16 November,2018

بـشــــار الأســــد لـــم يـعــــد شـرطـــــاً للـتـغـيــيــــــر وفــــرنسـا تفـــك أســر صـفـقـــة الســلاح الدوليـــة!

 

بقلم وليد عوض

aaaaa

لا يستطيع لبنان أن يعيش وحده في هذا العالم الواسع الذي يغص بمليارات البشر. كان على الدوام في حاجة وعوز الى دول كبرى لتسانده وتشد من أزره. ومن يملك ما لا يكفي من العتاد العسكري، يستطيع أن يتملك حلقات من الصداقة العالمية التي تسانده وتدعم مواقفه.

في زمن الخمسينات كان لبنان يعتمد على صداقة الملك عبد العزيز آل سعود، ملك المملكة العربية السعودية، وكان في سبيله يبذل كل غال ورخيص، وعلى مودة الملك فاروق الأول ورئيس وزرائه مصطفى النحاس باشا رئيس حزب <الوفد>. وكانت صلة العاهل السعودي بلبنان تتم عبر ثلاثة لبنانيين مكافحين: أمين الريحاني، الحاج حسين العويني ونجيب صالحة.

في جانب آخر، كان رئيس جمهورية لبنان الشيخ بشارة الخوري يعتمد على صداقة سوريا ممثلة بالرئيس شكري القوتلي ولطفي الحفار، وفارس الخوري وصبري العسلي. وفي النطاق العالمي كان البلد مسنوداً بالولايات المتحدة رغم بعدها الجغرافي ممثلة في القائم بالأعمال الأميركي <ووزورد>، وكان العامة من اللبنانيين يسمونه <وظوظ>، والقائم بأعمال إنكلترا <المستر سبيرز> الذي يحمل اسمه أحد شوارع منطقة الصنائع، وبهذا الغطاء الدولي الذي وصل الى أعلى مراتب التجلي عام 1945 بالوفد اللبناني الى <لوس انجيلوس> برئاسة وديع نعيم وعضوية عبد الله اليافي وصبحي المحمصاني وشارل مالك ويوسف سالم، فكان لبنان من مؤسسي هيئة الأمم المتحدة.

الآن.. من يقف الى جانب لبنان؟ ومن يوفر له الغطاء الدولي؟

كانت فرنسا رغم فترة انتدابها في لبنان، مرجعاً دولياً رئيسياً لهذا البلد، منذ أن وضعت له أسس جمهورية لبنان عام 1920 بعد انهيار الامبراطورية العثمانية والامبراطورية الألمانية. وبعد اقتحام السياسة الأميركية لهذه المنطقة، باتت واشنطن المرجع الدولي الأول للبنان. وكان الرؤساء الذين تعاقبوا على سدة البيت الأبيض منشغلين عن لبنان بمشاكل داخلية وإقليمية، وكان الرئيس <دوايت ايزنهاور> قائد معارك الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، أبرز من اهتم بلبنان، ذهاباً من إجبار اسرائيل على ترك صحراء سيناء والعمل مع الرئيس جمال عبد الناصر على ترتيب الأوضاع اللبنانية بعد اشتباكات عام 1958، وأرسل <ايزنهاور> مندوبه <روبرت مورفي> الى بيروت بعد مروره في القاهرة لتحضير الفرص الكفيلة بانتخاب اللواء فؤاد شهاب رئيساً للجمهورية.  وكان ظل الرئيس المصري جمال عبد الناصر واضحاً في هذا المسار خصوصاً بعدما قطع رحلته البحرية الى يوغوسلافيا في التاسع من أيار (مايو) 1958 على اثر أحداث مدينة طرابلس.

وقد شغل لبنان اهتمام الأمناء العامين للأمم المتحدة مثل القطب الكـــــوري الجنـــــوبي <بان غي مون>. فكان هناك مبعوثون أمميون الى جانب الرسل الأميركان مثل <دين براون> و<كوندوليسا رايس>، إلا أن السياســـــة الاميركيـــــة في لبـــنان كانت سياسيـــــة إملائيـــــة ولاسيمـــــا حــــين طرحت <كوندوليســــــا رايــــــس> مشروع الشرق الأوسط الجديد.

 

حول القمة العربية

وصداقات لبنان في مؤسسات الأمم المتحدة برزت في العمل الوظيفي الأممي جنباً الى جنب مع الملف الفلسطيني. كانوا يتعاملون مع لبنان كأرض مضافة لأربعمئة ألف فلسطيني، وأحياناً كانت تبرز شجاعة بعض كبار موظفي الأمم المتحدة مثل بنت الأردن الدكتورة ريما خلف مديرة <منظمة الاسكوا> في بيروت، إذ رفضت الانصياع لبيان الأمم المتحدة الذي لم يحمل إدانة الاستيطان الاسرائيلي وآثرت الاستقالة على البقاء في منظمة تخدم مصالح اسرائيل.

ولم تكن مقررات القمة العربية في الأردن على هوى كل المراقبين، فقد رأى فيها بعضهم اجتراراً لقرارات القمم السابقة، ولم يكن هناك قرار حاسم بالنسبة لحركة الاستيطان الاسرائيلي، وكانت الجلسات أقرب الى الآراء منها الى القرار، كما رأى فيها البعض الآخر تحولاً في الموقف العربي حيال الأحداث السورية، تمشياً مع تصريحات وزير الخارجية الأميركي الجديد <ريكس تليرسون> الذي صرح من أنقرة بعد لقائه الرئيس التركي <رجب طيب اردوغان> ان رحيل بشار الأسد عن سدة السلطة في سوريا لم يعد شرطاً لدى الولايات المتحدة، بل أصبح مصيره متروكاً للشعب السوري الذي هو صاحب القرار في بقائه أو عدم بقائه في السلطة، رغم مجزرة خان شيخون بالسلاح الكيماوي ومقتل أحد عشر طفلاً لم يأتوا أي ذنب.

وكانت الولايات المتحدة في عهد الرئيس <باراك أوباما> تعتبر رحيل الأسد عن السلطة شرطاً لمفاوضات انتقال السلطة في سوريا وفقاً لمقررات مؤتمر <جنيف واحد>.

أما التبدل الثاني فهو الاستعداد الخليجي للانفتاح على ايران إذا توقفت عن التدخل في البلدان الخليجية، وهذا ما صرح به علناً وزير خارجية البحرين الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة.

أي هناك تحولان: واحد صوب سوريا والرئيس الأسد، وثاني صوب ايران إذا أوقفت تدخلها في البلدان الخليجية، ولعل هذا التحول يأتي استعداداً للقمم الثلاثة في البيت الأبيض هذا الأسبوع بين الرئيس <دونالد ترامب> والملك الأردني عبد الله الثاني، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والرئيس الفلسطيني محمود عباس، في جو سياسي تحاول الإدارة الأميركية فيه ضرب العلاقات الايرانية – السورية وعزل ايران عن أي تحالف مع تركيا.

ولعل لبنان هو الذي يستقطب الأجواء بعد هذه القمة العربية في الأردن. البادرة الاولى كانت سفر رئيس وزراء لبنان سعد الحريري مع الملك سلمان بن عبد العزيز في طائرة ملكية واحدة للتدليل على أن علاقات رئيس وزراء لبنان مع المملكة العربية السعودية لم تصب بأية نكسة بل هي باقية على قوتها ومتانتها، برغم القصور في تعويضات الموظفين المسرحين من شركة <سعودي أوجيه>.

ولم يمكث الرئيس الحريري في الرياض إلا لمجرد ساعات، أولاً لمواصلة الاهتمام بجلسات الموازنة الغائبة عن الصدور منذ العام 2005، وثانياً لتوفير فرص الاستعداد لمؤتمر <بروكسيل> هذا الأسبوع، وزيارة برلين للقاء المستشارة الألمانية <أنجيلا ميركيل>.

نافذة سعودية للحريري

hollande-hariri---a

وقد تشاور الرئيس الحريري في موضوع مؤتمر بروكسيل الخاص بالنازحين مع ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وعرض توطئة لخطة الحكومة اللبنانية، من أجل النازحين، تأسيساً على تقرير لمجلس الإنماء والإعمار. وكان اجتماع الرئيس الحريري مع ولي ولي العهد السعودي من أجل لجنة لبنانية – سعودية عليا تنعقد في الرياض مع مطلع أيار (مايو) المقبل، وتصحح فيها العلاقات اللبنانية – السعودية بعيداً عن سياسة حزب الله.

وعلى جبهة مؤتمر بروكسيل يحمل الحريري نسائم البلد الديموقراطي المثالي في العالم، وهو لبنان، ويدعو الى الثبات والاعتدال والقياس على لبنان في التعاطي مع دول الأرض، ويأخذ من مؤتمر بروكسيل هذه الصفة الغالبة للبنان بعدما كان زمن السبعينات بلد التناحر الدموي قبل أن يأتي اتفاق الطائف ويعيد إليه السلام والطمأنينة وأواصر الحياة المدنية. وبهذه الروح التقى رئيس وزراء لبنان سعد الحريري الرئيس الفرنسي <فرانسوا هولاند> وفك معه أسر صفقة السلاح الفرنسية التي تمولها المملكة العربية السعودية. وقد منحه الرئيس الفرنسي وسام جوقة الشرف من رتبة كوموندر.وكذلك بهذه الروح التقى المستشارة الألمانية <أنجيلا ميركل> في برلين. ويتحصن رئيس وزراء لبنان في مؤتمر بروكسيل وزيارة قصر <الاليزيه> بتماسك داخلي بين الأحزاب بحيث يطل رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع على المشهد السياسي بروح ودية، ويمنع الزعيم وليد جنبلاط ممثله في الحكومة وزير التربية والتعليم مروان حمادة من تقديم استقالته، ويجد الزعماء الخمسة أمين الجميل وميشال سليمان ونجيب ميقاتي وفؤاد السنيورة وتمام سلام أنفسهم خارج أي تأييد شعبي في البيان الخماسي، وإن كانت النية في إصدار هذا البيان طيبة ولا تعاكس مسار الدولة التي يمثل فيها الرئيس ميشال عون قمة التوافق الديموقراطي.

 

الأسد و… المشكلة!

 

ماذا يستطيع الرئيس <هولاند> أن يفعل في الشهر المتبقي له في السلطة؟!

لقد أطلق إشارة إيجابية نحو الرئيس السوري بشار الأسد عبر وزير الخارجية الفرنسي <جان مارك ايرولت> وانضم الى وزير الخارجية الأميركي <ريكس تليرسون> في مقولة: <لم يعد ذهاب الرئيس بشار الأسد في سوريا من الأولويات>، وهذا يعني ضرب العلاقة السورية – الايرانية، بعد العلاقة الايرانية – التركية. فــــالرئيس الــــتركي <رجــب طيــب اردوغان> الذي يحصل هذا الشهر على صلاحيات دستورية جديدة من مجلس النواب ليحكم بنظام رئاسي مثل فرنسا والولايـــــات المتحــــــدة، لا يــــــرى عجلــــــة في ذهـــــــاب الأســـــد عن السلطـــــة، ويمكن أن يكون هذا الأمر مؤجلاً الى حين.

ولكن هل تستطيع الولايات المتحدة وفرنسا ودول الخليج فك الحلف السوري – الايراني؟ انها القضية الآتية هذا العام، والروح السياسية الجديدة التي أطلقها الرئيس الأميركي الجديد <دونالد ترامب> مع التحفظ حول المعطيات السياسية التي يمكن عليه تعزيز الحواجز السياسية مع ايران وتبادل البلدين العقوبات الاقتصادية. وإذا جاءت زيارة كل من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والملك الأردني عبد الله الثاني، والرئيس الفلسطيني محمود عباس، للبيت الأبيض ميالة الى فتح سياسي جديد مع الإدارة الاميركية، فهناك أمل يهدهد مهجة العرب الذين جعلوا من القضية الفلسطينية محور كفاحهم منذ النكبة عام 1948.

وبقدر ما سيبدي الرئيس <دونالد ترامب> نفحة جديدة حيال القضية الفلسطينية، مركزاً على قيام دولتين: اسرائيل وفلسطين، بقدر ما يؤمن العرب بأن تغييراً ما قد حصل في السياسة الأميركية، وإلا فلن يكــــون <تـــــرامب> أفضـــــل من <أوبامـــــا> و<كلينتــــون> و<جيمي كارتر>.

ومن البيت الأبيض تشرق شمس فلسطين أو تنكفئ.