18 November,2017

بـعــد سـقــــــوط الـرقــــــــة.. ”داعـــــش“ إلـــى أيــــــــن؟

بقلم علي الحسيني

فرار-جماعي-لداعش-من-الرقة

بين ليلة وضحاها تحول تنظيم <داعش> الارهابي من اسطورة في الارهاب والاجرام ومن <دولة> في العراق والشام، الى خلايا مُبعثرة في أجزاء من العالم العربي لاسيما في العراق وسوريا، لا مأوى لعناصره ولا ارض يُمكن أن يرتكزوا عليها ولا كهف أو نفق يُمكن أن يستر وجودهم بعدما فقدوا كل مقومات الصمود وتحولوا إلى مجرد خلايا يسعى كل فرد فيها الى النجاة بروحه حتى ولو على حساب عائلته. والأغرب في هذا السقوط المُفاجئ، كان الانهيار السريع لمدينة الرقّة عاصمة <الدواعش> ونقطة تجمعهم ومركز قوتهم في العالم كله وهي التي كانت تُعرف بنقطة القرار.

 

الرقة على أبواب السقوط

 

ليس بعيداً عن العراق وما يجري فيه من تخبط لتنظيم <داعش>، مزيد من التقدم تحرزه قوات سوريا الديمقراطية (الكردية) على حساب تنظيمِ <داعش> في مدينة الرقة حيث بات الأخير محاصراً ضمنَ مساحة لا تتجاوزُ عشرين بالمئة من مساحة المدينة ليصبح موعد اقتراب تحرير الرقة بشكل كامل قاب قوسين أو أدنى. وبهذا تكون احلام التنظيم الذي عاث في العالم فساداً وقتلاً واجراماً وتنكيلاً، قد بدأت تتلاشى بعدما تقلصت مساحات احتلاله وذلك عقب خسارته الأخيرة للفرقة السابعةَ عشرة وصوامعِ الحبوب شمالاً فضلاً عن أحياء الروضة والرميلة وتشرين شرقاً وصولاً لمستشفى التوليد في قلب المدينة. وحتى الساعة، وحده انتشار قناصة <داعش> على أسطح بعض المباني في الرقة واتخاذ ما تبقى من أفراده للمدنيين دروعاً بشرية يشكل العائق الأكبر لاستمرار التقدم بذات الوتيرة التي بدأت بها معركة <غضب الفرات> التي تقودها <قوات سوريا الديموقراطية> في المدينة.

وأول من أمس، أعلنت وحدات حماية الشعب الكردية السورية أن القوات التي تقاتل> <داعش> في الرقة، توشك على إلحاق الهزيمة به، وأن إعلان تحرير المدينة من المتشددين ربما يكون خلال الاسبوع الحالي أو المُقبل على أبعد تقدير. ولكن تبقى الخلافات قائمة داخل المدينة حول من تبقى من مقاتلي التنظيم وأسرهم إلى خارج المدينة والذين يفوق عددهم الـ300 مقاتل على الرغم من بعض المعلومات التي تحدثت عن خروج معظمهم مع عائلاتهم الى جهات غير محددة. وقد ترافقت هذه المعلومات، مع معطيات شبه مؤكدة أفادت أن عدداً كبيراً من مقاتلي <داعش> استسلموا الى قوات <سوريا الديموقراطية> لكن من دون أن يحدد عددهم.

 

<داعش>.. نساء وطعام ومال

السيدة-التي-مزقت-رداءها-في-الرقة

يمكن القول إن مدينة الرقة تعيش آخر لحظاتها في ظل حكم <داعش>، الذي أذاق المدينة وسكانها الأمرين. فقد سيطر <التنظيم> على مدينة الرقة طوال السنوات الماضية تحت حكم السيف وقطع الرقاب وقتل الصغار والكبار في سبيل تعزيز حضوره وقد قام عناصره بكل أنواع الاجرام تماماً كما يفعل الاسرائيليون مع الشعب الفلسطيني. وحتى لحظة خروج بعضهم من المدينة، فقد آثروا اخذ رهائن معهم من الاطفال والنساء والشيوخ لاستعمالهم كدروع بشرية خلال توجههم الى ريف دير الزور التي قد تتحول الى معقل جديد لـ <داعش> والواقعة قرب الحدود العراقية.

وكان لافتاً لحظة خروج المدنيين من بعض مناطق الرقة باتجاه حواجز ونقاط تابعة لقوات <سوريا الديموقراطية> ليل الاحد الفائت، لجوء العديد من النسوة الى خلع الملابس الشرعية عنهم والتي كان فرض عليهم <داعش> ارتداءها منذ لحظة سيطرته على المدينة، وعند الحاجز الأول خلعت أول سيدة <اللباس الشرعي> وهي تصرخ <لا نريد ارتداء ثياب الكفر بعد اليوم، هؤلاء لا يعرفون الله، قتلهم الله فقد قتلونا وقتلوا رجالنا واغتصبوا نساءنا وشردوا أطفالنا>. فيما راحت تصرخ سيدة أخرى <هؤلاء لا يعرفون شيئاً عن الاسلام ولا عن انبياء الله. كل همهم متاع الدنيا والنساء والاكل والشرب. هم جبناء لا شهامة لديهم وسقوطهم اليوم اكبر دليل على أنهم مرتزقة ولا قضية لهم سوى حب النساء وجمع المال>.

 

<الأرملة البيضاء> من علب الليل الى مسؤولة التجنيد

 

إلى أي حد يمكن للمرء أن يكون على استعداد للتخلي عن طريقته بالحياة؟ هل يمكنه أن يتخيل لو انه يعيش في مدينة تحكمها منظمة مثل <داعش>؟ كيف سيكون يومه وهو يرى شباناً من كل الجنسيات متمسكين بسلاح كأنه هويتهم الوحيدة؟ اذاً أهلا بكم في الرقة، <المدينة> التي حكمها السواد لفترة تزيد عن أربعة اعوام، قبل أن يعود اليها اليوم، بصيص من النور على وقع خروج <الدواعش> منها. لكن السؤال الابرز، كيف استطاعت هذه المدينة التي حكمها كل هذا التخلف، أن تتحكم بقدر امرأة عاشت الحياة بطولها وعرضها وكانت منبراً للأغنية الصاخبة وصاحبة بصمة في عالم الليل وعلبه الملونة بأشكال الفسق الممتد من الكحول الى دنيا المخدرات والدعارة.

البريطانية سالي جونز الملقبة بـ<الأرملة البيضاء>، والتي تقاتل في صفوف تنظيم <داعش> بسوريا، قُتلت الاسبوع الماضي مع ابنها البالغ من العمر 12 عاماً خلال غارة لطائرة أميركية من دون طيار في مدينة الرقة. وأشارت صحف بريطانية إلى أن طائرة حربية أميركية نفذت ضربتها حين كانت <جونز> تحاول الهرب من مدينة الرقة المحاصرة، على الرغم من ان الجهاز الامني الاستخباراتي البريطاني، كان يُحاول كل الفترة الماضية، اقتفاء أثر <جونز> بهدف القبض عليها واعادتها الى بريطانيا. ومن المعروف ان <جونز> او <الأرملة البيضاء> كما يسمونها والتي تبلغ من العمر 45 عاماً وهي مغنية <راب> سابقة وام لطفلين، كانت انضمت إلى تنظيم <داعش> وتزوجت أحد قادته، ولتصبح لاحقاً أهم شخصية في مجال تجنيد النساء في التنظيم. وقد تمكنت من تجنيد نحو 200 فتاة كما سهّلت عمليات تزويج بينهن وبين قادة عناصر في التنظيم.

و<جونز> التي كانت قد تزوجت من رجل يدعى جنيد حسين في مدينة <بيرمنغهام> وسط إنكلترا، والذي قُتل خلال هجوم لطائرة أميركية من دون طيار عام 2015 في سوريا، انتقلت الى الرقة مع ابنها الأصغر <جو ديكسون> الذي أدى دور الجلاد في شريط دعائي للتنظيم، مسؤولة وزوجها عن التخطيط لأكثر من 12 هجوماً ارهابياً في أكثر من بلد أوروبي وفي الداخل السوري. ومن المعروف أن هذه الامرأة، كانت قد عانت لسنوات طويلة من ادمان على المخدرات والتسكع في علب الليل وكان لها العديد من الزيجات منها ما كان ينتهي بفترة تقل عن 24 ساعة، بحيث تصفها احدى الصديقات، بالعاشقة للجنس والرجال وبأنها كانت طوال حياتها تسعى لأن تكون معروفة بين الناس.

زوجة-احد-قادة-داعش-تروي-مأساتها

تاريخ الرقة وحاضرها

تقع محافظة الرقة في شمال سوريا حيث نهر الفرات يمر من أراضيها والذي أسهم بازدهار الزراعة فيها وأصبحت تسهم بشكل أساسي في تحقيق الاكتفاء الزراعي الذي تُعرف سوريا به وخصوصاً في زراعة القمح والقطن. ويحيط بالمدينة عدة حقول للنفط كانت تنتج 380 ألف برميل نفط يومياً.

وقد بدأت خلايا <داعش> بالظهور في الرقة في صيف عام 2013 وبدأ مسلسل أختطاف وقتل النشطاء، فأصبح الاهالي يسمعون في كل يوم بقتل وخطف ناشطين، وبدأ الأمر بالتفاقم حينما فجرت <داعش> سيارة مفخخة بمقر لواء أحفاد الرسول في الرقة الممثل بمحطة القطار سابقاً وقتل في الانفجار اكثر من 50 شخصاً، ليشكل هذا الحدث حالة من الرعب على بقية الفصائل بالرقة والتي سارعت الى مبايعة الفصائل الكبرى فانقسمت لـ3 أقسام: قسم بايع <جبهة النصرة> وقسم بايع <أحرار الشام> والقسم الاخير بايع <داعش>، ولكن تمكنت <داعش> بالنهاية من فرض سيطرتها في ظل تردد البعض في محاربتها ومحاولتهم التوصل الى حل وسطي، لاسيما أن الشغل الشاغل لمختلف الفصائل كان محاربة النظام.

وحتى الأمس، كان يمضي عناصر <داعش> أيامهم في الرقة ما بين المقاهي والنوادي ومقاهي الانترنت، بالإضافة إلى إحياء الولائم على ضفاف الفرات كما يعشقون على ما يبدو <التمختر> في أحياء المدينة بكامل سلاحهم وسياراتهم <المفيّمة>. كانوا يمتهنون السرقة، التجسس، السلبطة، الابتزاز، التعدي، إهانة الناس بلا سبب، ملاحقة الناس في لقمة عيشهم، الحواجز، تجنيد المخبرين، وملاحقة الناشطين. يقول الاهالي، النظام السوري كان يتهمك بأنك عميل لقطر والسعودية وارهابي <الدواعش> يتهمونك بأنك كافر وعميل للاميركان. ولا يذكر <الرقاويون> أن أحداً من <داعش> استطاع تشكيل علاقة مع أي من الأهالي <الكره متبادل ولا وجود لأي أساس للبناء عليه>.

<الدواعش> في الرقة بحسب الاهالي، يتمسكون ببضع كلمات حفظوها لا يدركون معناها، يرددونها بين الحين والآخر عن الشريعة وتطبيق الحدود والتكفير، والقتل، وحين يتحدثون عن القتل تلمع عيونهم ويشعرون بالقوة تسري في جسدهم من جديد، يدركون أن سلاحهم الأمضى هو سمعتهم بجرأتهم اللامتناهية عليه، التفنن به، ولزيادة قتامة الصورة فهم يرحبون بما يروج عن هوسهم بالتمثيل بالجثث ولا يخفون ولعهم بذلك.

طريق <داعش> الى سوريا 

وصول المقاتلين الى سوريا هو أمر تتشارك فيه دول عدة وبمباركة من اسرائيل التي لا تتوانى عن تقديم التسهيلات واللوجستيات والاستشفاء لمقاتلي <داعش> و<جبهة النصرة>. كما لا تزال تعتبر تركيا اللاعب الابرز في الحرب الدائرة في سوريا فهي لا تكتفي بتأمين الممرات واماكن للمعارضين بل تضيف الى خدماتها وسائل نقل جوية حيث تقوم بمساعدة المقاتلين الاجانب الذين يأتون من دول عدة وينتمون الى تنظيمات وبلدان مختلفة منها اليمن وليبيا الى داخل اراضيها ومن ثم يُصار الى نقلهم جواً الى القواعد الاميركية والبريطانية في الاردن وتحديداً في منطقة الزرقاء على ان تلي هذه المرحلة مرحلة التدريبات العسكرية على يد جنود اميركيين وبريطانيين قبل البدء بالتسلل الى سوريا فلبنان عبر الممرات غير الشرعية. وبعد عمليات التدريب يتوجه العناصر من الزرقاء في الاردن الى الجولان مباشرة حيث يكون ممرهم من الجهة التي يسيطر عليها العدو الاسرائيلي.

والجدير ذكره ان الخطوط هذه سواء من الرقة او البوكمال جميعها تؤدي الى الحدود اللبنانية وان استغرقت عملية الانتقال اسابيع لكنها تُعتبر الممرات المتاحة الوحيدة التي كان يستطيع المقاتلون ان ينتقلوا عبرها في أولى-عمليات-الاعادم-في-الرقةامان ومنها كانوا يصلون الى لبنان قبل أن يتم طردهم خلال معارك الجرود مع حزب الله والجيش اللبناني.

 

<داعش> بعد الرقة.. إلى أين؟

معركة الرقة باتت شبه منتهية، حيث أن <سوريا الديمقراطية> باتت تسيطر على نحو 95 في المئة من المدينة، فنتيجة الضربات الجوية المكثفة للتحالف الدولي انسحب تنظيم <داعش> خلال 48 ساعة من خمسة أحياء على الأقل في المدينة، فيما تقهقر من تبقى من عناصره إلى حي الأمين ومركز المدينة والمجمع الحكومي، وبعض المباني في الوسط. وبعد مقتل المئات من عناصره خلال الأسابيع الفائتة، لم يعد التنظيم قادراً على الصمود لفترة أطول في مدينة الرقة، نتيجة بدء نفاد مخزونه من المعدات العسكرية والأسلحة، والنقص المتزايد في المواد الغذائية المخزنة لديه ولم يعد قادراً حتى على إسعاف جرحاه، الأمر الذي دفع عناصره إلى الانسحاب نحو مناطق في وسط المدينة يعتقدون أنها آمنة حتى هذه اللحظة.

وأمام هذا الواقع، لم يعد أمام <داعش> سوى ثلاثة خيارات: الأول الانتقال إلى حرب العصابات والذوبان في الصحراء، وهو أمر له فيه خبرة في العراق. الثاني اللجوء إلى دول يوجد فيها موطئ قدم له، مثل سيناء أو ليبيا أو الحدود العراقية. أما الخيار الثالث الذي قد يلجأ التنظيم إليه، بحسب خبراء، هو القيام بعمليات إرهابية في أوروبا، ينقل خلالها المعركة من الشرق الأوسط إلى الغرب، ويولد دينامية صراع جديدة قد تقود إلى حروب أوروبية.

وبين الفرار وحالة اللااستقرار التي بات يعيشها تنظيم <داعش> في العديد من الدول العربية والتي كان للبنان اليد الطولى في تقهقر هذا التنظيم، ثمة زوجات لقادة في التنظيم بدأن يخرجن الى العلن بعد هروبهن من الرقة ودير الزور وريفي حمص وحلب، ورحن يتحدثن عن معاناتهن مع أزواجهن بعد اجبارهن على الزواج من أمراء كبار لم يروا فيهن سوى اجساد جميلة يمكن الاستمتاع بها لفترة من الزمن قبل طلاقهن وتزويجهن الى أشخاص مقابل المال، وعادة ما كانت تحصل مثل هذه الامور مرة ومثنى وثلاث.