17 November,2018

باســـل دلـــول : لـم يجــد والــدي ما يوحـــد العـــــرب أكثــر مــن الفــن فكـــان المتحـــف الفريـــــد!

بقلم عبير انطون

1--A

مشروع <بان آراب> رائد تنتظره العاصمة اللبنانية، فنيا هذه المرة. فقلب المدينة سينبض بالفن العربي الحديث والمعاصر في مجموعات نادرة تشكل ثروة فنية للعامة ومادية لاصحابها ومرجعا اولا وأكيدا لكل باحث ومهتم، ويعيد للعرب، من قلب بيروت، مجدا كان لهم على امل الا يفقدوه كليا..

فما هو هذا المشروع الرائد؟ وماذا سيكون دور المؤسسة المنبثقة عنه؟

الدكتور في علم القانون باسل دلول، رئيس مجلس ادارة شركة <نور للتكنولوجيا المتطورة> احدى كبريات شركات البنية التحتية ونقل المعلومات عبر شبكة الانترنت يروي لـ<الافكار> من منزله البيروتي الفسيح المطل على الازرق الواسع، فكرة المتحف وموعد افتتاحه:

– توعكت صحة والدي رمزي دلول فأصيب بسرطان تعافى منه، وفكّر وهو في حال المرض بما يمكن ان يتركه للوطن العربي العزيز جدا عليه، فهو قومي عربي من كبار المؤمنين بالقضايا العربية، فقال: <لا بأس، نحن لم نستطع ان نتوحد كعرب الا ان اموراً عديدة توحد بيننا، وتأتي الفنون بمجالاتها المختلفة في اول الهرم، من الكتب الى الاغاني والسينما وليس بشكل اقل فنون الرسم والنحت، وعالمنا العربي يزخر بها، فلنجمع الاخيرة في قلب متحف واحد>.

وعما اذا كان والده الاقتصادي الكبير يمارس احدى الفنون الذي ارتأى اقتناء انتاجها قاصدا زوايا العالم الاربع لاختيار الرائد منها والأكثر قيمة يجيب الابن <حامل سر ابيه>:

 – والدي انغمس في عالم الاقتصاد الذي تخصص به وعمل في حقله في الامم المتحدة، وهو بعيد عن عالم الفن الا انه يشعر به ويتفاعل معه. كان يقتني المجموعات منذ الستينات والسبعينات لأجل بيته، ولطالما قصد بول غيراغوسيان ورفيق شرف وعارف الريس وغيرهم. سفره للعمل في العراق جعله يتعرف بفنانين كثيرين فجمع باقة من اعمالهم المميزة واشترى الكثير من المجموعات الرائدة. مع الحرب اللبنانية انتقلنا للعيش لأربع سنوات في باريس، ومع الهدنة اللبنانية في العام 1978أعادنا والدي الى البلد حتى لا نخسر نحن ولديه اللغة العربية. مكثنا في لبنان لستة اشهر انتقلنا بعدها الى لندن حيث مقر العائلة الآن وحيث اتممنا دروسنا اخي وأنا.

 

الوالدة.. ومرفأ بيروت

 

وبعد <هدنة> كلامية قصيرة فرضها جمال لوحة اثارت انتباهنا اثناء الحوار تعود للفنان المصري الكبير محمود سعيد صور فيها مرفأ بيروت في العام 1930وقد حافظت على الوانها الزاهية وخطوطها الرائعة، يضيف دلول:

 – لم يفضل والدي لوحة على أخرى الا بما لها من قيمة فنية، مع تقديره عاليا وميله الى اقتناء لوحات الفن الشرقي البحت <اوريانتاليست آرت> على انواعها. هذا الحب للفن زرعه فينا، الا ان الفضل الاكبر في ذلك 5-(1)SSSS يعود الى والدتي.

وهنا يكمل باسل:

– انها سيدة مميزة بكل ما للكلمة من معنى، تعاني مرض <الالزهايمر> وقد اصابها باكرا بعمر الثامنة والخمسين ويلازمها حتى اليوم. هي سيدة فلسطينية من عائلة <الحسيني> راقية ومثقفة نقلت الينا شغفها بالقراءة والفنون. كانت تصطحبنا الى المتاحف والمعارض و<الغاليريهات> الفنية بالإكراه أحيانا، حتى وصلنا الى مرحلة تعلقنا بها بالفنون واللوحات، خاصة وانها كانت تعتمد <الحيلة> الذكية لتجعلنا ندخل هذا العالم بشغف، فـ<تخترع> قصة حول كل لوحة تمزج فيها ما بين المعلومات الصحيحة عنها وعن راسمها وتخبرنا بشكل مشوق عما كان يدور في عصرها، ما يجعل اللوحة امامنا حية، لها جذور واهل وتاريخ وقصة. لقد درست والدتي <الانتروبولوجيا> و<السوسيولوجيا>، تتكلم 7 لغات وتقرأ خمسة كتب في الاسبوع، وكانت تحثنا على ان نحذو حذوها.

 وبعد رشفة قهوة كانت لنا وقفة مع باسل حول لوحة لـ<غيراغوسيان> تعلو المقعد الذي يجلس فيه، رسمت فيها المعالم الواضحة لامرأة ومعها مجموعة من النساء والاطفال وتمثل الهروب من المجازر التركية حيث يجر الرجال عرباتهم في الطرقات الوعرة. هذه اللوحة عن <الدياسبورا الارمنية> أثارت مشاعر كثيرة فينا تجاوزنا الحديث عنها في الظروف الحالية التي تجعل اهل العالم العربي مشردين في بقاع الدنيا الواسعة، لنكمل في عالم الدهشة الذي بدأناه مذ قرعنا الجرس في <البيت – المتحف>..

 حمرة شفاه.. و<ميدل ايست>

 

 وقبل انتقالنا الى الشقق المختلفة التي ترتاح فيها <الكنوز> الفنية بأناقة وحرفية ومراعاة لأفضل شروط التخزين قبل زفها الى متحفها الرسمي، سألنا باسل عن عام انطلاق الفكرة بالتحديد وموعد الافتتاح فأجاب:

– تعود فكرة التأسيس لعشر سنوات تقريبا، وكان ذلك قبل ان يهتم العالم أجمع بالفن العربي، وقد بات هذا الاهتمام اليوم موضع انتباه مركز، وموضة العصر كله لدى الكثيرين في الشرق والغرب. بدأ والدي الابحاث وعاونته في ذلك، نقرأ ونبحث وننقب عمن بقي من الفنانين المعروفين على قيد الحياة، ومن فارقنا نبحث عن اولاده أو ورثته، حتى نصل الى أدق التفاصيل والمعلومات نجمعها حول رواد <الفن العربي الحديث> و<المعاصر> في ايامنا.

وحول الاسم الذي سيحمله المتحف يجيب:

– سيكون تحت عنوان <متحف بيروت للفن العربي> ( بيروت اراب آرت ميوزيزم)، اما المؤسسة المنبثقة عنه فستكون تحت عنوان يضم اسمَي والدي: <مؤسسة رمزي وسائدة دلول – آرت فاونديشن>. لقد طلب الكثيرون من الاصدقاء والمهتمين وضع مجموعاتهم في هذا المتحف فرحبنا بهم. وانا كخبير في ادارة المؤسسات اعمل على هيكلتها، كما تعمل ثلاث صبايا متخصصات في مجال الفنون وتاريخها على توثيق المعلومات الدقيقة الخاصة بكل لوحة او منحوتة وراسمها لتكون جاهزة في المتحف، وفي < داتا> المؤسسة التي ستشكل مركز أبحاث كبيراً في ما يتعلق بالفن العربي الحديث والمعاصر، خاصة وان لا مرجعية خاصة به حاليا في اي مكان من الوطن العربي، ويمكن القول في العالم كله. اراد ابي ان تكون هذه المرجعية في بيروت، وستمد المؤسسة يد العون لكل مهتم او طالب في الجامعات وغيرها مع تخصيص جوائز لهذا 3---Aالفن الاصيل. أما بالنسبة للمكان فإننا لا زلنا في طور المفاوضة عليه، خاصة وانه يتطلب مساحة واسعة ليضم المجموعات كلها.

المجموعات كلها؟ لا يمكن لاي زائر ان يملّ من النظر الى ربعها حتى. فالزيارة التي رافقنا اليها باسل تمتد على مساحة الفي متر. الزوايا مخصصة والغرف موزعة بحسب <خريطة دلول العربية وما يستوعبه المكان>. هنا فستان مشغول من منمنمات حاكتها اربعمئة سيدة من المخيمات من مختلف قرى فلسطين حيث تتميز كل قرية بـ<قطبة> مختلفة وحُملت الى المصمم اللبناني ربيع كيروز فجعلها في فستان واحد وضع ضمن قالب زجاجي لرمزيته، ترقد بعيداً عنها <البقرة الفلسطينية الحلوب> التي شغلت الاسرائيليين، والى شمالها لوحة للفنان عامر شومالي من اكثر من خمسة آلاف قلم حمرة شفاه ترسم المناضلة الفلسطينية ليلى خالد، الى غيرها الكثير..

 في <الطابق> اللبناني يستقبلك على المدخل التمثال النصفي للاديب والفيلسوف اللبناني جبران خليل جبران ولوحة رسمها بريشته لملهمته ماري هاسكل، وكان رمزي دلول ينافس على اقتنائها الملياردير كارلوس سليم لضمها الى مجموعته في المكسيك. وعلى بعد امتار، لوحة عن طائرة الـ<ميديل ايست> تحترق رسمها الفنان ايمن بعلبكي مع الاجتياح الاسرائيلي لبيروت وتدمير مطارها عام 1982، وهناك لوحات لـ<اوغيت كانان> ابنة الرئيس بشارة الخوري المؤسسة المشاركة في <جمعية الانعاش الفلسطيني>..

 

<بوش>.. وبغداد

 تترك الجناح اللبناني فتقرأ على جدار جانبي كلمة <بغداد> على لوحة مشظاة ما ينبئك بأنك وصلت الى المجموعة العراقية حيث تطالعك صورة الرئيس <بوش> مزنرة بـ<الأحذية السوداء> على خلفية حادثة رشق الرئيس الاميركي بها، وتشدك اخرى حول وحش اميركي ينقض على العراقيين يشرح دلول ان رسمها يعود الى فنان مغربي من <كازابلانكا>، ما يظهر تعاطف الفنانين بين بعضهم البعض بعكس السياسيين. بين المعروضات ايضاً ما يعود الى المملكة السعودية وصور لخدام الحرم الشريف، الى لوحات من سوريا والاردن ومصر واليمن والمغرب وتونس والجزائر والسودان وغيرها، رسماً ونحتاً وصوراً فوتوغرافية وافلاما من مختلف الأساليب والتيارات والتوجهات السياسية!

5---A2020 …

دهشة وتساؤلات تتزاحم في رأس من يدخل هذا العالم الحاضن لأربعة آلاف لوحة وعمل فني، والذي أقل ما يمكن ان يقال فيه انه فريد وساحر. نسأل دلول الذي يعيد اكتشاف لوحاته وتبديلها كل فترة، عن كيفية <التأمين عليها> من اي نوع من الخطر لا سمح الله، فيؤكد ان كل الاحتياطات متخذة و<العين ساهرة> والتأمين موجود، ويزيد شارحا: ما ترونه ليس سوى 12 بالمئة مما هو مخزن خلف هذه اللوحات، والتي ستظهر الى النور في المتحف المرتقب والذي نأمل، والكلام لدلول، <ان يفتح أبوابه في العام 2020 ذلك ان هذا العمل الضخم يتطلب الوقت الكافي لانجازه في أفضل صورة>.

يتراوح ثمن اللوحات وجميعها نسخات اصلية ما بين العشرة آلاف دولار الى المليون دولار وما فوق بكثير لاحدى اللوحات النادرة، وبينها ما تم اقتناؤه بسعر زهيد واصبح اضعاف الاضعاف اليوم. الترميم ضرورة للحفاظ على اللوحات وقيمتها ويعهد به الى فنانين لبنانيين بارعين، والاسماء كثيرة في هذا المجال من فضول خلوف الى الياس الطبال وجورج بخعازي الـ<قبضايات> في التنظيف والترميم بحسب دلول..

 

بين بيروت.. وواشنطن

بعد انتهاء الجولة سألنا باسل المولود في نيويورك عن اللوحة الاحب اليه فأجاب: – لا يمكن طرح هذا السؤال علي، فهو كمن يسأل اماً عن اي ولد تحبه اكثر، انا ايضا لدي مجموعتي الخاصة في واشنطن، اعتبرها مميزة وهي تفوق السبعمئة قطعة وتتشكل من الفن الحديث والـ<بوب آرت> و<ستريت آرت> الى غير ذلك من دون ان تمت لهذه المجموعة بصلة، والكثير من المتاحف الاميركية تستعير بعضا منها لعرضها. ربما اميل اكثر الى الفنانين الاصدقاء ومن بينهم ايمن بعلبكي ونبيل نحاس وعند العراقيين ضياء العزاوي، وفايق حسن قبل رحيله الى تغريد درغوث وناديا صفي الدين واسامة بعلبكي وسامية الحلبي وكثيرين غيرهم.

اللوحة الاكثر قدما بين المجموعات تعود الى زمن العشرينات أما الأحدث فعمرها عام واحد، ويضيف باسل:

 – انا ادعم حتى الفنانين الجدد واساعدهم في التواصل مع <الغاليريهات>، فمع تكوين خبرتي ونظرتي الفنية استطيع ان أميز من يستحق الدعم، لايماني بان الفن استمرار واساس في حركة اي شعب ونهضته، فكلما زاد عدد المتاحف وصالات العرض في بلدنا كلما ساهمنا في عودة لبنان الى موقعه الريادي مركزا للثقافة والابداع للعالم كله!