17 November,2018

بدأ مسيرته داعياً ومبشراً لمجتمع الكفاية والعدل، فاغتالوه ومعه اغتالوا الدعوة الى هذه الأفكار والتطلعات والأهداف

بقلم صبحي منذر ياغي

  1   منذ ان دخل الزعيم كمال جنبلاط المعترك السياسي في لبنان، احدث صدمة ايجابية وصارت (الجنبلاطية) مدرسة ، تجلت في طرح الافكار المثالية التي حملت الدعوة الى الاشتراكية والى اقامة مجتمع الرخاء والعدالة، وتوج ذلك من خلال تأسيس الحزب التقدمي الاشتراكي وقيامه بالدفاع عن حقوق الفقراء والكادحين ومزارعي التبغ. . ولم يشهد لبنان في تاريخه رجلاً وزعيماً كان مالىء الدنيا وشاغل الناس كما كان كمال جنبلاط. كان رجلاً تسكنه روح الأرض، وكان من الزعماء والرجالات النادرين في هذا الوطن العربي: دائم الحضور الثقافي، ومن أصحاب النظريات والأفكار التي حاولت ملامسة العالم المثالي. ففي ذكرى ميلاده الـ 97، لا بد من التوقف في محطة نعرض فيها لحقبة أمضاها هذا الرجل في سعي إلى تجلي الفكر في الواقع والروح في الإنسان.

كان المطر ينهمر بغزارة في بلدة المختارة الشوفية، عندما وضعت السيدة نظيرة فارس جنبلاط مولودها كمال في السادس من كانون الأول (ديسمبر) 1917، فغمرت الفرحة زوجها فؤاد جنبلاط، الذي كان مديراً لمنطقة الشوف بقرار عثماني.

كان قدر الصبي كمال أن يعيش يتيماً بعد اغتيال والده في السادس من آب (أغسطس) 1921، على أيدي جماعة شكيب وهاب. ومارست الست نظيرة دوراً مميزاً في تربية ابنها كمال ورعايته

7

إلى جانب شقيقته ليندا، وأوكلت إلى المعلم خليل سمعان تدريسه مبادئ اللغة العربية والحساب، والى المربية ماري سلوم، الحائزة على إجازة تعليمية من مدرسة اللعازرية في حلب، تدريس كمال وليندا اللغة الفرنسية، وبقية العلوم الأخرى.

في الأول مــن تشريـــن الأول (أكتوبــــر) 1926، أرسِـــــل كمـــــال إلى مدرسة الآبـــاء اللعــــازاريين في عينطـــــورة، بنصيحــــة مـــن صديــــق العائلـــة المطران أوغسطينوس البستاني وكانت المدرسة بإدارة الأب إرنست سارلوت.

 

جنبلاط التلميذ. . .

بدأ كمال الانكباب على الدراسة وكان من الطلاب المجتهدين بشهادة معلميه، ومن الذين تميزوا بذكائهم الخارق. في حزيران (يونيو) من العام 1928، حاز الشهادة الابتدائية بفرعيها الفرنسي والعربي، وانتسب في 17 كانون الثاني (يناير) 1934 إلى منظمة الكشافة الفرنسية التي أسستها مدرسة عينطورة لجعل التلامذة يعتمدون على أنفسهم.

أظهر كمال ميلاً إلى العلوم الطبيعية وعلم الاحياء والفلسفة، وفي صيف 1936 نال شهادة البكالوريا للمرحلة الأولى في العلوم والآداب، علماً أنه بدءاً من منتصف الثلاثينات، بدأ كمال يعيش نظاماً فرضه على نفسه، من حيث تعمقه في الأفكار الروحانية والفلسفية، واللجوء إلى ما يشبه العزلة للتأمل والتفكير، وبدأ أولى محاولاته الصحافية بالكتابة في مجلة <المعرض> التي كان يصدرها ميشال زكور.

في تشرين الأول (أكتوبر) من العام 1936، بدأ المرحلة الثانية من البكالوريا، ويقول الأب كوركيه <ان كمال أبدى في الصفوف المتقدمة اهتماماً معمقاً بتاريخ المسيحية، وبدأ بقراءة الإنجيل، ومؤلفات الفلاسفة الكاثوليك كالقديس أوغسطينوس، وألبرتو الكبير، وتوما الأكويني، وتركت هذه الأفكار أثرها الكبير في نفسه، وأحدثت تحولات في مفاهيمه ونظرته ونمط حياته>. والتحق بكلية الحقوق في جامعة السوربون في فرنسا عام 1937، لكنه عاد من فرنسا إلى لبنان بعد عامين بشهادتين في علم الاجتماع والأخلاق. أما سبب عدم إكماله علومه في فرنسا، فيعود إلى الأجواء المشحونة في أوروبا والتي كانت تنذر بنشوب الحرب العالمية الثانية.

هكذا التحق جنبلاط بكلية الحقوق في جامعة القديس يوسف(اليسوعية)في بيروت وأكمل دراسته في الحقوق، وبدأ تدرجه لمدة عام في مكتب المحامي إميل إده.

 

نائب عن جبل لبنان

5

قبيل استقلال لبنان، انتخب جنبلاط نائباً عن جبل لبنان في صيف 1943، في انتخابات اشرف عليها الرئيس بترو طراد، والمندوب السامي الفرنسي جاك هيللو، والجنرال الإنكليزي إدوارد سبيرس. وكان الدروز قبل تلك الفترة قد بايعوا جنبلاط زعيماً خلفاً لابن عمه حكمت بك جنبلاط. في 14 كانون الأول (ديسمبر) 1946، عُيّن جنبلاط وزيراً للاقتصاد في حكومة رياض الصلح، التي عرفت بـ<حكومة الجبابرة> كما أسندت إلى جنبلاط في الوقت نفسه وزارتا الزراعة والشؤون الاجتماعية. وبين الانتداب وجلاء الجيوش الأجنبية عام 1946، بدأ جنبلاط نضالاته الأولى في سبيل إصلاح النظام السياسي نحو العدالة والديموقراطية، وبدأ بخوض معركته ضد الفساد والاختلاسات المعششة في دوائر الدولة. وينقل أحد أصدقاء جنبلاط قوله لسائقه سامي نمور منذ اليوم الأول لدخوله الوزارة: <إياك أن تقوم بعمل يسيء إلى سمعتك وسمعتي، ولا تظن أن كمال جنبلاط سيدافع عنك أو يحميك. يكفينا ما في هذا البلد من قبضايات>.

الحزب التقدمي الاشتراكي (معمودية الدم)

وعن المرحلة التي اسس فيها جنبلاط الحزب التقدمي الاشتراكي، يقول الكاتب وليد رافع في حديث مع <الافكار> انه في الأول من أيار (مايو) 1949، أعلن كمال جنبلاط ولادة الحزب التقدمي الاشتراكي الذي أسسه مع مجموعة من الشخصيات اللبنانية وهم: ألبير أديب، فريد جبران، الشيخ عبد الله العلايلي، فؤاد رزق، الدكتور جورج حنا، جان نفاع، جميل صوايا. وبدأ الحزب بالانتشار في معظم المدن والمناطق اللبنانية، وانتقل مؤسسوه من ترجمة أفكار الحزب الواردة في ميثاقه إلى مشاريع عمل سياسي وموضوعات لنضالات مرحلية ومقبلة. أصبح الحزب قوة سياسية مسموعة الكلمة، وبدأ خوض الصراع في جو المواجهة المتصاعدة مع النظام الحاكم الذي كان يضمر العداء للحزب التقدمي الاشتراكي ويعارض توجهاته السياسية والاجتماعية. وتوجت الصراعات الخفية بين السلطة وجنبلاط بحادثة الباروك في 18 آذار (مارس) 1951 وفيها سقط عدد من مناصري جنبلاط برصاص الدرك أثناء اجتماع تحضيري للانتخابات النيابية دعا إليه الحزب التقدمي، وقد أطلق جنبلاط على هذه الحادثة اسم <معمودية الدم>، واتهم الرئيس بشارة الخوري وشقيقه <السلطان سليم> بالتخطيط لها عبر تعليمات أعطيت لضابط الدرك بهيج شحوري.

 

الانقلاب الابيض

أثناء التحضيرات للانتخابات النيابية عام 1951، اجتمع معارضو الشيخ بشارة الخوري من نواب وناشطين سياسيين وإعلاميين، ليوقعوا وثيقة المعارضة في آذار (مارس) عام 1951، وتضمنت الوثيقة تسع نقاط أعدها الحزب التقدمي الاشتراكي، دعت إلى العمل والنضال من أجل تأمين سلسلة من المطالب الاجتماعية، وضمان الحريات. وفي أيار (مايو) 1951، حددت هذه المعارضة برنامج عملها، وحملت اسم <الجبهة الاشتراكية الوطنية>، ضمّت: كمال جنبلاط وأنور الخطيب (عن الحزب التقدمي الاشتراكي)، وبيار اده (عن الكتلة الوطنية)، وغسان تويني (عن الحزب القومي بصورة غير معلنة، بسبب زج قيادة الحزب القومي في السجون) وإميل بستاني، وديكران توسباط، وعبد الله الحاج. وتمكنت الجبهة من الفوز بعدد كبير من المقاعد الانتخابية في الانتخابات النيابية عام 1951. وكانت مقالة جنبلاط في جريدة <الأنباء> في 30 أيار (مايو) 1952: <جاء بهم الأجنبي، فليذهب بهم الشعب> بمنزلة البيان السياسي للثورة البيضاء التي أرغمت الرئيس بشارة الخوري على تقديم استقالته في أيلول (سبتمبر) من العام 1952. لكن وضع جنبلاط مع الرئيس الجديد كميل شمعون لم يكن أفضل حالاً.

6

ويرى الدكتور خليل أحمد خليل <أن جنبلاط استمر في معارضته الشعبية العنيدة، فأنشأ <الجبهة الشعبية الاشتراكية>، ما بين 1953 و1954، وشارك في المؤتمر الوطني للأحزاب والهيئات، وعقد في بيروت أول مؤتمر للأحزاب الاشتراكية العربية. وفي العام 1956 وقف إلى جانب مصر عبد الناصر ضد العدوان الثلاثي، ثم قاد الثورة الوطنية المسلحة عامي 1957 و1958>.

عام 1960، دخل جنبلاط مجلس النواب على رأس كتلة نيابية من 11 نائباً، سماها <جبهة النضال الوطني>، وشارك في الحكم في عهد الرئيس شهاب كوزير للتربية، وفي وزارتي التصميم العام والأشغال. . . ثم بدأ عام 1965 تجربة <جبهة الأحزاب والشخصيات الوطنية والتقدمية>، التي ضمت: الحزب الشيوعي، حركة القوميين العرب، جبهة التحرير العمالي، إضافة إلى سياسيين مستقلين من بينهم معروف سعد، واللواء جميل لحود. وكان المنهج الفكري الذي جمع أطراف الجبهة التمسك بالأفكار الاشتراكية وفكرة القومية العربية في مفهومها الناصري.

ويشير الدكتور خليل أحمد خليل إلى <أنه بعد حرب حزيران 1967، وقف جنبلاط إلى جانب مصر عبد الناصر مؤمناً بقدرة العرب على النصر، متعاطفاً ومتضامناً مع النهوض الثوري للشعب العربي الفلسطيني. فقامت في لبنان اللجان والهيئات المساندة للعمل الفدائي، وخاضت نضالاتها البطولية في وجه قمع السلطة في الجنوب والبقاع وبيروت، ولاسيما يوم الثالث والعشرين من نيسان (ابريل) 1969 يوم الانعطاف اللبناني الفلسطيني نحو الثورة على الهزيمة السوداء في حزيران (يونيو)، وحين تشكلت الجبهة العربية المشاركة في الثورة الفلسطينية، انتخب كمال جنبلاط أميناً عاماً لها>.

جنبلاط..  وفلسطين

4

وتطرق نائب رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي دريد ياغي في حديث مع < الافكار> الى ما حققه كمال جنبلاط على الصعيد اللبناني الداخلي والعربي حيث <جعل قضية فلسطين القضية المركزية، وكان الامين العام للجبهة العربية المشاركة، وكان له دوره في بروز المقاومة، وتأسيس الجبهات السياسية وصولاً للحركة الوطنية، وانشاء الجامعة اللبنانية والتعليم فيها، ودوره في الحركات الطالبية والعمالية والزراعية، ودوره العربي في الوقوف الى جانب الثورة المصرية والجزائرية وفي تطوير الجامعة العربية، وحضوره مؤتمر الاحزاب الاشتراكية، والوقوف الى جانب عمال عبد الناصر، ودوره العالمي وتطوير الامم المتحدة والدخول الى الاشتراكية الدولية وعلاقته بالأحزاب الشيوعية ونيله وسام لينين الذي يعطى للقادة الكبار والعظماء>.

وختم ياغي مؤكداً الوفاء للمعلم و<تجديد العهد معه والتزامنا الى جانب الطلاب والعمال الكادحين والتزامنا وحدة لبنان بمسيحييه ومسلميه في مواجهة العدو الواحد اسرائيل، وسنكون دوماً في طليعة المدافعين عن عروبة لبنان ووحدته>.

في 25 تشرين الثاني (نوفمبر) 1969، شكل الرئيس رشيد كرامي حكومته التي حصل الحزب التقدمي فيها على حقيبتين وزاريتين، فكانت وزارة الداخلية لجنبلاط والموارد المائية والكهربائية لأنور الخطيب، وسجل جنبلاط أثناء توليه حقيبة الداخلية علامة فارقة في تاريخ السياسة اللبنانية، من حيث إيمانه بضرورة تفعيل العمل الحزبي في البلاد المشاركة، وذلك بموافقته على الترخيص للحزب الشيوعي وحزب البعث العربي الاشتراكي الموالي للعراق، ومنظمة حزب البعث الموالية لسوريا، وللحزب السوري القومي الاجتماعي، و<حركة 24 تشرين> برئاسة ابن طرابلس فاروق المقدم.

(ناصر) بسمارك العرب

في 28 أيلول (سبتمبر) عام 1970، مات الرئيس جمال عبد الناصر، ووقع هذا الخبر على جنبلاط كالصاعقة، فتوجه إلى مبنى السفارة المصرية في الرملة البيضاء ليقدم تعازيه، ولم يتمالك نفسه وهو ينزل في المصعد، فأطلق العنان لدموعه بصمت وأحس برجفة تعتريه ودوار يصيبه. كان جنبلاط يرى في عبد الناصر <بسمارك العرب>، وقال في برقية أرسلها لعبد الناصر في 3 آب (اغسطس) 1956: <إنني لا أخاف على جمال عبد الناصر من جمال عبد الناصر، ولا أخاف على مصر جمال عبد الناصر… لكنني أخاف من الذين يصفقون <للبطل>، لكل بطل في الشرق المريض بانغلاق تعصبه… أخاف منهم وعليهم، أن يحولوا هدف المعركة وروح المعركة إلى غير ما هي عليه…>.

الحرب اللبنانية

3

يعتقد عدد من الباحثين أن كمال جنبلاط أُرغم مكرهاً على المشاركة في الحرب اللبنانية، وكان يعتبر أن مشاركته فيها هي لإحباط ما كان يراه مؤامرة أميركية ــ إسرائيلية أخرجها هنري كيسنجر لتقسيم لبنان دويلات طائفية، فضلاً عن سعي جنبلاط إلى تطبيق الإصلاحات الديموقراطية في النظام اللبناني والقضاء على الامتيازات السياسية والطائفية والحفاظ على الثورة الفلسطينية.

وفي مقابلة أجراها معه الصحافي الفرنسي <فيليب لابوستيرل> قال جنبلاط: <أنا لا أحب العنف وإجلالي للـ<مهاتما غاندي> معروف لدى كل المحيطين بي. وأنا اعتبره نبي العصر الحديث الحقيقي لأنه أعاد الأخلاق إلى السياسة… لكنني اعتبر كذلك أنه متى كانت لديك مثل عليا، وكانت هذه المثل تتعرض للتهديد، أي إذا كان عليك أن تختار بين الخضوع والعنف، فإنه ينبغي لك اختيار العنف>.

حاول جنبلاط إجهاض المؤامرة التي بدأ لبنان يتعرض لها منذ <حادثة البوسطة> في عين الرمانة يوم 13 نيسان (ابريل) 1975 وذلك عبر اللقاءات المستمرة مع الأحزاب، ومع الزعماء الروحيين والشخصيات السياسية والنواب، في الوقت الذي شهدت فيه البلاد أول <وساطة> بدأتها سوريا لوقف دوامة العنف عبر وزير خارجية سوريا آنذاك عبد الحليم خدام ونائب وزير الدفاع اللواء ناجي جميل، إلا أن كرة العنف والدمار والنار واليباس بدأت تكبر وتمتد لتشمل بيروت وعدداً من المناطق اللبنانية، وكان جنبلاط قد وضع البرنامج المرحلي لإصلاح النظام السياسي في لبنان، وانطلق مناضلاً مع حركته الوطنية لتحقيق هذا البرنامج.

ويرى الوزير السابق ألبير منصور: <ان ذروة عطاء كمال جنبلاط الفكري والنضالي تتمثل في <الحركة الوطنية> التي بناها، إنها ذروة عطائه لأنها تتميز بخصائص معينة هي خلاصة تجربة كمال جنبلاط الفكرية والنضالية في المجال السياسي>، بينما يعتبر الدكتور مسعود ضاهر <أن جنبلاط انخرط في نضالات يومية دؤوبة من أجل تحضير القوى السياسية البديلة القادرة على التغيير، لأن قوى النظام لن تقدم على هذه المهمة، وليس من مصلحتها الطبقية أن تفعل ذلك. لذا دفع بـ<الحركة الوطنية> اللبنانية الذي تسلم قيادتها إلى وحدة حقيقية. . . وجعل تلاحمها مع المقاومة الفلسطينية تلاحماً مصيرياً على الساحة اللبنانية>.

 

الدخول العسكري السوري

في الأول من حزيران (يونيو) 1976، دخلت القوات السورية إلى لبنان، إلا أن جنبلاط والأحزاب اليسارية، والقائد الفلسطيني ياسر عرفات ومعه عدد من التنظيمات الفلسطينية عارضوا هذا التدخل. وفي العشرين من تشرين الأول (أكتوبر) 1976، وافق كل أطراف النزاع: الجبهة اللبنانية، الحركة الوطنية، المقاومة الفلسطينية على قرار وقف إطلاق النار الصادر عن القمة العربية المنعقدة في الرياض، وتشكيل قوات الردع العربية.

اغتيال <المعلم>

2

كان جنبلاط يعيش في المرحلة الأخيرة من حياته هاجس تعرضه للموت اغتيالاً، واخذ القريبون منه يلحون عليه لمغادرة لبنان، ومنهم العميد ريمون إده الذي اتخذ باريس منفاه، إذ عرض على جنبلاط الانتقال إلى فرنسا، وتشكيل حكومة منفى لبنانية. لكن جنبلاط رفض الفرار وكان يردد دائماً: <إن الرجال من آل جنبلاط نادراً ما يموتون على الفراش>.

ووفق ما تحدث به العميد المتقاعد عصام ابو زكي لـ<الأفكار> انه: وفي السادس عشر من آذار (مارس) من العام 1977، أنهى كتابة مقالته لجريدة <الأنباء> التي يصدرها الحزب التقدمي الاشتراكي، وكانت بعنوان <رب اشهد أنني بلغت>، ثم انتقل بسيارته <المرسيدس> برفقة مرافقيه فوزي شديد، وحافظ الغصيني إلى المختارة. وعلى مفرق دير دوريت كان القدر المشؤوم في انتظار <المعلم>. فقد اعترض سيارته عدد من المسلحين <تردد أنهم كانوا من جنود الوحدات الخاصة السورية>، يستقلون سيارة <بونتياك> بيضاء اللون حملت لوحات عراقية إمعاناً في التضليل، ليغتالوا جنبلاط مع مرافقيه..

فإذا كان جنبلاط قد قضى مسيرته السياسية داعياً ومبشراً بالإصلاح والتغيير، والسعي لمجتمع الكفاية والعدل، فإن اغتياله كان بمنزلة ضربة قاضية لهذه الدعوة ولهذه الافكار والتطلعات والاهداف.

اغتيل جنبلاط في وقت كان فيه المطر ينهمر غزيراً، تماماً كمطر يوم مولده… وكأن جنبلاط جاء إلى هذه الأرض بالمطر يملؤها خصباً، ثم رحل عنها مضيفاً دمه إلى المطر، ليزيد من خصوبة الأرض التي أحب.