18 February,2020

بعد مشوار رياضي مليء بالجوائز والإنجازات وتحطيم الأرقام القياسية

 

غريتا تاسلاكيان: عشرون سنة من الخبرة في متناول الجميع!

 

بقلم كوزيت كرم الأندري

 

حدسي لم يُخطئ: غريتا تاسلاكيان ليست امرأة عادية، ولا هي مجرد عدّاءة تتمرن على الركض فتحصد الجائزة تلوَ الأخرى. إنها امرأة ذكية. عميقة. حساسة. وهي طبيعية و<قريبة> إلى أبعد حدود. دُهشت بأنوثتها المقرونة بحكمة وبصلابة داخلية، بعيداً من <الهَوبرة> الخارجية. هكذا تركت السيدة يريفانيان بلادها و<مجدها> الرياضي فيها (وخارجها)، للعيش مع زوجها حيث يحتّم عليه عمله أن يكون. وهكذا تركت السباقات لتكون، بفرح وشغف، حيث تحتّم عليها أمومتها أن تكون… حتى إشعارٍ آخر! لكنّ صاحبة الميداليات الذهبية، التي كسرت الأرقام القياسية الوطنية في الركض وشاركت في مسابقات أولمبية، لا تستريح. فقد أخذت على عاتقها تحويل أجسام مئات الأشخاص، <اللّي يمكن مِش لابسين إسبادري بحياتن>، إلى أجسام رياضية! إليكم حواري معها…

ــ يوم توقّفتِ عن المشاركة في السباقات المحلية والإقليمية والعالمية بعد حوالى عشرين سنة من المشاركات والإنجازات، كيف أتى هذا القرار؟ هل تردَّدتِ؟ هل أخد قرار كهذا وقتاً ليُحسم، أم أنه نضج بشكلٍ طبيعي؟ وما الذي فرض هكذا تنحّي: جسمك؟ عمرك؟ الأمومة…؟

– لم أقرر، يوماً، التوقف عن المشاركة في السباقات، لا بل تابعت نشاطي الرياضي فركضت بعدما أنجبت طفلي الأول، إيفان، وفزت في بطولة لبنان للـ200 و 400 متر، وحقّقت في سباق الـ200 متر رابع أسرع نتيجة وصلت إليها في كل مسيرتي الرياضية. طبعا لا شك في أن ظروفي الأُسَرية تحول الآن دون مشاركتي في مسابقات عربية أو آسيوية أو عالمية، لكن رغم ذلك حللت في المرتبة الأولى في ترتيب عام 2016، إلا أن نتيجة العدّاءة شيرين نجيم أهّلتها، حينذاك، للمشاركة في الألعاب الأولمبية. تابعت التمارين، بعد الولادة، ولم تكن لدي النيّة في التوقّف، لاسيما وأنني أريد أن يربى أطفالي الثلاثة في جو رياضي صحي لجسدهم ولعقلهم. فبعد إنجابي التوأمين لِيو ولوكا عدت إلى التمارين، عام 2018، وقررت تبديل المسافة من الـ400 متر إلى الـ800 متر. <كان عندي طموح وعزيمة إكسر رقم الـ800 متر>، لكن القدر يبدّل حياتك، أحياناً، بين ليلة وضحاها. هكذا اضطُررت، لأسباب عائلية، إلى الابتعاد عن البلد، وهو أمر لا أندم عليه لأن <ما رح فضّل كفّي رياضتي على ضهر عيلتي>.

ثم أردفت:

– لا أزال أتمرن باستمرار وإن بات تركيزي موزّعاً، بحكم مسؤولياتي، على أمور كثيرة، لكن إرادتي ونيتي في المشاركة بالسباقات لا تزال هي هي، وإن أُتيح لي أن أشارك مجددا <برجع بفوت بهالدوامة>!

ــ بالرغم من جهلي شبه التام في المضمار الرياضي، لكن أعرف أنكم تتمرّنون، أحياناً، سنة كاملة لتخفيض رقمكم السابق score، فهل حدث أن خانك جسمُك؟

– هذا صحيح. نحن نتمرّن طوال السنة لنخفّض من رقمنا أقل من ثانية واحدة، لنخفّض عُشر الثانية. هل حدث أن خانني جسدي؟ نعم، في الكثير من المرات. نحن لسنا <روبو>، عقلنا وجسدنا يعملان معاً. مهما كان جسدكِ قويا، يمكن لأي حدث أو عامل أن يؤثر فيكِ سلباً <ويعملّك بلوك>، فتعجزين عندها عن إعطاء النتيجة المرجوّة وحصد ما زرعته. هذا ما حصل معي، مثلاً، عام 2012. فبعدما كنت قريبة جدا من التأهّل للمشاركة في الألعاب الأولمبية، لم تكن التمارين مدروسة كما يجب ممّا سبب لي زيادة في الوزن، <ونحنا اذا طلُعنا عن وزِنّا بتِتْقل سرعتنا>…

ــ هل شعرتِ يومها بالانكسار؟ برغبة سريّة في الاستسلام؟

– لا بل تعزّز شعوري بالتحدي فأحرزت، السنة التالية، ميدالية آسيوية وميداليتين عربيتين، وكسرت مرتين الرقم القياسي للـ400 متر  وهو الرقم القياسي الحالي 53:43. دائما أعود وأتأمّل خيراً لأن الجسم كالحبل المطّاط <متل المغيطة، كيف إنتي بِترَغلجيه بيمشي>. الأمر الوحيد الذي يخذل هو خسارة الإرادة والحماسة. <بحياتي ما بفكّر إنو ما كون لابسة إسبادري وعم بعمل سبور>. لا بل بتّ أعرف قيمة وأهمية الرياضة أكثر مع الوقت، وأشكر أبي على ذلك لأنه وقف إلى جانبي، لاسيما في مرحلة المراهقة الصعبة حيث تلهو الفتاة بأمور عديدة، فكان المشجّع الأول والدائم على الرياضة. لكن أعترف أنني كنت أشعر بنوع من <الانكسار>، إذا صح التعبير، حين كنت أرى أنني أحقق نتائج وإنجازات مهمة لا أُقّدَّر عليها كما يجب أو كما كنت أرغب، وكأن المواهب في بلدنا تشكل عبئاً على الدولة. لا أنكر أنني من أكثر لاعبي الرياضات الفردية الذين كُرّموا في لبنان، لكن ذلك لم يكن كافياً برأيي، وقد ظل الدعم والسند منحصرَين في أشخاص أكثر منه في جهة رسمية، منهم كما ذكرت أبي، دائماً ودوماً، والفنان أسامة الرحباني الذي ساندني كثيرا.

شهران في المستشفى

ــ غريتا، أغار، شخصياً، من طاقتك ونشاطك الدائمين! <نحنا منوعى عم نْجِرّ حالنا جَرّ أوقات وإنتي بتوعي متل القنبلة>! من يتابعك على وسائل التواصل الاجتماعي يستنتج ذلك. الحيوية هذه تأتي نتيجة العادة ونمط الحياة المُتَّبَع، أم أنها في الجينات وفي تركيبة الإنسان وبُنيته؟

– هي خليط من الإثنين: الطاقة الداخلية <الجينيّة>، والنشاط الذي تكتسبينه من نمط حياة معين Lifestyle. فأنا مدركة ومقتنعة تماماً بأن الجسم والعقل سيّان، هما كالحبل المطّاط <اللي بترغلجيه> كما سبق وذكرت. وأنا، كجميع الناس، أستيقظ في الكثير من الأوقات من دون حماسة ولا طاقة لي للقيام بأي شيء، فأستدرك الوضع لأنني أعلم أن عقلي سيستغل شعوري هذا ورغبتي بالكسل. فهو يعمل دائماً عكس إرادتنا. تركيبة جسمي تساعدني طبعاً، لكن يُضاف إليها نمط حياتي. فأنا أم لثلاثة أطفال، وأنا بالتالي في حركة دائمة والحركة تولّد النشاط.

ــ وهل ظلّ نشاطك على ما كان عليه قبل الحمل والإنجاب والإهتمام بثلاثة أولاد؟ نحن، النساء <العاديات>، نُحبط أحياناً كثيرة حين نفكّر إلى أي مدى لم نعد نشبه ذواتنا قبل الأمومة، فكيف هي الحال بالنسبة لامرأة رياضية مثلك، رأسمالها جسمها وطاقتها؟

– لم أختبر هذا الشعور إطلاقاً، لا بل أردت أن أحبل وألِد عن قناعة واختيار. في حملي الثاني تبيّن أنني حامل بتوأم، وكان ابني الأول لا يزال صغيراً. تعذّبت وتعبت لكنني لم أشعر، يوماً واحداً، بأن الحمل والأمومة سيؤثّران سلباً في جسمي أو عزيمتي. قضيت الشهرين الأخيرين من الحمل ممدّدة على فراش المستشفى، وعندما أفكر في تلك الفترة أشتاق إليها! <مش معقول قديه الإنسان أو الجسم بيقدر يتأقلم مع حَيَلاّ وضع بتحّطيه فيه>. كنت عاجزة عن القيام بأي حركة، ورغم ذلك لم أُحبَط ولم أنزعج. الأمر الوحيد الذي ضايقني، بعض الشيء، هو اشتياقي لطفلي البكر الذي لم أكن أستطيع رؤيته كما أشتهي، إذ كانت أمي تأتي به إلى المستشفى من حين إلى آخر.

ــ كم هو جميل أن تفكّر امرأة مثلك، تبدو لنا قوية وحرّة ومتمرّدة، بشكلٍ تقليدي في ما يخص الزواج والأمومة والعائلة، بالمعنى الجميل لكلمة <تقليدي>…

– الحمل والأمومة هما من أساس الحياة، هما في صلب دورتها It’s the circle of life. تأتين إلى الوجود، تكبُرين، تحمِلين وتَلِدين. إنها سُنّة الحياة.

ــ غريتا، التدريب الرياضي عبر الإنترنت Online coaching مفهوم حديث نسبيا في منطقتنا، وإن بات شائعاً في الغرب. كيف تجلّت الفكرة لديك؟

– كما سبق وذكرت اضطُررت إلى أن أغادر لبنان لأسباب عائلية، وأنا لا أستطيع ألاّ أقوم بعملٍ ما، <بْعَقِّص>، فجلست مع زوجي (رجل الأعمال شاهي يريفانيان) وتحدثنا في موضوع قيامي بالتدريب الرياضي عبر الإنترنت. فهو أول من آمن بهذه الفكرة وهو يدير كل عملي في هذا الإطار.

ــ تقولين في الإعلان عن برنامجك التدريبي G-Body 90- Day Program: تمرّنوا كرياضيٍّ لتبدوا مثله بعد تسعين يوماً. <بتحدّاكي تعمليني متلك، لا بتلات أشهر ممكنة ولا بتلات سنين!> (أضحك) كيف تصلين إلى هكذا تبدّل جسدي لمن تعملين معهم وفي وقت قصير نسبياً؟ ما هي الآلية المُتّبعة؟

– طبعا كثيرون يشككون في النتيجة ويسألون بتعجب <إنو كيف ممكن بتسعين يوم نصير متلك؟!> حين أقول <صيروا متلي بتسعين يوم>، هذا لا يعني أنكم ستصبحون نسخة عني، عن تركيبتي البنيويّة، عن جسمي، عن قدراتي، إلخ. علينا فهم الفكرة بشكل مجازي، ومعناها هو <صيروا متلي بنمط حياتكن>، في الحركة، في النشاط، في الغذاء المتوازن، إلخ. يكفي أن تتمرن إحداهن ستة أيام في الأسبوع < بعد ما كانت كل حياتا مش لابسة إسبادري> ليكون ذلك إنجازاً! ثم إن اختيارنا لمدة التسعين يوماً لم يأتِ عشوائياً. فقد وجدنا، من خلال أبحاثنا في هذا المجال، أن الجسم يحتاج إلى ثلاثة أشهر ليكتسب عادة بدنية معينة وليتبنّى نمط حياة معيناً…

ــ هل يتّسم شكل التدريب هذا بالخصوصية Personal، بالرغم من أن متابعتك للمشتركين في برنامجك تتم عبر شبكة الإنترنت؟

– طبعاً! أصرّ على صفة <شخصي> لأنني أتابع، بشكل يومي، جميع المتدربين معي وعددهم يفوق المئتين، نساءً (ومنهن حوامل!) ورجالاً، علماً أن برنامج الرجل يختلف عن برنامج المرأة بطبيعة الحال، والبرنامج برمّته في تطوّر دائم.

ــ وهل ينجح الجميع في رفع التحدي؟ هل يستطيعون تنفيذ برنامج التدريب لمدة تسعين يوماً؟

– لا يتمّم الجميع التسعين يوما من التدريب. فهناك من يأخذ البرنامج ويبدأ به، ثم يستصعبه ويقول لي <لا أستطيع المتابعة>. هنا يأتي دوري <لإدفشن>. العامل النفسي مهم في هذه المسألة. فقد سبق وعملت في مجال التدريب الشخصي Personal Training وكان يقصدني الناس للقيام بالتمارين الرياضية تحت إشرافي. منهم من كان يستفيد، ومنهم من كانت جلسة التدريب معه تتحوّل إلى جلسة علم نفس. <حَكي وبين دقيقة ودقيقة نرتاح خمس دقايق>، أي لم يعد مفهوم التدريب كما أردته في الأساس. من هنا أرى أن المتابعة أونلاين أكثر جدوى وفاعلية واختصاراً للوقت في هذا الزمن الاستهلاكي. أنا لا أملك عصاً سحرية، لكن أؤكد لمن يشتركون في برنامجي بأنهم إذا التزموا به كما يجب واتّبعوا إرشاداتي الغذائية سيصلون إلى نتيجة تُفرحهم، والأمثلة كثيرة، على صفحتي، عمّا كان عليه البعض وما أصبح عليه بعد اتباع G-Body Program. أنا لست متخصصة في علم التغذية، لكن لي خبرتي الطويلة في هذا المجال بحكم امتهاني الرياضة…

وتابعت تاسلاكيان:

– عدّلت في المفهوم نزولاً عند رغبة البعض. فهناك من لا يرغب في شراء واتباع برنامج التسعين يوماً دفعة واحدة، بل يفضل الاشتراك معي لمدة شهر واحد، مثلاً، أو شهرين، وإن كان من الأفضل اتباع البرنامج بمجمله للوصول إلى نتائج أفضل. <في ناس بقولولي تسعين يوم كتير ما في شي بيخلص بشهر؟ بفكّروا التمرين حبّة دوا!>

 

500 كيلو <وبتاكل بس حشيش!>

ــ غريتا، كل فترة من الزمن <بيِدرج شي> في مجال علم التغذية والحميات التي يجب اتباعها، ونحن، منذ سنوات، في أوج زمن الأكل الصحي، ونمط الحياة الصحي، و<اللّوك> الصحي… حتى الهوس!

– أردّد لزبائني باستمرار، ومعظمهم يصبحون أصدقائي نظرا لتواصلنا اليومي، أردّد لهم كم هو مهم أن يأكلوا بشكل جيد لا أن يحرموا أنفسهم لأنها الطريقة الأسوأ لخسارة الوزن. <مش إنو ياكلوا خسّة كل النهار لَيُضعفوا، وبس ياكلوا خسّتين بيرجعوا ينصحوا!> القاعدة هي أن نأكل من كل شيء لكن باعتدال، بكميات أقل من تلك التي اعتدنا عليها. وبالمناسبة، أنا <دَقّة قديمة> في هذا المجال، أي أنني لا أتفلسف ولا أتفزلك في مسألة الطعام، ولا أهرول لاتباع كل حمية غذائية تدرج لأن هناك فوعات وصرعات حتى في مجال <الدّايت>. المعادلة بسيطة: كلوا من كل شيء من دون الإفراط في أي شيء. يقول لي البعض <نزداد وزناً في حين أننا لا نتناول سوى السّلطات>. الطرح غير منطقي. <إنو البقرة وزنا 500 كيلو وبتاكل بس حشيش!> الامتناع عن الأكل المبالغ فيه، لاسيما في فترات المراهقة، يولّد أمراضاً واضطرابات في الأكل كالأنيروكسيا (مرض فقدان الشهية العصبي) أو ردود فعل عكسية كالبوليميا (الشّره العصبي)، وللأسف <عمري ما سمعت بهالأمراض إلا هالكَم سنة!>

ــ هل فكّرتِ يوماً أنك لو خُلِقتِ في مكان آخر، لوصلتِ إلى <مكان> آخر؟

– لم أفكر في الأمر مرة واحدة بل لطالما فكرت فيه! فأنا مدركة لهذا الواقع وواثقة من أنني لو خُلقت في بلد متحضّر ومتمدن أكثر، على صعيد الرياضات والفنون، لوصلت إلى مكان أبعد من الذي وصلت إليه. لو تمّت متابعتي بالشكل الصحيح ولو كان لدي فريق متين يدعمني، كما هي الحال في الدول الغربية التي تهتم وتستثمر في الرياضة، لحققت نتائج أفضل.

ــ غريتا، سؤال أخير <مْعَقّدني> بعدما طالعت صفحتك على إنستغرام: كم هو عدد الأحذية الرياضية في خزانتك؟

– (نضحك) أظن أن عددها ما بين الثمانية والعشرة…

(كيف لي أن <أفلجها> وأقول لها إنني اشتريت آخر <إسبادري> منذ أربع سنوات، وإن قدمَي لا تزورانه أكثر من أربع مرات في السنة؟!)