21 March,2019

بعد تجربة زحلة بتأمين الكهرباء على مدار 24 ساعة بدأت تجربة عاليه وبحمدون و... بكفيا!

 

بقلم طوني بشارة

 كهرباءإن أزمة الكهرباء المزمنة في لبنان معضلة مركبة من مزيج من الفساد والهدر والمنافسة السياسية والخلل الديموغرافي، بالإضافة الى سلسلة من عوامل أخرى كالحروب والتعديات والفلتان الأمني والجشع التجاري، فالكهرباء والفساد توأم في تاريخ لبناني طويل بدأ بصفقات مالية مشبوهة نهبت مئات الملايين من الدولارات في المرحلة الأولى، أما في المرحلة الثانية فانتقلت السرقة الى مجموعات كبيرة من فئات معينة من الشعب اللبناني التي لجأت الى الإفادة من التيار الكهربائي بصورة غير قانونية، أي بدون دفع أي بدل إشتراك او استهلاك تحت تغطية سياسية مباشرة وغير مباشرة من قبل قوى اصطُلح على تسميتها بـ<قوى الأمر الواقع>، واصطبغت هذه الفئة عموماً بلون طائفي محدّد، لتصبح الكهرباء في لبنان الخلطة الدراماتيكية بين الفساد والسياسة والطائفية.

 والمتتبع للأمور يعلم أن التقنين الكهربائي ليس النتيجة السلبية الوحيدة التي انعكست على نوعية الحياة الاجتماعية والاقتصادية في لبنان، بل إن دراسات وأبحاثاً عديدة أكدت التراجع الخطير لنوعية الهواء الذي يتنشقه اللبنانيون خلال الفترات المتزايدة يومياً من ساعات التقنين الكهربائي الرسمي أي عندما تبدأ آلاف المولدات الكهربائية الخاصة بالعمل، ويزداد الأمر سوءاً خلال فصل الصيف الحار حيث يرتفع عدد ساعات انقطاع الكهرباء الى تسع ساعات بدلاً من ثلاث ساعات يومياً في ضواحي بيروت، في حين أن انقطاع التيار الكهربائي يمتدّ لساعات أطول في المناطق اللبنانية الأخرى، والجدير بالذكر أن وضع الكهرباء كان سيئاً بما يكفي قبل حرب تموز 2006 بين حزب الله واسرائيل، وقد زادت تلك الحرب وضع الكهرباء في لبنان سوءاً اذ تمّ قصف وتدمير العديد من منشآت معامل الكهرباء على الأراضي اللبنانية.

 وبعيداً عن الروايات وتلمساً لواقع الأرقام، نرى أن العجز في توليد الكهرباء في لبنان بين القدرة على التغذية وبين حجم الطلب بلغ نحو 1,1 GW أي ما نسبته 40 في المئة من حاجة البلاد لاستهلاك الكهرباء، وتزداد الحاجة الى مزيد من الكهرباء سنوياً بما نسبته 6 الى 8 في المئة، ذلك قبل أن يجتاح النزوح السوري العملاق الاراضي اللبنانية. ومما لا شك فيه ان المواطن اللبناني يعاني أيضاً من تداعيات الحوادث الامنية المتنقلة التي تؤدّي احياناً الى فترات انقطاع اضافية للكهرباء جراء تضرر الشبكات الكهربائية، هذا وتعلو صرخة المواطنين ورجال الاعمال وأصحاب المؤسسات الصناعية والتجارية بسبب ارتفاع كلفة فواتير الكهرباء لأصحاب المولدات الخاصة.

 ويبدو جلياً انه، ورغم توالي الحكومات وتبدلها، ورغم تبدل الفئات السياسية الحاكمة، فإنه لم يُسجّل أي تطور مهم على صعيد حل هذه المعضلة، مما دفعنا للتساؤل لاسيما في ظل تفاقم الوضع المأساوي وعجز الوزارات المعنية عن إيجاد حل لازمة الكهرباء: هل أن تطبيق «اللامركزيّة الكهربائيّة» يخطو خطواته الجبارة لحل المعضلة بعد نجاح تجربة زحلة؟ وهل يمكن اعتباره الحل الأنسب؟

  من اللافت أن نجاح شركة كهرباء زحلة في تأمين التيار الكهربائي 24 ساعة على 24، وبكلفة أقل مما كان المواطن الزحلاوي يدفعها لأصحاب المولدات الخاصة، دفع ببعض المستثمرين الى إنشاء شركات لإنتاج الكهرباء، أولها في جبيل حيث تقدمت شركة <بيبلوس للطاقة المتطورة> بطلب الى مجلس الوزراء لإنشاء معمل لإنتاج الكهرباء بقدرة 66 ميغاوات يؤمن التيار 24 ساعة لمنطقة جبيل، وإذا كانت شركة <بيبلوس للطاقة المتطورة> ستعمد الى بيع إنتاجها لشركة امتياز كهرباء جبيل، فإن شركة «نور الفيحاء» التابعة للرئيس نجيب ميقاتي ستسعى أولاً الى تملك أسهم شركة <كهرباء قاديشا> بالطرق القانونية بعد تقييمها Mazen-Haydar-01(1) واسترداد امتيازها والعمل على إدارتها أو اعتماد تجربة البواخر التركية، أي إعطاء الاذن للشركة لإنتاج الطاقة وتوزيعها على طرابلس بصورة مستمرة ودون انقطاع.

وكما في امتياز كهرباء جبيل وقاديشا، فإن شهية بعض المستثمرين قد بدأت تلوح حيث يتحدث البعض عن إمكانية الاستفادة من امتياز كهرباء عاليه وبحمدون، كما إن منطقة بكفيا تدرس إمكانية إنشاء شركة لتأمين التيار بصورة مستمرة لمنطقة المتن بحيث يمكن القول أن «اللامركزية الكهربائية» قد بدأ تطبيقها على غرار «اللامركزية للنفايات»، وما بدا مستحيلاً بخصخصة الإنتاج بالجملة تتم خصخصته بالمفرق.

مهما يكن من أمر، فإن اعتماد «اللامركزية الكهربائية» يحتاج الى قوانين من مجلس النواب للمباشرة بتطبيقها، ولكن في ظل استمرار التقنين الكهربائي وغالباً ما يكون قاسياً، فإن المواطن اصبح يطالب «بحج خلاص» أي تأمين التيار بصورة مستدامة وبأسعار اقل مما يدفعها لمؤسسة كهرباء لبنان ولأصحاب المولدات الخاصة.

 امتياز كهرباء زحلة ينتهي مفعوله في العام 2018، وامتياز كهرباء جبيل في العام 2020، بالتالي ومن خلال الحاجة الماسة الى تأمين التيار الكهربائي، فإن الظرف قد يكون مناسباً لتطبيق <اللامركزية الكهربائية>، واليوم فإن مجلس الوزراء يمكنه الموافقة أو رفض إنشاء شركات لإنتاج الكهرباء، كما إن وزارة الطاقة بإمكانها ان تقوم بالأمر نفسه، وقد تقدمت شركتا <بيبلوس> و<نور الفيحاء> الى مجلس الوزراء بكتابين تطالبان فيهما بإنشاء هذه الشركات لإنتاج الكهرباء وتأمين الطاقة بشكل مستدام.

وللإطلاع على مضمون الكتاب الموجّه إلى مجلس الوزراء وعلى أهمية <اللامركزية الكهربائية> قابلت <الأفكار> عضو مجلس إدارة <شركة بيبلوس للطاقة المتطورة> السيد ماريو شلالا، كما التقت المهندس مازن حيدر المكلف من قبل <شركة كهرباء جبيل> بإعطاء تقرير حول الاهمية البيئية للمشروع.

 

<بيبلوس> بطاقة 66 <ميغاوات>

 

 حول هذا الموضوع قال شلالا : لقد أسسنا <شركة بيبلوس للطاقة المتطورة> وقدمنا كتاباً الى مجلس الوزراء لإنشاء معمل بطاقة 66 ميغاوات في مدينة جبيل وقد حوّل المجلس هذا الكتاب الى وزارة البيئة لإجراء تقييم الأثر البيئي للمشروع، كما أوكلت الشركة هذه المهمة الى <شركة خطيب وعلمي> وقد وجّهنا دعوة عامة في 6 تشرين الاول/ اكتوبر لشرح أهمية هذا المشروع وتوضيحه لجميع المعنيين من بيئيين وبلديات وممثلين عن وزارتي الطاقة والبيئة، وخلال الدعوة العامة ركزنا على فكرة أساسية وهي وجود حوالى 350 موتوراً خاصاً في جبيل مما يؤدي حكماً الى انبعاثات مضرة بالبيئة، ناهيك عن الانبعاثات الناتجة عن سير الكميونات التي تنقل المازوت لهذه الموتورات، وما يرافق ذلك من زحمة سير وتلوث، وما يتبع ذلك من صيانة مستمرة لهذه الموتورات.

 وتابع شلالا: بطرحنا لمشروعنا ركزنا على فكرة إيجاد معمل يحتوي 7 موتورات مجهزة من قبل شركة فنلندية، ناهيك عن أن الشركة التي ستنشئ المعمل وتديره هي شركة دانمركية، مما يعني أن <شركة بيبلوس> قد أوكلت الى شركتين عالميتين مهمة بناء هذا المعمل، مع العلم أن الشركة الدانمركية تقوم بتوسيع معملي الذوق والجية الحراريين، ضمن توجيهات رئيس مجموعة <بنك بيبلوس> الدكتور فرنسوا باسيل الملتزم بالمعايير الدولية.

واضاف شلالا: ان المعمل سينتج بقدرة 66 ميغاوات وسيبيع الكهرباء الى امتياز شركة كهرباء جبيل التي ستوزع بدورها الكهرباء على منطقة جبيل، وهذا سيؤدي إلى تأمين التيار الكهربائي 24 ساعة على 24، وهذا المشروع لا يكّلف الدولة اي مبلغ.

وعن أهمية المشروع للمواطن الجبيلي أشار شلالا: كمواطن جبيلي، نعرض عليه من خلال مشروعنا حلاً للنقص في الطاقة وهو حوالى ال 50 بالمئة.

وبالنسبة للاسعار تابع شلالا: تبعاً للحسابات التي أجريناها علمنا ان المواطن الجبيلي باستخدامه ساعة الـ 20 امبيراً يتكلف اليوم حوالى 150 دولاراً لتسديد فاتورة الكهرباء وفاتورة المولدات الخاصة، بينما وفقا لمشروعنا، فإن التكلفة ستكون 95 دولاراً على اساس سعر برميل النفط الحالي، ويمكن ان يتراجع هذا الرقم مع تراجع اسعار برميل النفط في الاسواق العالمية، مما يعني ان المواطن سيوفر حوالى 37 بالمئة من قيمة فاتورة الكهرباء بحسب تقديرات مشروعنا…

واستطرد شلالا: يوجد في جبيل 30 ألف مشترك مما يعني ان المواطنين في جبيل سيوفرون سنوياً 20 مليون دولار، بينما المعامل ستوفر حوالى 4 مليون دولار في حال طُبّق مشروعنا، على اعتبار انها ملزمة (اي المعامل) كل 5 سنوات بتغيير مولداتها، الأمر الذي سيوفر لها مبالغ ضخمة ويزيد عامل الاستثمار لديها.

وفي مــا يتعلــــق بالجــــدوى الاقتصاديـــــة للمشروع أفادنا شلالا: مما لا شك فيه ستكون لهذا المشروع أهمية كبرى لناحية جذب رؤوس الأموال والاستثمارات وخلق فرص عمل جديدة جراء توفير الكهرباء بشكل دائم، كما اننا كقييمين على المشروع لدينا رغبة بعرض 60 بالمئة من حصص الشركة وبالأفضلية على أهالي المنطقة، وقيمة السهم لن تتعدى الـ1000 دولار، مما يعني إتاحة الفرصة امام المواطن للدخول إلى عداد الجمعية العمومية المكلفة بانتخاب مجلس الادارة، وهذا الأمر يتيح للمواطن ـ الشريك فرصة الرقابة على المواصفات التي على أساسها تمّ طرح المشروع.

ــ ماذا عن المهلة المفترض انتظارها لمباشرة تنفيذ المشروع؟ وهل هناك نية رسمية لعرقلة المشروع؟

– بعد الانتهاء من تقييم الاثر البيئي، سيُرفع الكتاب الى مجلس الوزراء الذي نأمل الحصول منه على ترخيص لإنشاء المعمل، ونتمنى ان تسير الامور بإيجابية خصوصاً بعد موافقة هيئة الاستثمارات، وهنا لا بدّ من الاشارة الى أن الرخصة قدمناها ضمن إطار قانون 288/2014/، علماً ان القانون 288 يسمح لوزارتي الطاقة والمياه والمالية باقتراح ترخيص لإنتاج الكهرباء، ومنذ فترة أُجيز لوزارة الطاقة منفردة ان تعطي هذا الترخيص، واللافت ان هذا القانون قد تمّ التصويت عليه من قبل كافة الاطراف السياسية الموجودة حالياً في السلطة، وهذا القانون يُعتبر مستقلاً تماماً عن القانون 462 الذي قد يتحجج به البعض للعرقلة، فهو (اي القانون 288) استثناء للقانون 462 على اعتبار انه صدر بصورة مؤقتة.

mario-chlalaــ ولكن اللامركزية في مجال الكهرباء، ألن تؤثر على دور <كهرباء لبنان>؟

– المطلوب من <كهرباء لبنان> في الوقت الحالي ان تستعيد دورها لإدارة وتنظيم القطاع، وللإشراف على اعمال القطاع ككل تحت رعاية وزارة الطاقة، وذلك ضمن خطة <اللامركزية الادارية>، فالاستثمارات في ظل <اللامركزية الادارية> لا تكلّف الدولة أية مبالغ.

حيدر وشروط البنك الدولي

 

وللإطلاع على نتائج الاثر البيئي للمشروع قصدت <الافكار> شركة <خطيب وعلمي> المكلفة بإعداد الدراسة البيئية، وقابلت المهندس مازن حيدر الذي أفادنا بأن الدراسة البيئية ما زالت في طور الإعداد، ولكن هنا لا بدّ من الاشارة بأن المحركات اي الموتورات السبعة مجهزة من قبل شركة فنلندية، مما يعني ان المحركات مستوردة من الخارج وانبعاثات الغاز العائدة لها مطابقة 100 بالمئة لشروط البنك الدولي، مما يعني حكماً وفقاً لحيدر بأن الاثر البيئي للمشروع هو ايجابي.

وتابع حيدر: لكن ذلك لا يمنع فكرة الزامية اجراء معاينات دورية للمحركات كل 3 أشهر للتأكد من استمرارية مطابقتها للمعايير.

وعن تأثير المشروع على البيئة المحيطة به اجاب حيدر: سيتمّ اجراء انموذج رقمي لانبعاثات الهواء في محيط المشروع لتبيان تأثيرها على المحيط، وستصدر نتائج هذا الانموذج خلال شهرين من تاريخه.

 ختاما ترى <الافكار> ان الامتيازات الكهربائية الموجودة بدأت تعزز وجودها على حساب «الرجل المريض» <مؤسسة كهرباء لبنان>، حيث بدأ كل امتياز يتوارثها عبر انشاء شركات كهرباء خاصة تحت عنوان <عجز المؤسسة وازمة الكهرباء المزمنة>، وتحت عناوين متعددة قد تكون محقة يطالب بها المواطن للخروج من الظلمة والعتمة، ولكن تُراد من خلالها باطلاً الخصخصة لاستكمال عملية تقاسم هذه المؤسسة عبر تخصيص إنتاج الكهرباء وتوزيعه مناطقياً، مما قد ينهي دور الدولة كراعٍ اجتماعي وكمقدم خدمات للمواطنين لاسيما الاساسية منها كالكهرباء والمياه ورفع النفايات، وهي من مسؤوليات الدولة في الدرجة الاولى.