24 June,2018

بالماء ستحكم تركيا كلاً من سوريا والعراق!

 

بقلم خالد عوض

اردوغان

أزمة المياه في الشرق الأوسط لم تعد عنواناً بحثيا أو مادة نقاش علمي أو أكاديمي. وحسب دراسة <معهد المياه الدولي>، فمن أصل ٣٣ بلدا في العالم ستعاني من نقص حاد للماء عام ٢٠٤٠، هناك ١٦ دولة في الشرق الأوسط من بينها دول الخليج ولبنان والأردن والعراق وسوريا وفلسطين.

المياه هي اليوم من أهم عناصر الاستقرار السياسي والاجتماعي في المنطقة أو بالأحرى عدمه وهي مرشحة لأن تصبح مصدرا لخلافات اقليمية جديدة. من خلالها يمكن أيضا الاستقراء أن مشكلة النزوح السوري هي مزمنة.

منذ أيام قامت قائمة الحكومة العراقية على الأتراك لأنهم بدأوا بملء سد <ايليسو> قرب مدينة <ماردين> المجاورة للحدود العراقية للاستفادة من الطاقة الكهربائية التي يمكن أن يوفرها السد. وكانت الحكومتان التركية والعراقية قد اتفقتا منذ عدة شهور على تأجيل ملء السد إلى حزيران (يونيو) بعد انتهاء الإنتخابات العراقية حتى لا تخسر كتلة العبادي دعم المزارعين، إلا أن الأتراك سارعوا الى ذلك مع أول يوم من حزيران (يونيو) لأن لديهم أيضا إنتخابات ٢٤ حزيران (يونيو) بينما كان العراقيون موعودين أن يحصل ذلك في نهاية الشهر وليس بدايته. ملء السد يعني تخفيف كم المياه في نهر دجلة بنسبة تزيد عن ٤٠ بالمئة مما سيشكل أزمة ماء حقيقية في العراق الذي يعتمد بنسبة ٩٨ بالمئة من مياهه على نهري دجلة والفرات. مشكلة <ايليسو> ذكرت العراقيين أنهم أمام أزمة مياه حقيقية تتحكم فيها السدود التركية وحتى الإيرانية، فإيران تقوم هي أيضا ببناء سد <داريان> الضخم على الحدود العراقية الشرقية والذي عندما ينتهي العمل به نهاية هذا العام سيؤدي إلى شح إضافي لمياه دجلة بنسبة ٣٠ بالمئة، مما يعني أن العراق محاصر مائيا من إيران شرقا وتركيا غربا.

هناك دلائل كثيرة أن أحد أهم عناصر تأجيج الأزمة السورية هو الجفاف الذي ضرب شرق البلاد عام ٢٠٠٨ وأدى إلى موجة نزوح إلى المدن الرئيسية وأريافها أي حلب وحمص ودمشق، فقد أدى النقص الحاد في المياه إلى تراجع مداخيل المزارعين وإلى عوز إقتصادي ومالي عند مجموعة كبيرة من الفلاحين وعوائلهم، كما خلق حالة من الغضب والسخط ضد النظام كان من السهل استثمارها في بداية الأزمة، كذلك أدى نقص المياه إلى غلاء في أسعار الحبوب والغذاء بشكل عام مما زاد في المشكلة الاجتماعية السورية قبيل الحرب. سوريا بنت أكثر من ١٦٠ سدا لحفظ المياه وتوليد الطاقة ولكنها لا زالت تعتمد على مياه نهر الفرات والذي ينبع في شرق تركيا في أكثر من ٥٠ بالمئة من مجموع حاجتها المائية، وقد قامت تركيا عدة مرات خلال السنتين الماضيتين بقطع تغذية نهر الفرات للمناطق السورية لمحاصرة الأكراد هناك وأكدت بذلك أنها تتحكم بالنظام المائي السوري، أما نهر العاصي الذي يشكل مصدرا مهما للمياه في سوريا فتحكمه اتفاقية وقعها لبنان مع سوريا عام ١٩٩٤ وتحد مجموع ما يحصل عليه لبنان من مائه بثمانين مليون متر مكعب سنويا في al assad حال وصلت كمية الماء في النهر إلى ٤٠٠ مليون متر مكعب، مما يعني أن لبنان يتحمل العبء الأكبر في حالة الجفاف رغم أن النهر ينبع من عنده!

خطة السدود الكبيرة التي بدأتها تركيا في السبعينات لم تتنبه لها سوريا والعراق ايام ذاك. الدولتان كانتا غارقتين في نزاعات بعثية بينهما إلى جانب إنخراطهما في <الصمود والمواجهة> ضد إسرائيل. النتيجة أن الدولتين تواجهان اليوم أزمة مائية وجودية. لو كان النظامان في الدولتين متصالحين مع شعبهما لتمكنا من التفاوض مع تركيا منذ أكثر من أربعة عقود على وضع إستراتيجية مائية تؤمن الحاجات المائية للسوريين والعراقيين. فحسب كل البيانات والإحصاءات لا يمكن أن تكفي المياه في سوريا اليوم لعدد السكان السوريين قبل الحرب أي لـ22 مليون نسمة من دون استثمارات كبيرة في قطاع المياه ومن دون اتفاقيات مائية مع تركيا والعراق، لذا فان أحد أهم أوجه عدم عودة النازحين إلى سوريا، إلى جانب الأوجه السياسية والأمنية، هو عدم توافر المياه بما يكفي لتغذية الملايين منهم الموجودين في تركيا والعراق ولبنان. العراق يواجه أزمة مشابهة ستؤدي إذا استفحلت إلى بؤر من الغضب الذي يمكن أن يتحول إلى إرهاب جديد على نسق < داعش>. بذور الإرهاب اليوم تكمن في الفقر المدقع عند الفلاحين والمزارعين بسبب تراجع الإنتاج الزراعي المحلي، وفي ارتفاع أسعار الغذاء بسبب إرتفاع فاتورة الاستيراد من جراء ذلك.

مصر يساورها القلق نفسه من <سد النهضة> الذي تنوي إثيوبيا بناءه والذي سيؤثر على تدفق المياه في نهر النيل وستكون له تبعات كبيرة على الواقع الزراعي وعلى الاستقرار الاجتماعي المصري برمته، ولذلك يعي النظام المصري خطورة بناء السد على مستقبل شعبه وهو يضغط بكل ما أوتي لوقف بناء السد حسب مخططاته الحالية. الخوف نفسه يعتري الإسرائيليين والفلسطينيين الذين سيواجهون شحا مائيا لا يتماشى مع النمو السكاني هناك، اي أن القضية الفلسطينية مرشحة للمزيد من التعقيد.

مشكلة سوريا والعراق المائية مع تركيا لن يكون حلها سهلا لأن تركيا تتحكم بأهم مصادر المياه للدولتين وبالتالي لها اليد الطولى في أي حل سياسي واقتصادي. لم تعد القصة اليوم هي فقط قضية أنابيب الغاز، من أين تأتي وأين تمر في طريقها إلى أوروبا. المياه في الشرق الأوسط لها اليوم القيمة الاستراتيجية نفسها التي هي للغاز والنفط، فشح المياه والتصحر يشكلان نواة صالحة لحروب ونزاعات مستمرة لأنه دون مياه لا زراعة ولا غذاء… ولو كانت هناك مياه كافية في سوريا اليوم لكان موقف المجتمع الدولي من النازحين مختلفاً تماماً… البحث عن الحل السياسي في سوريا يقتضي وجود استراتيجية مائية اقليمية.