19 September,2018

بالحرب وحدها يمكن وقف تمدد الصين اقتصادياً ودولياً!

بقلم خالد عوض

trump

الرئيس الصيني <شي جين بينج> يريد فتح باب الترشح لأكثر من فترتين رئاستين متتاليتين، أي إلغاء القانون الحالي الذي يمنع ذلك، حتى يتسنى له الإستمرار في الحكم بعد نهاية ولايته الحالية عام ٢٠٢٣. أسباب كثيرة وراء هذا الحماس الإستثنائي لرئيس صيني في فترة ما بعد <ماو تسي تونج> الذي حكم الصين لمدة ٢٧ عاما، ولكن الأكيد أن الصين عام ٢٠٢٣ أو بعدها بسنة على الأكثر ستكون أصبحت أقوى دولة اقتصادية في العالم بناتج محلي يقارب ٢٩ ألف مليار دولار مقابل ناتج محلي لا يزيد عن ٢٨ ألف مليار دولار للولايات المتحدة. فرصة قيادة أعظم اقتصاد في الكون أغلى من أن يفرط بها <شي جين بينج> من أجل قانون أو في معرض التمسك بالديموقراطية أو حتى إيمانا بمبدأ تداول السلطة.

 

سبب الأزمات في الغرب: الديموقراطية أو تداول السلطة؟ 

ربما ينطلق الرئيس الصيني من ملاحظة ماذا فعلت مؤخرا الديموقراطية بالغرب. جاءت بـ«دونالد ترامب> إلى البيت الأبيض معمقة الشرخ السياسي والاجتماعي في الولايات المتحدة إلى درجة تذكر بالحرب الأهلية بين الجنوب والشمال بين ١٨٦١ و١٨٦٥. أخرجت بريطانيا من أوروبا من دون أي أفق اقتصادي ولا حتى سياسي. أرجعت فرنسا إلى الوراء بسبب التناقض الكبير بين السياسات التي اتبعها <جاك شيراك> ثم <نيكولا ساركوزي> وصولاً إلى <فرنسوا هولاند>، وها هو الرئيس الفرنسي الحالي <ايمانويل ماكرون> يحاول إعادة النهوض من الصفر.

المثلان الناجحان نسبياً من الغرب هما اليابان وألمانيا. في اليابان سيصبح <شينزو آبي> قريبا رئيس الوزراء الذي قضى أطول فترة في الحكم منذ الحرب العالمية الثانية بعد أن نال حزبه الأكثرية المطلقة في الانتخابات الأخيرة في تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠١٧، ومنذ انتخابه عام ٢٠١٢ ركز <آبي> على الاقتصاد حتى أصبح الإسم المتداول لسياسة اليابان الاقتصادية هو <اقتصاديات آبي> (ABENOMICS). في ألمانيا، ورغم بعض التململ الشعبي في الانتخابات الأخيرة التي فازت فيها ببعض الصعوبة، لا زالت <انجيلا ميركل> مستشارة منذ ٢٠٠٥ مستهلة منذ فترة وجيزة ولايتها الرابعة، ولولا مسألة النازحين التي تقلق الألمان لكان بإمكان <انجيلا ميركل> النظر بثقة تامة إلى الولاية الخامسة بعد أربع سنوات لتصبح المستشارة الأطول حكما منذ الحرب العالمية الثانية. في حالتي اليابان وألمانيا، القوتان الثالثة والرابعة اقتصاديا في العالم، ساهم الاستقرار السياسي في تعزيز الاقتصاد وخاصة القوة التصديرية فيه. أما في الأمثلة الأخرى فإن الديموقراطية أدت إلى تخبط داخلي له انعكاسات اقتصادية غير محمودة.

طالما أن الصين هي بهذا الحضور الاقتصادي الكبير وطالما أن <شي جين بينج> يريد أن يصبح زعيم العالم خلفا لرئيس البيت الأبيض، فلماذا لا نراها ديبلوماسياً وسياسياً كما نرى الولايات المتحدة ولماذا لا وزن لها في الشرق الأوسط حتى اليوم؟

للصين طريقتها الخاصة في الحضور الدولي. اسلوبها يعتمد على التغلغل الاقتصادي والتجاري والشراكة الإستثمارية الطويلة الأمد في البنى التحتية للدول التي تعد استراتيجية بالنسبة للصين. ولعل أكبر مثل على الأسلوب الصيني هو ميناء <همبطوطة> في جنوب سريلانكا، فقد انشئ الميناء منذ سبع سنوات بواسطة قرض صيني بمليار وثلاثمئة مليون دولار. ومع عام ٢٠١٦ تبين أن الدولة السريلانكية لن تقدر على سد هذا الدين فقامت أولاً بمحاولة بيعه إلى الصين، وعندما ثار السريلنكيون على ما اعتبروه تنازلاً عن السيادة أجرته الحكومة منذ مدة بسيطة لمدة ٩٩ سنة لشركة صينية. هكذا وضعت الصين يدها على ميناء إستراتيجي على بوابة المحيط الهندي يربط آسيا بحرياً بأفريقيا. وبما أن هم الصين هو النمو الاقتصادي الذي سيتيح لها أن تصبح القوة الأولى في العالم، فهي تسعى إلى تأمين أسواق لها خاصة حيث توجد كثافة سكانية واستهلاكية، مثل القارة الأفريقية حيث بلغت الإستثمارات الصينية حتى عام ٢٠١٧ حوالى سبعين مليار دولار معظمها في china president مشاريع الموانئ والطرقات ومصافي التكرير والبنية التحتية التي ستسهل التبادل التجاري معها.

في ظل هذا التمدد، أين الصين من كل ما يحدث في الشرق الأوسط؟ حتى الآن تتوقف الاستراتيجية الصينية عند الاعتماد على روسيا في محاولة فك ألغاز المنطقة. تعرف الصين جيدا أن العالم العربي هو مثل الوحول المتحركة وهي لا تريد الغرق فيه. كل ما يهمها هو استقرار مصادر النفط والغاز، ولذلك تحاول الموازنة بين مصالحها في إيران وفي السعودية. تدخلت بقوة لمنع باكستان من الدخول في حرب اليمن ولكنها لا تساعد إيران في حربها هناك. وحتى تستطيع متابعة ما يجري في اليمن وخاصة في باب المندب، الممر البحري الاستراتيجي بين أوروبا وأفريقيا، انشأت قاعدة عسكرية، هي الأولى خارج أراضيها، في جيبوتي.

هي مهتمة في كل ما يتعلق بمشاريع النفط والغاز في العراق وتستثمر هناك في هذا المجال، وقد وقعت منذ أيام على عقد إنشاء مصفاة في منطقة الفاو.

أما في سوريا فالصين غير معنية بما يجري وقد أوكلت الأمر بالكامل لحليفها <فلاديمير بوتين>. هي تعرف أن الغاز الآتي من البحر المتوسط لن يأتي إليها بل إلى أوروبا ولذلك تدعم روسيا في مسعاها لتتحكم بمصادر غاز شرق المتوسط وتقف إلى جانبها في مجلس الأمن عندما يستدعي الأمر ذلك.

خمس أو ست سنوات تفصلنا عن التحول الاقتصادي العالمي الذي سينقل الصين إلى أول دولة في العالم مالياً واقتصادياً. كل البيانات تشير أن هذه الحقيقة ستصبح واقعاً مهما حاولت الولايات المتحدة تأخيره.

لم يعد هناك طريقة لتغيير ذلك إلا بالحرب، لذلك ربما من مصلحة أعداء الصين ومنافسيها إبقاء مناطق التوتر الإقليمية والدولية ساخنة كلها حتى ٢٠٢٣!