24 September,2017

بعد ”داعش“ إنماء وإعمار أو... إرهاب بحلة أكبر وأخطر؟

 

بقلم خالد عوض

2017-05-17T195532Z_1507577380_RC1A88DF3650_RTRMADP_3_USA-TRUMP-COASTGUARD-1

إذا لم يحل الإعمار والإنماء محل <داعش> في العراق، فالويل والثبور وعظائم الأمور…. كذلك في سوريا التي تنهي بدورها بقايا الدولة الإرهابية في الرقة ودير الزور.

ليس عجيبا القول أن التربة الصالحة للعنف والإرهاب قد تغذت بالمعارك ضد الدولة الإرهابية وليس العكس. صحيح أن الحياة في ظل <الداعشيين> كانت لا تطاق، ولكن غياب أي تصور واضح للمرحلة التي تتبع هزيمة التنظيم الإرهابي هو دعوة مفتوحة إلى كل إرهابيي العالم وليس العرب فقط إلى إكتشاف صورة جديدة وشكل متطور للإرهاب يستفيد من البيئة المدمرة ماديا ومعنويا في سوريا والعراق لينطلق في مسيرة عنفية جديدة لا حدود لخيالها.

لنأخذ نظرية المؤامرة من كل ابعادها وننطلق من إحتمال أن القاعدة وأخواتها ثم <داعش> ومتفرعاتها هي إستغلال غربي للجهل العربي والفقر الثقافي في المنطقة والفهم الخاطئ للدين لدى جزء غير قليل من المسلمين.

دفعت الولايات المتحدة ثمنا كبيرا في أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) ٢٠٠١ ومات آلاف الأبرياء في أشنع عمل إرهابي في التاريخ، ولكن النتيجة لذلك كانت <غزوتي> أفغانستان والعراق وتدفق أسلحة إلى المنطقة بأسرها وقواعد عسكرية لها في دول كثيرة وفوائد تجارية لا تعد ولا تحصى، هذا بالإضافة إلى مزيد من النفوذ، ولكن هذا البعد التجاري والإقتصادي والاستعماري جاء مكلفا من الناحية البشرية، فقد قضى أكثر من ٤ آلاف جندي أميركي وجرح آلاف آخرون من جراء ذلك.

ثم جاءت تجربة <داعش>. الوسائل نفسها أي حفنة من الجهلة يستدرجون طائرات العالم وبوارجه على حساب العرب، ولكن محاربتهم تأتي بطريقة <أنظف> بعض الشيء، فرغم موت مئات الضحايا في شوارع <باريس> و<برلين> و<نيس> و<لندن>، لا جنود على الأرض بل <مستشارون عسكريون> وحرب من الجو وبجيوش كردية وشعبية متفرقة لا حاجة معها إلى جنود الغرب بل إلى العمق الإستخباراتي والتكنولوجي والإستشاري. والحقد الناتج من كل ذلك ليس على الغرب فقط بل على كل العالم، بل حتى يمكن توريط النظام الإيراني أكثر وإلهاء حزب الله عن إسرائيل أو بالأحرى وجد مهمة جديدة له يمكنه من خلالها شحن انصاره طالما أن لا معركة مع إسرائيل ولا من يحزنون…

بصراحة لو صحت نظرية المؤامرة هذه فهي مربحة جدا بالنسبة للغرب، حتى أن روسيا أعجبتها اللعبة وأقحمت نفسها فيها، فسمحوا لها بالدخول معهم من الباب السوري. أسلحة روسية تجرب لأول مرة ومناوراتميدانية مفيدة جدا لجيشها إلى جانب جلوسها على طاولة المفاوضات لتأخذ حصتها من الكعكة بعدما خرجت خالية الوفاض من العراق وليبيا.

كم من المليارات من كل العملات ذهبت لأسلحة الصين والولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وروسيا وحتى ألمانيا؟ كل المطلوب تحريض بعض الجهلة وخلق بعبع إرهابي جديد ثم تأتي المليارات وآلاف الوظائف في شركات السلاح والتطوير الميداني للتكنولوجيا العسكرية. بالله عليكم، لو كانت نظرية المؤامرة صحيحة، أي أن الغرب ومعه روسيا وربما قريبا الصين تستثمر القليل في الإرهاب وتحصد بعد ذلك مليارات كثيرة وحاجة متزايدة اليها من كل حدب وصوب، فلماذا لا يجربون ذلك مجددا بأدوات جديدة وبعد أن يكونوا قد تعلموا من التجربة فيقللون الكلفة المادية والبشرية في المرة الآتية؟

القاعدة أولا ثم يختفي أسامة بن لادن في أعماق البحار، ثم تأتي <داعش> وينزل أبو بكر البغدادي إلى سابع أرض. المحصلة منذ ٢٠٠١ أي منذ حملة <بوش> الثاني ضد بن لادن هي أكثر من ألفي مليار دولار من الأسلحة والتكنولوجيا والعتاد تحت بند محاربة الإرهاب، هذا في ميزانية الولايات المتحدة وحدها، يدفعها المواطنون الأميركيون ثم تذهب حكومته لتحصيل أكثر من ذلك بكثير من العرب تحت بند الإرهاب، هذا ما عدا ميزانيات الدول الأخرى.

بغض النظر عن مدى صحة نظرية المؤامرة أو عدمها، وبعيدا عن كل السيناريوهات التي تقول أن القاعدة صنيعة الغرب و<داعش> إنجاز استخباراتي غربي ناجح جدا، لا بد من البحث في جوهر المشكلة أو النبع 1280x960-(25)الذي يؤدي إلى هذه العائدات.

مئات الآلاف من الشباب التائه، فيهم من الغضب والرفض ما يكفي لإطلاق أي ثورة، يجدون غطاء دينيا وهميا لأفعالهم من خلال دجالين، فيصبحون وقودا لا قيمة له. إذا تركت الموصل والأنبار وبغداد تغرق في الدمار والفساد، كيف يمكن أن نتوقع إنتهاء <داعش>؟

منذ أيام انتهت قمة العشرين في <هامبورغ> الألمانية. الغريب فيها أن إعادة اعمار المنطقة بعد <داعش> لم يكن بندا فيها بل ذكر مرور الكرام، مع أن المفروض أن يكون هو الجزء الأكبر في مسألة محاربة الإرهاب لو صفيت النوايا. هناك عدة تفسيرات لذلك. الأول هو غياب الطلب اذ كان من المفروض أن يأتي رئيس وزراء العراق حيدر العبادي إلى القمة ليتحدث عن حاجات العراق بعد <داعش>. السبب الثاني هو عدم اقتناع القوى الكبرى أن الحرب في هذه الدول انتهت، أو بالأحرى لا تزال غير قادرة على رؤية أو تصور الشكل السياسي والجغرافي لدول ما بعد <داعش>، مما يعني أن مخاض الحلول السياسية قد يتطلب المزيد من الحروب. أما التفسير الثالث الممكن هو أنه من المفروض أولا تقييم البيئة الناتجة عن <داعش>، هل هي تربة صالحة لموجات ارهابية جديدة أم أنها قررت الإستغناء نهائيا عن التطرف الديني والوسائل الإرهابية؟

ما يحدد شكل المنطقة هو قرار وخيار هؤلاء الخارجين من تحت إرهاب وسلطة <داعش> ونظرتهم الخاصة إلى حياتهم في المستقبل. وحتى لا يصبحوا الأرض الخصبة لمسلسل إرهابي جديد ينعش أسهم شركات السلاح، لا بد من ملاقاتهم بسرعة بخطط الإنماء والإعمار الجدية والسريعة لأنهم بحاجة إلى الأمل وليس إلى مزيد من البارود.