26 September,2018

”بازار“ المحاصصة ”يفرمل“ التشكيلات والمناقلات العسكرية فهل يتفق أركان ”الترويكا“ على تحريرها من المداخلات؟

العماد عونفي الوقت الذي تركت فيه التعيينات الامنية التي أقرها مجلس الوزراء قبل أسابيع، ارتياحاً في الأوساط الديبلوماسية باعتبارها إشارة الى انتظام عمل المؤسسات الدستورية، بدا من خلال الاصداء الدولية التي وصلت الى بيروت أن الدول الكبرى، لاسيما تلك التي تساعد لبنان وتدعم مؤسساته الأمنية، اعتبرت أن هذه التعيينات ستعزز الحفاظ على الاستقرار الداخلي على رغم التوترات التي تحيط بالجوار اللبناني والتي يدفع لبنان ثمناً باهظاً نتيجتها من أمنه واقتصاده وبناه التحتية. بالتزامن فإن <رضى> المرجعيات الدولية على هذه التعيينات من شأنه أن يبقي على وتيرة الدعم إياها ويحقق المزيد من المساعدات العسكرية للبنان، إضافة الى الدورات التدريبية التي ترفع من مستوى العسكريين اللبنانيين، خصوصاً في هذه الظروف التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط. وفي هذا السياق، أكدت مصادر ديبلوماسية متابعة أن الخطط التي وضعها لبنان لمواجهة الارهاب من خلال عمليات استباقية وأخرى وقائية، سوف تستمر مع القيادات الجديدة، سواء في الجيش حيث قائده العميد جوزف عون ليس بعيداً عن مناخ المواجهات مع الإرهاب، أو في قوى الأمن الداخلي حيث المدير العام الجديد اللواء عماد عثمان تابع هذا الملف عن قرب يوم كان رئيساً لفرع المعلومات في المديرية. وتوقعت المصادر أن تشهد بيروت خلال الايام القليلة المقبلة سلسلة زيارات لمسؤولين أمنيين من دول مختلفة للتواصل مع القيادات الجديدة من جهة، وللبحث في آخر ما آلت إليه التطورات الميدانية والعمل الاستخباراتي الذي يتولاه الجيش في ملاحقة الخلايا الارهابية النائمة التي توقع مسؤول أمني كبير أن تلجأ الى عمليات انتقامية وارهابية محددة، كلما ضاق الخناق الدولي عليها في كل من سوريا والعراق.

 

متى مديرية المخابرات؟

 

إلا أن هذه الانطباعات الايجابية التي تتبلور يوماً بعد يوم عن التعيينات الأمنية، تقابلها <فرملة> في ما يتعلق باستكمال هذه التعيينات بسلسلة تشكيلات على مستوى المراكز الأمنية الحساسة التي يبدو أنها أُدخلت في <بازار> المحاصصة المفصلة بعدما كان التوافق قد تحقق على مستوى القمة في المراكز القيادية، وعندما أتى دور التفاصيل التنفيذية ظهرت الخلافات لأن <الاتفاق الكبير> لم يشملها بل اقتصر على المراكز القيادية من دون تفرعاتها. وفي هذا السياق، بدا أن التبديلات على صعيد المواقع القيادية في الجيش، ولاسيما مديرية المخابرات، مؤجلة بعض الوقت ما يعني أن المدير الحالي العميد كميل ضاهر باقٍ في منصبه حتى إشعار آخر بعدما اتضح ان التوجه هو لتعيين ضابط من دورة 1986 بحيث يكون أدنى رتبة من قائد الجيش، ما سيؤدي في حال حصوله الى تزايد عدد العمداء من دورات 1985 الذين يفترض أن يوضعوا بتصرف قائد طوني صليبا 1 الجيش الى حين تقاعدهم، أو يرضون بتسلم وظائف شبه فخرية.

ولم تحسم الجهات المعنية بتعيين مدير جديد للمخابرات خيارها، وإن كانت الاسماء المطروحة تتمتع بمواصفات وكفاءات وخبرات متشابهة نسبياً. وتبقى أسماء العمداء طوني منصور والياس ساسين وخليل الجميّل قيد التداول في بورصة مديرية المخابرات بعدما تم استبعاد الأسماء الأخرى التي طغت على السطح، ومن بينهم من يتولى مسؤوليات مخابراتية في عدد من المناطق اللبنانية. وتقول مصادر مطلعة ان أي تغيير في رأس مديرية المخابرات ستستتبعه حكماً عملية تغيير تطاول المسؤولين عن فروع المخابرات في المحافظات اللبنانية ما يعني أن طاقماً جديداً سيتولى هذه المهمات الحساسة أمنياً وسياسياً على حد سواء. وثمة من يرى ان التغيير الشامل في هذا الظرف لن يكون مفيداً على نحو مباشر، لأن ثمة ملفات يُمسك بها الضباط الحاليون ومن المنطقي أن يستكملوها لأنهم باتوا على إلمام بتفاصيلها. إلا أنه في المقابل، ثمة آراء أخرى تقول بوجوب تمكين قائد الجيش ومن بعده مدير المخابرات من أن تكون لهما <عدة الشغل> الخاصة بهما كي يتحملا المسؤولية كاملة تجاه السلطة السياسية التي تواجه انقسامات داخلية حيال المواضيع الحساسة الأمنية والسياسية، وان غلفتها بشعارات <التضامن> و<الاتحاد> و<وحدة الصف> وغيرها من التوصيفات التي تخفي عادة مشهداً انقسامياً مرّاً. وتؤكد المصادر المتابعة، أن التغييرات لن تقتصر على مديرية المخابرات عندما تأتي الساعة، ذلك أن تعيين مدير جديد سوف يليه تعيين ضابط في الأركان وغرفة العمليات والتجهيز والتدريب والتوجيه والتعبئة إلخ… ومثل هذه التعيينات ليست جاهزة بعد في حساب قائد الجيش العماد جوزف عون.

قوى الأمن وشهية الطامحين!

وما يقال عن مديرية المخابرات في الجيش وغيرها من المديريات والألوية والأفواج والوحدات، يقال ايضاً عن المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي التي برزت فيها خلافات في الرأي حول عدد من الضباط الذين يتولون مناصب دقيقة في المديرية، ذلك أن تعيين اللواء عثمان مديراً عاماً فتح شهية المرجعيات السياسية الاخرى لجهة المطالبة بأن تكون لها حصة في التعيينات المتفرعة، لاسيما بعد صدور مراسيم تعيين أو تثبيت قادة الوحدات في قوى الأمن ما جعل مجلس قيادة هذه القوى مكتملاً، إضافة الى فرع المعلومات بعد تعيين العقيد خالد حمود رئيساً له. وفي وقت تتحدث فيه مصادر متابعة عن أن رئاسة فرع الأمن العسكري في المعلومات لا تزال موضع خلاف بين المرجعيات الشيعية من جهة، والمرجعيات السنية من جهة أخرى، ذلك أن الاسم الذي طرحه اللواء عثمان، وهو لضباط برتبة رائد، لم يحظَ بموافقة الثنائية الشيعية التي رشحت ضابطاً برتبة مقدم يوصف بأنه قريب من حركة <أمل> وحزب الله معاً، وهذا الأمر كان موضع نقاش بين وزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق والرئيس نبيه بري في احدى الزيارات الأخيرة للمشنوق الى عين التينة. أما التشكيلات في المناطق التي يرغب اللواء عثمان بإجرائها فتصطدم هي الأخرى مع بروز رغبة في التريث بإقرارها وتعميمها لتفادي ردود فعل السياسيين الذين نشطوا بغالبيتهم لتسويق مرشحهم الى الأماكن الشاغرة أو تلك التي ستتم فيها عمليات تبديل. كذلك برزت في قوى الأمن عقدة مماثلة كما هو عليه الحال في الجيش، أي عقدة الضباط الأعلى رتبة من المدير العام (قبل ترقيته الى رتبة لواء) والذين كان بعضهم قد تلقى وعوداً بتسلم مسؤوليات ادارية أو ديبلوماسية جديدة، ولا يزال ينتظر التوافق السياسي عليها، ما أدى الى تأخير البت بالتشكيلات ككل. وعلى رغم أن مصادر قوى الأمن الداخلي تنفي وجود مثل هذه التباينات في المواقف وتعزو التأخير في إصدار التشكيلات الى ضرورة درسها بدقة وعناية لعدم حصول <دعسات ناقصة> فيها، فإن ثمة من يشير الى أن النقاش لم يُستكمل بعد حول المراكز الحساسة التي ستشهد تغييراً، لاسيما وأن رئيس الحكومة لم يفتح بعد هذا الملف مع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الذي كان قد أبلغ من يعنيهم الأمر أنه ليس في وارد الدخول في <بازار> المحاصصة، وأنه يريد أن يتولى الأفضل والأكثر خبرة وكفاءة المنصب الأمني بصرف النظر عن انتماءاته الطائفية أو المذهبية أو ميوله الحزبية أو ميول عائلته… ولعل الاجتماع الأمني الذي رأسه الرئيس عون نهاية هذا الأسبوع في حضور الرئيس الحريري ساهم في توضيح الكثير من النقاط الملتبسة في ما خص عمل الأجهزة الأمنية في المرحلة المقبلة.

عثمان 

أمن الدولة: خطوة الى الأمام

 

أما على <جبهة> المديرية العامة لأمن الدولة، فإن خطوة الى الأمام سُجلت بعد تعيين اللواء طوني صليبا مديراً عاماً والعميد أحمد سنّان نائباً له، في مقابل خطوات الى الوراء. فقد علمت <الأفكار> انه تم الإفراج عن قسم لا بأس به من المخصصات المالية التي كانت مجمــــــــــــــــــــــدة خلال فترة ترؤس اللواء جورج قرعة للجهاز، في انتظار المزيد كما وعد وزير المالية علي حسن خليل. إلا أن ذلك التطور الإيجابي لم يقترن بإنجاز التشكيلات التي كان من المفترض أن يجريها المدير العام الجديد للانطلاق بالجهاز، وذلك لأسباب في عدة منها بروز مطالب لتولي ضباط معينين مراكز قيادية في أمن الدولة، لاسيما فرع التحقيق ومديريتي بيروت والبقاع، وهو أمر اعتبره المدير العام الجديد محاولة لوضع العصــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي في الدواليب من <أول الطريق>. إلا أن المعلومات المتوافرة لـ<الأفكار> أشارت الى أن الاتصالات نشطت لتطويق ردود الفعل ومحاولة الوصول الى تفاهم يرعاه الرئيسان عون والحريري باعتبار أن أمن الدولة يتبع للمجلس الأعلى للدفاع الذي يرأسه رئيس الجمهورية وينوب عنه رئيس الحكومة. وبدا أن الرئيس نبيه بري دخل على خط الاتصـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــالات من خلال ممثله في الجهاز العميد سنّان الذي تواصل مع رئيس مجلس النواب ووضعه في صورة ما يجري، فكانت الفتوى بضرورة تفعيل المشاورات السياسية في حالات كهذه!

وفي هذا السياق، أكدت مصادر رسمية أن الاتفاق تم بين الرئيسين عون والحريري على إعطاء دور أكبر لجهاز أمن الدولة لاسيما في العمل داخل المؤسسات والإدارات العامة ليساهم من خلال التقارير التي يرفعها في مكافحة الفساد في القطاع الإداري والحد من الرشاوى وعرقلة أعمال المواطنين ومصالحهم، وذلك كي يستعيد أمن الدولة ما كان عليه خلال عهد الرئيس الأسبق العماد اميل لحود حين تركز حضوره في الادارات والمؤسسات العامة، إضافة الى الشق الأمني من عمله، وكان الذراع اليمنى للعهد <اللحودي> في بدايته حين بلغت عملية مكافحة الفساد حداً كبيراً بإحالة عشرات المديرين العامين الى التحقيق قبل أن تتوقف العملية بضغط سوري مباشر مارسه آنذاك اللواء غازي كنعان ومن بعده اللواء رستم غزالة لاعتبارات سياسية مرتبطة بحماية بعض المرتكبين الذين ارتبطوا مع الوصاية السورية بمصالح ومنافع متبادلة.