20 September,2018

باريس ”ممتعضة“ من ”برودة“ المسؤولين اللبنانيين في مقاربة الملف الحكومي لتطبيق قرارات ”سيدر“!

 

العلاقات بين بيروت وباريس ليست على ما يرام. بهذه العبارة لخص مصدر ديبلوماسي أوروبي واقع التواصل المقطوع بين المسؤولين اللبنانيين والفرنسيين منذ أن بدأ تشكيل الحكومة يترنح بين مطلب من هنا ومطلب من هناك، وسط تأخير لا يجد له الفرنسيون أي مبرر في تشكيل الحكومة الجديدة. المصدر نفسه يتحدث عن <استغراب> فرنسي للطريقة التي يتعامل معها المسؤولون في لبنان مع الملف الحكومي وغيره من الملفات لاسيما بعد مرور أكثر من 9 أشهر على انعقاد مؤتمر <سيدر> بمبادرة فرنسية ورعاية مباشرة من الرئيس <ايمانويل ماكرون>، والقرارات التي صدرت عنه والتي لم تسلك أي طريق للتنفيذ، لا على صعيد الحكومة ولا على صعيد مجلس النواب. لقد كانت الادارة الفرنسية تأمل في ان يندفع لبنان الرسمي في انجاز الاستحقاق الحكومي في أسرع وقت ممكن لوضع توصيات مؤتمر <سيدر> موضع التنفيذ. لكن الآمال التي علقها الفرنسيون على انطلاقة المسيرة التنفيذية لـ<سيدر> سرعان ما تبددت.

المصادر المتابعة لتطور العلاقات اللبنانية ــ الفرنسية تحدثت عن سلسلة إشارات فرنسية وصلت الى بيروت مباشرة أو مداورة عكست <الاستياء> الفرنسي من الوضع الراهن، لعل أبرزها غياب لبنان عن خطاب الرئيس <ماكرون> أمام السفراء الفرنسيين المعتمدين في مؤتمرهم السنوي. وذلك خلافاً لما كان يحصل سنوياً إذ يتعمد الرئيس الفرنسي (<ماكرون> وغيره) الإشارة الى لبنان ولو بجملة قصيرة، علماً ان ثمة ألف سبب وسبب للحديث عن لبنان في محفل ديبلوماسي رفيع كالذي رئسه <ماكرون> في العاصمة الفرنسية. المصادر المتابعة رأت في هذا الغياب دلالة على وجود إرادة رئاسية فرنسية لعدم الخوض في الملف اللبناني. وعندما سئل الجانب الفرنسي عن السبب، كان الجواب ديبلوماسياً وهو <ضرورة انتظار ولادة الحكومة الجديدة> التي كانت تتوقع باريس أن تبصر النور بعد الانتخابات النيابية، لاسيما وان المعطيات التي توافرت لدى المسؤولين الفرنسيين كانت تشير الى رغبة لبنانية جامعة بضرورة تشكيل حكومة وفاق وطني تعكس نتائج هذه الانتخابات. إلا ان هذا الجواب <الديبلوماسي جداً> لم يلغِ وجود أكثر من <عتب> رئاسي فرنسي لعدم مقاربة المسؤولين اللبنانيين للملف الحكومي من زاوية الخروج بحكومة تكرس التوافق الوطني الذي أفرزته نتائج الانتخابات التي حققت تمثيلاً لفئات <أبعدت> سابقاً من المجلس النيابي أو لجيل جديد من النواب الشباب الذين توزعوا على مختلف الكتل النيابية. ويعود هذا <العتب> الى ان الرئيس <ماكرون> كان قام بدور مهم في إعادة ادراج لبنان في الأولويات الدولية من خلال رعايته ودعمه لمؤتمرات باريس وروما وبروكسيل. إلا ان <حماسة> الرئيس الفرنسي ــ تضيف المصادر المتابعة ــ اصطدمت بـ<برودة> لبنانية لافتة لم تجد باريس أي تبرير لها.

 

<امتعاض> فرنسي

ويسمع زوار باريس من اللبنانيين حالياً من أصدقائهم في الادارة الفرنسية لاسيما في قصر <الإليزيه> و<الكي دورسيه>، ما يمكن وصفه بـ<امتعاض> فرنسي على ضياع الفرص التي أدت إليها نتائج هذه المؤتمرات، ولاسيما منها مؤتمر <سيدر> الذي خصص للبنان مساعدات زادت عن 11 مليار دولار، ذلك ان <الأصدقاء الفرنسيين> يرون ان للمماطلة في تشكيل الحكومة <عواقب سيئة> على وضع لبنان الاقتصادي والمالي وعلى نموه، إضافة الى صدقية السلطات اللبنانية وسمعتها والتي تضيّع الفرص تلو الفرص للنهوض بالبلاد. ويورد الزوار دليلاً آخر على <العتب> الفرنسي يتمثل بامتناع الادارة الفرنسية عن ارسال الموفد الرئاسي <بيار دوكين> الى بيروت مجدداً للبحث مع المسؤولين اللبنانيين في آخر التطورات المرتبطة بآلية تنفيذ مؤتمر <سيدر>، على رغم ان المواعيد كانت حددت خلال شهر آب (أغسطس) الماضي، والتي تم تأجيلها الى إشعار آخر. كذلك برز مؤشر آخر وهو حذف الزيارة الرئاسية الفرنسية عن برنامج زيارات العام الجاري وادراجها ــ مبدئياً في جدول زيارات 2019، وتحديداً في النصف الأول من شهر شباط (فبراير) المقبل، علماً ان موعد هذه الزيارة كان تحدد في نيسان (ابريل) الماضي وأرجئ الى تموز (يوليو) وكان مصيره التأجيل أيضاً.

ويتوقف زوار العاصمة الفرنسية أيضاً أمام أسئلة يطرحها <الأصدقاء> الفرنسيون حول صحة الأخبار التي تصل الى باريس من شخصيات سياسية وديبلوماسية حول تفشي الفساد وتزايد الفضائح في عمل ادارات الدولة ومؤسساتها وعلامات الاستفهام حول الكثير من الالتزامات التي فاحت منها روائح الرشوة و<الكوميسيون>، وسط شلل مؤسسات الرقابة، والرتابة في عمل القضاة وفي متابعة المتهمين بالفساد والمرتكبين خصوصاً ان باريس تتابع عن قرب مثل هذه الأخبار التي تتناول مسؤولين حاليين وسابقين تربط بعضهم علاقات مع الدولة الفرنسية ومنهم من يحمل جنسيتها!

ويضيف <الأصدقاء> أنفسهم ان ادارة الرئيس <ماكرون> التي تتحفظ على الكثير من المواقف اللبنانية، لا تريد في المقابل ان تنكفئ عن مساعدة لبنان، خصوصاً في المسائل الدقيقة التي تتطلب متابعة فرنسية مباشرة وتقليدية، لعل أبرزها الموقف الفرنسي الذي ادى الى التمديد للقوات الدولية العاملة في الجنوب من دون تعديل في المهام والعتاد والميزانية، على رغم ان الأميركيين <استبسلوا> في فرض محاولات التعديل من دون أن يوفقوا إلا جزئياً. غير ان ذلك الدعم الفرنسي تجاه التمديد لـ<اليونيفيل>، ليس نفسه في مقاربة باريس لملف عودة النازحين السوريين التي تختلف عن التوجهات الرئاسية اللبنانية، ذلك ان باريس تقترب من التوجه الأميركي عموماً والأوروبي خصوصاً لجهة ضرورة التريث في عودة النازحين الى حين التوصل الى حل سياسي للأزمة السورية، وهذا ما لا يقبل به رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الذي يدعو الى عدم انتظار الحل السياسي الذي قد يتأخر، ويعمل في اتجاه تحقيق عودة متدرجة للنازحين الراغبين بالعودة.