24 September,2018

بدنـــــا دولـــــة أبـــــو وجيــــــــه!

 

بقلم سعيد غريب 

Saad-kفي العام 1958، انتهت الثورة والثورة المضادة بشعارين للرئيس صائب سلام: <لا غالب ولا مغلوب، ولبنان واحد لا لبنانان>. وقضى اتفاق الخيمة بين الرئيسين فؤاد شهاب وجمال عبد الناصر (بغطاء أميركي) بأن يدير لبنان شؤونه الداخلية من دون تدخل خارجي.

حزمت الحكومة الرباعية أمرها، وبدأ العمل لاستعادة الدولة هيبتها تدريجياً. أُقفلت إذاعة <صوت لبنان> التي كان حزب الكتائب يديرها أثناء الأحداث التي دامت نحواً من خمسة أشهر، وأُزيلت المظاهر غير الشرعية كافة..

وانطلقت ورشة بناء المؤسسات والأجهزة الرقابية، واستبدل شرطي السير مسدسه الأميري بآخر من الخشب (طُلي بالأسود) لأن الأول يشكل ثقلاً على خصره..

ولعلّ هذه الواقعة خير دليل على هيبة الدولة عندما تحزم أمرها:

في العام 1959، كان الشرطي في سرية سير بيروت عز الدين حمدان ينظم السير عند تقاطع الروكسي – المتروبول في وسط العاصمة، واستوقفته سيارة <البويك> السوداء الخاصة بالمدير العام لقوى الأمن الداخلي نور الدين الرفاعي، مركونة عكس السير، ولم يتردد لحظة بتحرير محضر ضبط ولصقه على زجاج سيارة المدير العام الذي عُرف بانضباطه ودهائه وصرامته..

وقف الرفاعي مشدوهاً أمام المحضر وسأل عن الشرطي الذي طلب منه الحضور فوراً الى مكتب المدير العام حيث كانت تنتظره مكاتيب ثلاثة: تهنئة، وتنويه، ومكافأة مالية قدرها مئتا ليرة لبنانية..

ولكن الشرطي عز الدين أخطأ بعد فترة وعاقبه الرفاعي نفسه عندما ضبطه وهو ينظم السير واقفاً في ظل شجرة مستفيداً من فيئها على طريق النهر – بيروت.

هذه هي دولة المؤسسات التي بناها الرئيس فؤاد شهاب والتي لا نزال نغرف من فضلاتها حتى اليوم.

واليوم، وبعد المباشرة بتطبيق قانون السير الجديد، ولئلا يكون عكس السير، نطرح بضعة أسئلة ملحقة بتمنيات:

– هل يستطيع عز الدين حمدان آخر تحرير محضر ضبط بمديره أو بوزير أو نائب أو أي مسؤول آخر؟

– هل يمكن أن يدرّس في معاهد الأمن شرطي يمثل ظاهرة اسمه <أبو وجيه> كان الناس ينتظرونه على أرصفة تقاطع بشارة الخوري – السوديكو – البسطة لمشاهدته كيف كان ينظم السير بحركات يديه ورجليه وحواسه كافة؟

– هل يمكن أن يُفرج عن المناطق والأحياء والشوارع المقفلة لدواعٍ أمنية والممنوع الدخول إليها لأن ساكنيها من كبار القوم؟

– هل يمكن أن يُفرج عن إعادة سير وسائل النقل المشترك من <تراموي> وقطار و<باص>؟

– هل يمكن أن نفرش طرقات لبنان بالزفت بعد غياب طويل؟

– هل يمكن أن نرى رجل السير بلباس رسمي غير مرقط، ممشوقاً مُهفهفاً مرتباً ومهذباً؟

– هل يمكن أن يحترم اللبناني قانون السير والقوانين كافة كما يحترمها في أي بلد في العالم؟

– هل يمكن أن نرى إعلاماً حضارياً متخصصاً بثقافة السلام لا الهدم؟ نحن ماذا نريد؟

– نريد انتخاب رئيس للجمهورية <يقبض على أزمة الحكم> بموجب المادة 50 من الدستور اللبناني.

– نريد رئيساً للجمهورية <يحلف بالله العظيم بأنه يحترم دستور الأمة اللبنانية وقوانينها ويحفظ استقلال الوطن اللبناني وسلامة أراضيه>.

– نريد رئيساً يعرف أن الحكم يجب ان يكون قوياً بحكومة قوية ومجلس قوي ورأي عام قوي.

– نريد وحدة وطنية، وحدة الولاء، وحدة الإرادة، وحدة الصمود، فهي التي تجعل من الممكن حمل الأسرة الدولية ولاسيما المتصارعين حول لبنان، على التسليم بأن الشعب اللبناني له الحق في البقاء وفي الحياة حراً مستقلاً سيداً.

نريد حكماً صالحاً بعيد النظر، واسع الأفق، يعتمد العلم والكفاية والفهم، حر التصرف، نزيه الإرادة، مستنفراً، متنبهاً، نشيطاً وعميقاً ومفكراً، كبير المطامح، واقعي النظرة الى الأمور، متمرداً عملياً على كل المخالفات والمخلّفات والرواسب السياسية والإدارية التي أعاقت وتعيق لبنان الجديد، لبنان المستقبل.

بدنا نور الدين الرفاعي، وأبو وجيه وعز الدين حمدان.

بدنا دولة، و<شطف الدرج يبدأ من فوق>.