21 March,2019

بدأ عصر بداية نهاية النفط!

بقلم خالد عوض

الخبر الكبير في عالم النفط آت من الولايات المتحدة هذه المرة وليس من <اوبيك> أو روسيا اذ جاء في تقرير للـ<وكالة الدولية للطاقة> صدر منذ أيام، ان الولايات المتحدة ستزيد انتاجها من النفط مع حلول ٢٠٢٤ حوالى ٤ ملايين برميل يوميا ليصل مجموع ما تنتجه إلى أكثر من ١٤ مليون برميل يوميا، متجاوزة بذلك إنتاج كل من السعودية وروسيا، كما أنها ستتمكن من تصدير أكثر من ٥ ملايين برميل من النفط يوميا أي أكثر من ضعفي ما تصدره اليوم. هذه التوقعات المبنية على الإنتاج الإضافي المتوقع من النفط الصخري في منطقة غرب تكساس أو ما يسمى <الحوض البيرمي> (Permian Basin) تعني أن الولايات المتحدة ستكون اللاعب الأهم في سوق النفط العالمي ويمكنها التأثير على أسعار النفط بطريقة مباشرة. هذه الأرقام تعني أيضا بداية النهاية لتأثير منظومة <اوبيك> وتشير إلى حاجتها لإعادة تكوين نفسها عبر خطة طريق جديدة، ربما من خلال <اوبيك بلاس> (OPEC +) أي دول (OPEC) زائد روسيا. فمنذ فورة النفط الصخري الأميركي قبل عدة سنوات أصبح واضحا أن التنسيق السعودي – الروسي هو الذي يؤثر فعليا في إتجاه أسعار النفط العالمية وليس منظمة <اوبيك> وحدها. ولكن المشكلة ليست فقط في الأرقام الآتية من الولايات المتحدة أو حتى في دور <اوبيك> المستقبلي بل في دور النفط كسلعة اقتصادية حفزت النمو الاقتصادي في دول كثيرة أولها الدول العربية.

هل وصل الطلب العالمي على النفط إلى ذروته؟!

إنه السؤال الذي لا يتفق على جوابه أي من الخبراء. البعض يقول أن الطلب على النفط لن يزيد بعد اليوم بل بالعكس سيبدأ بالانخفاض قبل سنة ٢٠٢٥، فيما البعض الآخر يعتقد أنه سينمو ببطء حتى عام ٢٠٣٠ ثم يبدأ بالتراجع، وهناك محللون أكثر

تشاؤماً يقولون أن الطلب على النفط لن يزيد بعد سنة ٢٠٢٠ وأنه بدأ حاليا يشارف ذروته <Oil Peak Demand>.

العامل الأول في وصول الطلب العالمي على النفط الى ذروته أي أن لا يزيد أبدا بعد ذلك هو سرعة الإنتقال إلى السيارات الكهربائية لأن قطاع النقل يشكل أكثر من ٥٠ بالمئة من إستهلاك النفط. في الماضي كان الغرب وخاصة الولايات المتحدة يقود الحديث عن السيارات الكهربائية، وهو فعليا يريد تأخير وصولها إلى الأسواق نظرا إلى التعاضد الكبير بين منتجي النفط ومصنعي السيارات العادية وشركات الإعمار الكبيرة التي تنفذ مشاريع الطرقات والجسور. هذا المثلث كان يعتاش من النفط: منتجو النفط بحاجة إلى سيارات أكثر على الطرقات. صانعو السيارات يريدون زيادة انتاجهم وحتى يتمكنوا من ذلك هم بحاجة إلى تطوير مستمر في البنية التحتية وخاصة الجسور والأنفاق والطرقات عبر موازنات الحكومات أو الشراكات مع القطاع الخاص. وشركات البناء بحاجة إلى المشاريع. هذه الدائرة التي تضم في وسطها صانعي القرار في الحكومات قائمة على النفط.

مع دخول الصين – التي تستورد النفط ولا تصنعه – الباب الاقتصادي العالمي، ومع تطور تكنولوجيا السيارات الكهربائية، بدأت هذه الحلقة تضعف. الصين اليوم تزيد بسرعة من إستخدام السيارات الكهربائية وتقود العالم في ذلك. الأرقام تشير إلى أن أكثر من مليون سيارة كهربائية ستوجد على الطرقات الصينية مع نهاية هذه السنة وهذا الرقم أكبر بمئات الآلاف من عدد المركبات الكهربائية الموجودة في أميركا أو أوروبا. إذا نجحت الصين في تحفيز النمو في إستخدام السيارات الكهربائية فستكون سنوات نمو الطلب على النفط العالمي معدودة.

 

منذ اسابيع قرر أكبر صندوق سيادي في العالم – وهو الصندوق التقاعدي الحكومي النرويجي الذي تصل موجوداته إلى أكثر من ألف مليار دولار – الانسحاب من كل الاستثمارات في قطاع التنقيب وإنتاج النفط، مع العلم أن النرويج هي دولة مصدرة للنفط من حقل الشمال بينها وبين بريطانيا، في الوقت نفسه فإن الاستكشافات الجديدة في عدة دول أفريقية تشير إلى أن إنتاج النفط العالمي سيستمر في الزيادة، هذا من دون احتساب عودة إيران وفنزويلا إلى سوق النفط، كما تشير الإحصاءات أن الإحتياطي النفطي في عدة دول مصدرة للنفط مثل العراق والسعودية يفيض عن كل مستويات الطلب المتوقعة خلال العشرين سنة المقبلة. كل هذا يؤكد أننا نمر في مرحلة الإنتقال إلى الفائض النفطي العالمي الذي من الصعب أن نرى معه زيادة في أسعار النفط إلى مستويات سابقة مثل المئة دولار للبرميل، كما يعني ذلك أن الخفض في الإنتاج الذي قامت به منذ مدة <اوبيك>، وروسيا بدرجة أقل، يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية.

اقتصاد دول الخليج… إلى أين؟!

هذا يعني أن مداخيل دول النفط وأولها دول الخليج لن تنمو بعد اليوم وأنه يجب عليها أن تتكيف مع مداخيل نفطية لا تغطي عجز موازنتها أو طموحاتها الإنفاقية والاستثمارية. ليس المطلوب تقشفا مطلقا بل بالعكس مطلوب التفكير في بدائل للإيرادات النفطية المتناقصة، وهذا هو جوهر رؤية ٢٠٣٠ للسعودية التي اطلقها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. الرجل ترجم ما تقوله الأرقام الآتية من عالم النفط إلى رؤية اقتصادية لا خلاف حول ضرورتها. العبرة في التنفيذ، هذا صحيح، والعقبات الثقافية والإدارية ليست سهلة، ولكن كل المؤشرات تؤكد أن السعودية بحاجة إلى الرؤية بل أن الشرق الأوسط بأكمله بحاجة إليها وإلى مثلها. من دون هذا التغيير الصعب والمضني ستكون هناك اسئلة كبيرة حول مستقبل السعودية وكل دول الخليج.

ربما لا تزال هناك بضعة سنوات قليلة حتى تبلور كل الدول العربية، التي تعتمد على النفط إما مباشرة مثل دول الخليج أو غير مباشرة مثل لبنان وغيره من الدول التي ترتاع مما تنفقه دول النفط فيها، صورة مستقبلها الاقتصادي… غياب الرؤى الاقتصادية التي لا تعتمد على النفط سيكون بمثابة الطريق السريع إلى الأزمات من كل نوع وإلى عدم الإستقرار السياسي والمالي والإجتماعي.