17 December,2018

”باريس 4“ إن عُقد فسينقذ لـبــــنـان مـالـيـــــــاً وفـــــرنـسـا تـتــحضّر للـدّعـــــم!

بقلم طوني بشارة

جاسم-عجاقة--aترددت في الآونة الأخيرة أنباء من هنا وتسريبات من هناك، عن استعداد فرنسا للمساهمة في عقد مؤتمر في باريس لدعم لبنان <باريس 4>، علماً أن المؤتمرات التي عقدت منذ العام 2001 حتى العام 2007، والتي خصصت لدعم لبنان (مؤتمرات <باريس1> و<باريس2> و<باريس3>)، ما كانت لتنعقد لولا الثقة بحكومات لبنان السابقة وبقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها الدولية، بصرف النظر عما إذا كانت مؤتمرات الدعم تلك قد حققت أهدافها أم لم تحققها، ولكن، إذا ما استثنينا عامل الثقة بالحكومة <الحالية>، فإلى أي مدى تبلغ حاجة لبنان إلى مؤتمر دعم خارجي <باريس 4> في ظل التفكك الحاصل داخلياً؟ وإلى أي مدى يمكن أن يحقق مؤتمر <باريس 4> <المُفترض> أهدافاً عجزت ثلاثة مؤتمرات سابقة عن تحقيقها؟

مع العهد الجديد بتولي العماد ميشال عون رئاسة الجمهورية، وتمكن سعد الحريري من تشكيل الحكومة الجديدة وردت معلومات عن اتجاه لدى الفرنسييين لعقد مؤتمر <باريس 4> كدعم مادي ومعنوي للعهد الجديد، برئيس جمهوريته ورئيس حكومته والحكومة، لكن هذا الاهتمام الدولي بلبنان انعكس تفاوتاً بين اللبنانيين لجهة تصديقه، خصوصاً ان التخلّف عن تسديد قيمة المساعدات المالية المقررة للبنان في <مؤتمر لندن> الاخير يحفز عدم الثقة حيث لم يصل من تلك المساعدات أكثر من 30 بالمئة أو ما يعادل 600 مليون دولار من أصل مليارين و480 مليون دولار.

وفي السياق ذاته لا يمكننا اغفال ان لبنان يعاني اليوم من مشكلة مستجدة عليه او طارئة هي النزوح السوري الى اراضيه وما يترتب عليه من اعباء كبيرة وسط صمت دولي مستمر، علما ان المجتمع الدولي هو من يقف وراء فرض هذا الايواء عليه.

 

لبنان والتقصير في الإصلاحات

لذا من المفترض ألا يأتي مؤتمر <باريس 4> في حال كتب له الانعقاد بقروض جديدة إذ سوف تترتب على لبنان استحقاقات مالية كبيرة في العام المقبل، وما من ضامن ان المصارف اللبنانية قادرة على الاستمرار في تأمين مصادر التمويل رغم الاعلان عن جهوزيتها في اكثر من مناسبة ولو بشروط مرتبطة برزمة من الاصلاحات. اذاً، التمويل الخارجي غير متوقع بشكل كبير سيما وان كلاً من الدول المعنية لديه مشاكل مالية واقتصادية وحتى سياسية.

ولكن اذا تعذر تأمين الاموال عن طريق مؤتمر <باريس 4> في حال تم انعقاده، فماذا يكون على لبنان ان يقوم به؟ وهل سيحرمه تقصيره في تحقيق الاصلاحات التي فرضها مؤتمر <باريس 3> والمرتبطة بالإنماء الاجتماعي من الحصول على المساعدات المطلوبة؟ وهل الظروف الدولية ملائمة لانعقاد مثل هذا المؤتمر؟ وهل يثق المجتمع الدولي بلبنان بعد اخفاقه في تنفيذ الاصلاحات التي طلبت منه في المؤتمرات السابقة؟ فالمتتبع للأوضاع الاقتصادية يرى ان لبنان حصل من مؤتمر <باريس 3> على وعود بقيمة 7.6 مليارات دولار منها 5.5 مليارات دولار لدعم الموازنة ومليارا دولار لدعم القطاع الخاص. 77 بالمئة من الاموال المخصصة للدولة قروض ميسّرة و23 بالمئة هبات، وتوزعت 32 بالمئة أوروبية و36 بالمئة مساعدات عربية، اضافة الى مساعدات من المؤسسات المالية الدولية ومساعدات من أميركا ودول أخرى، إلا ان الاموال التي توافرت في هذا المؤتمر الذي عقد بداية العام 2007 وفي المؤتمرات السابقة اتت في ظل نمو اقتصادي واسع شهدته دول الخليج بسبب الارتفاع القياسي لأسعار النفط مصحوباً باحتضان خليجي للبنان، وهو ما ليس متوافراً اليوم، كما وأن الاوضاع الاقتصادية في الدول الاوروبية كانت مستقرة نوعاً ما وليس كما هو حاصل حالياً في ظل خروج بريطانيا من الاتحاد والتراجع الاقتصادي التي تشهده بعض الدول في الاتحاد الاوروبي.

 

<باريس 4> والإصلاح الداخلي

كثيرون هلّلوا لاحتمال انعقاد مؤتمر <باريس 4>، في إطار دعم المجتمع الدولي لاستعادة الثقة بلبنان واقتصاده، ولكن حال <المتفائلين> الباحثين عن الثقة لا يرقى إلى حال الباحثين عن الإصلاح الذي من دونه لا قيمة للثقة ولا حاجة للدعم، فالباحثون الاقتصاديون يعلمون ان الإصلاح الداخلي قد يقف حجر عثرة بين لبنان <اللاهث> وراء الاقتراض من جهة، وبين مؤتمرات الدعم الدولي التي عجزت أكثر من مرة عن تحقيق أهدافها وخططها الموضوعة، وهذا ما يعبّر عنه العديد من خبراء الاقتصاد من مختلف المدارس والانتماءات، فمن دون الإصلاح الداخلي ليس هناك ما يدعو للذهاب الى <باريس 4>، <بل يجب أن نستبق انعقاد مؤتمر <باريس 4> بالشروع بالإصلاحات الداخلية في شتى المجالات، ولاسيما على مستويَي المالية والموازنة العامة.

لذا كيف يمكن أن يتصرف لبنان حيال الدعم الذي من الممكن أن يحصده من الدول المشاركة، في ظل التخبط الحاصل في البلد وفي ظل الفوضى المالية والفوضى في الاحتساب العام وفي غياب الموازنات العامة؟ وإذا كنا غير قادرين على إدارة الدعم <المُستحصل> وتنفيذ الإصلاحات التي من الممكن أن تُفرض كشروط على لبنان، كما سبق وحصل في المؤتمرات السابقة، فلماذا نذهب إلى عقد مؤتمرات دعم في باريس أو غيرها؟

 

عجاقة واستحقاقات لبنان المالية

 

يقول الخبير الاقتصادي البروفيسور جاسم عجاقة لـ<الافكار>:

– إن لبنان على موعد مع استحقاقين في عامي 2017 و2018، مع أرقام خيالية في هذين الاستحقاقين ما يعني أن لبنان بحاجة إلى الأموال، وإذا لم يعقد هذا المؤتمر فسيكون وضع لبنان المالي صعباً جداً.

وفي دراسات حول الموضوع أجراها عجاقة، فإن العام 2017 يحتاج إلى استحقاقات مالية بالليرة اللبنانية مع فوائد تصل الى 3,3 مليارات اذا احتسبناها بالدولار، فيما هناك استحقاقات بالدولار الأميركي تصل إلى 4,62 مليار دولار، وبهذا يصل المجموع إلى 7,92 مليار دولار.

أما في العام 2018، فهناك استحقاقات (أي رأس المال زائد الفوائد) بالليرة اللبنانية تصل الى 3,51 مليار دولار، وبالدولار الأميركي هناك استحقاقات تصل إلى 3,81 مليار دولار، والمجموع يصل إلى 7,32 مليار دولار.

ويضيف عجاقة:

 – هذه المعطيات توصلنا إلى الاستنتاج أن أكثر المبالغ التي استدانها لبنان كانت بقيمة 4 مليارات دولار وقسّمها إلى أقسام عدة، وأكبر إصدار قامت به الدولة اللبنانية كان في آذار/ مارس العام الماضي، وقد أتى بـ 2,3 مليارات دولار.

ولدى سؤاله عمن يمكن ان يديّن لبنان 8 مليارات دولار في العام 2017؟ يجيب عجاقة أن هذا المبلغ يجب زيادة العجز عليه، بمعنى أن لبنان يستدين بحدود الـ 16,8 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي في العام 2017.

 

أموال المصارف

ــ ألا توجد أموال في المصارف اللبنانية؟ ولماذا لا تتم الإستدانة منها؟

– المصارف اللبنانية لديها خوف من خلال تعرضها المتصاعد للديون السيادية للدولة اللبنانية، وهي تدفع ثمن ذلك عبر تصنيفها الإئتماني، وهنا تأتي أهمية مؤتمر <باريس 4>.

عجاقة : انتخاب عون ونجاح الحريري بتشكيل الحكومة مؤشران يشجعان الدول على مساعدة لبنان

ــ هل الظروف الدولية ملائمة اليوم لانعقاد هذا المؤتمر؟

– لم يكن أحد في السابق مستعداً أن يساعد لبنان لأننا لم نكن نساعد أنفسنا، أما اليوم وبعد انتخاب رئيس للجمهورية، اصبحت الدول اكثر استعداداً لمساعدتنا لأنه لا يناسبها أن يشهد لبنان خضات مالية توصله إلى حرب، ولكن يبقى أن المساعدات لن تكون بسخاء المساعدات السابقة لأن للدول مشاكلها المالية، أما سياسياً فهناك مؤشرات كالتهاني التي حصل عليها لبنان بعد الانتخابات الرئاسية من قادة الدول، والتي تدل على استعداد الدول لتقديم مساعدات مالية للبنان.

وأضاف:

– وما يساعد على ذلك نجاح الحريري بتشكيل الحكومة، ناهيك عن ان الرئيس عون يبقى رجلاً قوياً على الصعيد الوطني ولديه ولاء للبنان، والدول تعلم أنها إذا دعمت لبنان مع الرئيسين عون و الحريري فهذا قد يجعلنا نقف على أقدامنا من جديد ونعزز مالية لبنان، معتبراً أن أهمية مؤتمر <باريس 4> تكمن في أنه سينقذ الدولة اللبنانية مالياً لأنه سيوفر أموالاً نقدية لا تستطيع الدولة تأمينها بمفردها.

 

الإصلاحات المطلوبة والشروط المــفروضة

ــ ماذا عن الإصلاحات المطلوبة التي لم يتم تنفيذها في مؤتمرات باريس السابقة لدعم لبنان؟ وهل يثق المجتمع الدولي بلبنان بعد إخفاقه في تنفيذ هذه الإصلاحات؟

– لم يقم لبنان بتنفيذ التزاماته في مؤتمر <باريس 3>، وعلى رأسها الإنماء الاجتماعي والمناطقي، واعتقد انه في مؤتمر <باريس 4> ستكون الشروط إضافية على لبنان. ومع انعقاد مؤتمر <باريس 4> لن يقبل المانحون إلا أن يضعوا شروطاً قاسية وأهمها ستكون التشديد على الشق الذي يختص بالشأن الاجتماعي، وكذلك ملف النازحين السوريين، والمجتمع الدولي سيفرض علينا أن نخلق فرص عمل للنازحين السوريين، وذلك لسببين: أولاً كي يكف السوريون عن الذهاب إلى الغرب وأميركا، وثانياً من أجل ان يكف السوريون عن الإنخراط في <الإرهاب>.

وهناك بعض الشروط الأخرى، يضيف عجاقة ستكون لها علاقة بالفساد والهدر بالإنفاق العام حيث ستحاول الدول المشاركة أن تضغط على الدولة اللبنانية من أجل استقامة الأمور.