة المعتدلة من جهة، والميليشيات الارهابية مثل <داعش> و<النصرة> من جهة ثانية، والتقدم في مفاوضات جنيف بين النظام السوري والمعارضة هولاند-جنبلاطبإشراف المبعوث الأممي <استيفان ديمستورا> للوصول الى حل يعيد النازحين السوريين الى أرضهم.

والأمم المتحدة التي تحدثت عن بقاء طوعي للنازحين السوريين في أماكن وجودهم، كما ينص القرار رقم 2254، هي الآن صاحبة الدور الأكبر في منع التوطين، والإعراض عن استخدام عبارة البقاء الطوعي. كما للولايات المتحدة وروسيا اللتين تحالفتا عسكرياً وسياسياً في سوريا، دور تاريخي في منع التوطين إذا شاءتا، بعدما شاركتا في تقسيم فلسطين بالقرار 139 عام 1948.

وهكذا تصبح كرة التوطين في ملعب الجبارين: الأميركي والروسي. ولأن أيام الرئيس الأميركي <أوباما> في البيت الأبيض أصبحت معدودة، فالدور الكبير متروك الآن للرئيس الروسي <فلاديمير بوتين> الذي يمسك بخيوط اللعبة السياسية في الشرق الأوسط، ويعود إليه فضل نجاح الجيش السوري في استعادة مدينة تدمر وظلال ملكتها زنوبيا، لأن هذا الاسترجاع لم يكن ليحصل لولا النيران الكثيفة للطيران الروسي، حتى يمكن القول ان <بوتين> لا بشار الأسد هو من استرجع تدمر، ولو من بعيد بعدما سحب أكثر قواته من سوريا.

 

مستقبل… الأسد!

كذلك فإن الرئيس الروسي <بوتين> في نطاق العمل السياسي هو من كسر الجليد بين الولايات المتحدة وبشار الأسد، ونقل علاقاتهما من حالة عداء واستفزاز الى حالة تهدئة واستشراف لمرحلة أفضل. ولاحظوا ما قاله وزير الخارجية الأميركي <جون كيري> في موسكو بعد أربع ساعات من المحادثات مع الرئيس الروسي <فلاديمير بوتين>. لقد قال بالحرف الواحد: <اتفقنا على تسريع الجهود لحل سياسي في سوريا، وهذا يشمل اقناع رئيس النظام السوري بشار الأسد بالانخراط الكامل في محادثات الانتقال السياسي التي ستجري في جنيف>. ولاحظوا جيداً كلمة: اقناع.

وعلى الوتر نفسه ضرب نائب وزير الخارجية الروسي <سيرغي ريابكوف> حيث قال: <ان موسكو وجدت تفهماً من واشنطن على المدى البعيد لموقفنا الأساس بأنه ينبغي ألا تطرح قضية مستقبل الرئيس السوري على جدول الأعمال في المرحلة الراهنة>، وقابل هذا الانفتاح تصريح من رئيس وفد النظام السوري المفاوض بشار الجعفري قال فيه <ان حكومة بلاده مستعدة للتعاون مع أميركا في تحالف دولي ضد الارهاب>.

وهكذا انقلب الموقف السوري من الولايات المتحدة 180 درجة بعدما كانت واشنطن العدو الامبريالي لسوريا. وهذا التبدل في الموقف السوري حيال الولايات المتحدة بضاعة سياسية صنعت في موسكو. وهذا التراجع عن المطالبة برحيل بشار الأسد لم ينزل برداً وسلاماً على الدول الخليجية، وفي طليعتها المملكة العربية السعودية التي كان وزير خارجيتها عادل الجبير يربط أي حل سياسي انتقالي في سوريا برحيل الرئيس بشار الأسد، وعدم التساهل في هذا الموضوع.

وهذا التراجع الذي تقف وراءه روسيا قد يكون سبباً في تأجيل زيارة الملك سلمان بن عبد العزيز لروسيا، دون أن يلغي باقي المحاولات للاستفسار عن سبب هذا الضغط الروسي على الولايات المتحدة، ومحاولة انعاش حكم الأسد بعدما كان آيلاً للسقوط. ومن هذه المحاولات زيارة قام بها يوم الثلاثاء الماضي لموسكو رئيس وزراء لبنان السابق سعد الحريري الذي يتجاوز نشاطه السياسي دائرة لبنان الى دائرة الشرق الأوسط والتحالف الدولي.

كيري-بوتين

<هولاند> على الخط!

ثم يطل من الصورة الرئيس الفرنسي <فرانسوا هولاند> كحصان إضافي على صعيد الأزمة السورية، فيزور لبنان يومي السبت والأحد 16 و17 نيسان (ابريل) الجاري في جولة تشمل مصر والأردن بناء على دعوة رسمية من الرئيس عبد الفتاح السيسي والملك عبد الله بن الحسين.

وفي حقيبة <هولاند> الديبلوماسية ملفان: الأول يتعلق بالاستعداد الفرنسي لدعم الدول التي تستضيف النازحين السوريين وفي طليعتها لبنان والأردن. والثاني يتعلق بالانتخابات الرئاسية المعطلة في لبنان. وتنقل رندة تقي الدين مراسلة <الحياة> في باريس عن محادثات الرئيس <هولاند> والزعيم اللبناني وليد جنبلاط سؤال الأول للثاني عن حظ كل من سليمان فرنجية وميشال عون في الوصول الى قصر بعبدا، فيجيب وليد جنبلاط: لا حظ لأحد طالما ان حزب الله سيعطل انتخاب الرئيس.

وحده الرئيس بشار الأسد حتى الآن يستفيد من هذه التحولات، لأنه باقٍ في قصر المهاجرين حتى إشعار آخر، والفضل في ذلك للاعب الأمهر <فلاديمير بوتين>!