15 September,2019

”بشر رخيص“ فيلم معبّر للكاتب شكري انيس فاخوري لانطلاق حملة ”معاً لمكافحة الاتجار بالبشر“!

<عبودية العصر الحديث>. بهذه العبارة يمكن اختصار جريمة الاتجار بالبشر التي تعد <جريمة خطيرة وانتهاكا صارخا لحقوق الانسان يمس الآلاف من الرجال والنساء والاطفال ممن يقعون فريسة في أيدي المتاجرين سواء في بلدانهم او خارجها. ويتأثر كل بلد في العالم بظاهرة الاتجار بالبشر سواء كان ذلك البلد هو المنشأ او نقطة العبور او المقصد للضحايا. وتحتل جريمة الاتجار بالبشر المرتبة الثانية في العالم على مستوى أكثر الجرائم ربحا، ويأتي الاستغلال الجنسي في طليعة جرائم الاتجار بالبشر، يليه العمل القسري، فتجارة الاعضاء البشرية وتجنيد الاطفال في الأعمال المسلحة.

من هذا المنطلق، ومع الاحتفال باليوم العالمي لمكافحة الاتجار بالبشر كانت في لبنان حملة <معا لمكافحة الاتجار بالبشر> وتجسدت، فضلا عن حملة لشخصيات سياسية واجتماعية واعلامية تناهضه، في الفيلم الهادف للكاتب شكري انيس فاخوري تحت عنوان <بشر رخيص> من اخراج طوني نعمة. فماذا في قصته؟ وما الهدف منها؟

عريس <لقطة>..!

تدور القصّة حول <وطفة> بنت قاصر بعمر الورد تعيش مع امها يتم تزويجها بسعي من الخطّابة (رندة كعدي) الى رجل مقتدر واكبر منها في السن (نزيه يوسف)، فيقوم بدوره بتسليمها الى أحد الرجال بمؤامرة يحيكانها سويا (هشام بو سليمان)، ليدخل عليها الأخير ليلة زفافها ويفض بكارتها لقاء مبلغ من المال يدفعه لزوجها، ويتخذ الزوج الدنيء الأمر ذريعة في وجهها فيتهمها زورا بخيانته منذ الليلة الاولى، ويرمي بها في بيت دعارة يديره بهدف جني المال من خلالها، كما فعل مع فتيات سبقنها على الطريق نفسه، والى المصير نفسه، فهل ستبقى فيه؟ وهل من منقذ سيغير حياتها من جديد فيساعدها على توجيه الاتهام المباشر وبالاسم الى الدوائر الامنية حتى يلقى المجرم عقابه؟ ماذا يقول القانون اللبناني في كل ذلك وأي تعديلات مطلوبة عليه؟

<وطفة> البنت القاصر التي تدور خيوط الحكاية من حولها هي الصبية رؤى الزين، مشروع الممثلة التي تحلم بهذا العالم منذ الصغر. الدور الجريء الذي لعبته جعلنا نتوجه اليها في <الأفكار> علما انها لم تأخذ حقها ليلة العرض للفيلم وسط غمرة التكريمات والتشكرات فكانت ان نُسيت نوعا ما من قبل صناع الفيلم والقيمين عليه.

 رؤى ابنة السابعة عشرة ربيعا، والتي لا زالت طالبة في الصف المدرسي النهائي في <كفرشيما هاي سكول> روت لنا تفاصيل حصولها على الدور الاول لها، دور يعتبر جريئا لصبية لا زالت عند عتبة التمثيل في اطلالة اولى، خاصة مع مشهد الاغتصاب الذي تتعرض له وهو ما يعتبر في السينما والتلفزيون من اصعب ما قد تؤديه الممثلات المحترفات.

تخبرنا رؤى:

– كنت على تواصل مع الممثلة بولين حداد من خلال وكالتها في اختيار ممثلين وممثلات، فأخبرتني عن الفيلم وانهم يجرون تجارب الـ<كاستينغ> لأجله. تحمّست للأمر، وزودني المخرج طوني نعمة بالقصة وتفاصيلها فتشجعت أكثر لما عرفت بتفاصيلها وهدفها. تقدمت للـ<كاستينغ> وتم الاتصال بي بعد أسبوع.

رؤى تحب المجال منذ نعومة اظفارها:

– لقد سبق وصورت احد الاعلانات وانا صغيرة. أحب هذا العالم جدا، وانوي دخوله من خلال دراسة التمثيل أوالاخراج او ما له علاقة بالراديو والتلفزيون. أصعب ما في التجربة الأولى كان مشهد الاغتصاب خاصة انه دوري الاول، وشعرت بالخجل مع تنفيذ المشهد، لكنني تشجعت لانه معبّر وسيصل الى الكثير من البيوت، الى البنات المغلوب على أمرهن واللواتي لا يمكنهن رفع الصوت والنطق بكلمة <لا>. اردت من خلال <وطفة> التوجه الى كل من تسول له نفسه التفكير بـ<بيع> ابنته او تزويجها وهي قاصر، الامر الذي ارفضه تماما، وهو امر لا يزال موجودا للأسف وأحيانا مقابل حفنة من المال.

وعمن أخذ بيدها تمثيليا تقول رؤى:

– لما أُعطيت السيناريو لأتمرن عليه، كانت الممثلة بولين حداد الى جانبي تمدني بتوجيهاتها وبكيفية التعاطي مع النص وردود الفعل. ولما اخذت السكريبت الى البيت رحت ادخل في تفاصيله واتمرن عليه مع اخوتي.

و ماذا عن الأهل، نسأل الصبية فتجيب:

– لا أخفي بانهم كانوا قلقين في البداية خاصة لما عرفوا ببعض مراحل القصة وكان نوع من الاعتراض زال تماما لاجل التوعية التي ينشرها، عندها تشجعوا وشجعوني ما زاد من ثقتي بنفسي، تقول بنت بلدة <الريحانية> البعيدة عن بلدة <السماقية> التي اختارها الكاتب فاخوري ليجعل بطلته من بين اهلها.

 لا تخشى رؤى إن فتح باب التمثيل امامها في ان تطلب الى هذا النوع من الادوار حصرا في بداياتها وتقول:

– لا مشكلة عندي في اداء الأدوار الجريئة الهادفة لكنني سأختار نمطا آخر في الادوار المقبلة. جلّ ما يهمها حاليا ان الرسالة وصلت بالشكل الصحيح الى بنات جيلها اللواتي يتعرضن لعملية خطف قرارهن، فتدعوهن الى عدم السكوت وفضح المخالفين، وهناك الكثير من الجمعيات التي يمكنها المساعدة. كذلك فإن في الفيلم توعية للاهل حتى لا يزوجوا بناتهن بعمر مبكر او يفرضوا عليهن الزواج بعكس رغبتهن.

التوعية هذه، شددت عليها ايضا الممثلة رندة كعدي التي أكدت أن أحداث الفيلم تشكّل رسالة انذار خاصة لبعض <خطًّابات> القرى النائية اللواتي يقمن بـ<تأمين العرسان> من دون خلفيات او حسابات خبيثة بل وربما عن محبة وطيبة قلب، من دون ان يدركن النتائج لبعض النوايا المبيتة، فيكنّ احيانا كمن يدفع بالفتاة الى المجهول او الى اتون من نار لا يعرفن عواقبه، تماما كما جرى مع <وطفة> التي امنت لها العريس الخمسيني <الزنكيل> حتى ينتشلها من الفقر، قأوقع بها في واد سحيق لم تنقذها منه سوى صحوة ضمير.

 

وَجع

قد يكون الركون من قبل منفذي الفيلم القصير الذي سيعرض على مواقع التواصل الاجتماعي ومحطات التلفزة اللبنانية الى وجه غير معروف، يعود الى السن الصغير المطلوب للبطلة، وانما ايضا لاضفاء صدقية اكبر على الفيلم ــ الحملة، الذي <يعبرّ عن وجع في داخلي> كما يقول الكاتب شكري أنيس فاخوري. بالنسبة له أصبحت كرامة الانسان محتقرة ورخيصة من خلال هذه الجريمة. ويضيف: لم أتردد في كتابة القصة التي كانت جاهزة في خلال احد الـ<ويكاندات> بعدما قصدني كل من رئيسة <منظمة عدل بلا حدود> السيدة <شلبيان> والمخرج طوني نعمة.

الفيلم الذي ولد في فترة قصيرة احتُفل به برعاية القيمين عليه، وبرعاية وحضور وزير العدل القاضي البير سرحان. يعتبر سرحان ان الاتجار بالبشر هو جريمة خطيرة ممكن ان تكون عابرة للحدود او داخل اراضي بلد واحد، وهي جريمة معقدة اذ ان المتاجرين يلجأون الى استخدام وسائل متطورة غالبا ما تحدث مكوناتها لناحية الفعل، الوسيلة والهدف في اماكن جغرافية مختلفة. . وتحتل هذه الجريمة ثالث مرتبة بعد تجارة المخدرات والأسلحة من حيث الأموال التي تدرها للمتاجرين. ويرى وزير العدل أيضا، انه لضمان ملاحقة المجرمين ولمعاقبة عادلة وفعالة وحماية الضحايا وعدم ترتيب اي مسؤولية عليهم، لا بد من التشديد على ضرورة اقرار تعديل القانون اللبناني/2011/164 المتعلق بمكافحة الاتجار بالبشر اذ ان القانون الحالي <هو قانون عقابي اكثر منه حمائياً ووقائياً بالنسبة للضحايا>، فقد توجه هذا القانون الى اعفاء الضحية من العقاب دون نفي مسؤوليتها الجزائية ما يضعف حكما منظومة حماية الضحية. ويأمل سرحان من خلال وزارة العدل ان ترقى بالاستجابة الخاصة بمكافحة الاتجار الى مستوى عالمي، لاسيما وان تعديل القانون الذي بادرت الوزارة الى اقتراحه يصب في هذا الاتجاه، مطالبا بأن نسعى سويا واستكمالا لهذه المبادرة لايجاد الموارد اللازمة لتوفير امكانيات استقبال الضحايا وتأهيلهم.

 

عدل بلا حدود..!

 

المحامية <بريجيت شلبيان> مديرة ومؤسسة <منظمة عدل بلا حدود> التي أطلقت الحملة مع وكالة الامم المتحدة للهجرة ومكتب وزارة الخارجية الهولندية من ضمن مشروع <نحو ادارة افضل للهجرة من خلال مكافحة الاتجار بالبشر في لبنان> اعتبرت ان فيلم <بشر رخيص> يهدف بصورة أساسية الى نشر الوعي حول مفهوم الاتجار بالاشخاص ومخاطره وسبل الوقاية منه، وهو يسلط الضوء على موضوع التزويج المبكر كمؤشر من مؤشرات الاتجار بالاشخاص. وبدورها أيضا، شددت شلبيان على ضرورة تعديل قانون الاتجار بالاشخاص لضمان عدم الافلات من العقاب مشيرة الى ان مشروع التعديل الذي انجزته وزارة العدل يرمي الى ضمان حماية كاملة للضحايا والشهود، ويتضمن انشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الاتجار بالبشر والتي ستختص بوضع وتنفيذ السياسات والتخطيط والبرامج وتأمين الخدمات والمساعدات وتنسيق الجهود في مجال تطبيق اجراءات حماية الضحايا والشهود، وتأمين الدعم الاجتماعي والنفسي والاقتصادي واصدار المبادئ التوجيهية لحماية الضحايا المحتملين، وتمكين كافة الجهات المعنية وبصفة خاصة مفتشي العمل، موظفي شركات الطيران، مندوبي حماية الطفولة، الطاقم الطبي الخ.. لرصد ومكافحة هذه الجريمة.

الى ذلك تطالب <شلبيان> من خلال <عدل بلا حدود> مجلس النواب بضرورة اقرار قانون منع تزويج القاصرات ودون تضمينه اية استثناءات، وضرورة وضع الاستراتيجيات لايجاد الحلول لمكتومي القيد في لبنان وضمان تسجيلهم في دوائر الاحوال الشخصية للحؤول دون تعريضهم للاستغلال والاتجار، وكذلك وضع تعريف كامل للعنف الجنسي واعتباره نوعا من انواع التعذيب مع الاخذ بعين الاعتبار التعريفات الواردة في القانون الجنائي ــ الدولي. كما وتطالب بتعديل قانون العقوبات اللبناني وتضمينه موادا قانونية تعاقب على جريمة الابادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية، علما انه وسندا لنظام روما الاساسي للمحكمة الجنائية الدولية، تدخل تحت خانة هذه الجرائم جرائم العنف الجنسي والاتجار بالأشخاص.

وهولندا أيضاً..!

الاستغلال الجنسي، العمل القسري، الاتجار بالاعضاء والتسول كلها تدخل في خانة الاتجار بالبشر، والأمر لا يقتصر على بلدان دون اخرى. ففي هولندا مثلا تخبرنا نائبة السفير الهولندي في لبنان السيدة <مارغريت فيرويك> ان الاتجار بالبشر آفة عالمية والجميع معني بها وفي اشكالها المختلفة، بدءا من المرأة التي تركت بلدها وطفلها للعمل في مكان آخر والموعودة بوظيفة جيدة فتجد نفسها أسيرة في بيت عليها القيام فيه بالاعمال المنزلية ليلا ونهارا، الى الفتيان والفتيات الصغار الذين يجبرهم افراد من اسرتهم على السرقة يمينا وشمالا، الى الاجنبي الذي لا يملك اوراقا وتصاريح رسمية فيجد نفسه مرغما على العمل طوال النهار والليل كعامل بناء ويعيش في ظل أصعب الظروف، وصولا الى الفتاة التي يجبرها <صديقها> على ممارسة الجنس مع رجال آخرين.

وبحسب <فيرويك>، في هولندا وحدها، يقدر عدد ضحايا هذه الظاهرة بخمسة آلاف الى 8 آلاف ضحيــــــــــــــــــــــــــــــة كل سنة، مؤكدة ان هولندا تضع مكافحة الاتجار وحماية ضحايا الاتجار ومساعدتهم من اولوياتها، مضيفة انه على المستوى الوطني لديهم مقرر مستقل معني بمسألــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة الاتجار بالبشر وهو يحقق في قضايا العنف الجنسي ضد الاطفال من بين امور اخرى، كما ويتم تدريب المسؤولين في بلدها على فحص طلبات التأشيرات وتنفيذ الرقابة على الحدود للانتباه الى اي علامات قد تدل على الاتجار بالبشر، وكذلــــــــــــــــــــك فإن هولندا تتابع مع الأمم المتحدة مبادرتها في مجلـــــــــــــــــس الامن العام الماضي لفرض عقوبات على المتاجرين في ليبيا، متمنية ان تتضافر الجهود في لبنان انطلاقا من قيادة والتزام وزير العدل في تحسين الإطار القانوني على النحو المرجو.

 

هجرة..!

من جهته أكد مدير مكتب المنظمة الدولية للهجرة في لبنان السيد فوزي الزيود على ضرورة وضع استراتيجية وطنية تهدف الى منع الاتجار بالبشر ووضع نظام احالة وطنية للتعرف على الضحايا المحتملين لتأمين حماية افضل لهم وتطوير اجراءات عملية موحدة لتحديد الضحايا واحالتهم الى المساعدة والحماية مع ابراز اهمية الشراكات في مكافحة الاتجار بالبشر.

وتجدر الاشارة الى انه منذ ايلول (سبتمبر) 2017 تدير المنظمة الدولية للهجرة مشروعا اقليميا لمكافحة الاتجار بالبشر في الشرق الاوسط ويتوقع ان يساهم هذا المشروع بمنع الاتجار وتوفير التدخلات الخاصة بالازمات والحياة للسكان المعرضين للاتجار والمعرضين للخطر نتيجة للأزمة التي طال امدها في سوريا والعراق.