20 September,2018

باريس ”مصدومة“ من فشل ”خلوات عين التينة“: نضمن الاستقرار الأمني... أما الاستقرار السياسي فمسؤولية لبنانية!  

francois-hollandeعندما أعلن الرئيس الفرنسي <فرانسوا هولاند> وهو يدشن فندق <ايتوال دو بومبادور> في وسط فرنسا نهاية الأسبوع الماضي، أن بلاده <ستكون حاضرة دائماً لضمان أمن لبنان> معتبراً أن <الرهان> يكمن في <الحفاظ على وحدة لبنان ووحدة أراضيه>، ظنّ كثيرون أن الرئيس <هولاند> <نسي> الحديث عن الاستحقاق الرئاسي اللبناني و<اللازمة> التي يرددها دائماً لجهة ضرورة اختيار اللبنانيين رئيسهم العتيد بملء إرادتهم من دون تدخل من الخارج، على رغم أن الحضور اللبناني في تدشين الفندق بإدارة عائلة نجم اللبنانية التي تربطها صداقة متينة مع الرئيس الفرنسي، كان موازياً للحضور الفرنسي، وسط تساؤلات كثيرة عما آلت إليه المساعي الفرنسية لإنجاز انتخاب رئيس جديد للبنان.

إلا أن الذين على صلة مع الفريق اللصيق بالرئيس <هولاند> من مستشارين ومعاونين، لم يفاجئهم <تغييب> الملف الرئاسي عن كلمة الرئيس الفرنسي لأنهم كانوا على اطلاع مسبق على حجم <خيبة الأمل> التي شعر بها الرئيس <هولاند> والفريق الذي يعاونه في الملف اللبناني، والتي وصلت الى حد <الصدمة>، نتيجة فشل <خلوات> الحوار التي انعقدت في بداية شهر آب/ أغسطس الجاري في مقر الرئاسة الثانية في عين التينة، في التوصل الى اتفاق حول الملفات السياسية العالقة وفي مقدمها الانتخابات الرئاسية اللبنانية وما يتفرع عنها من مواضيع، ما يعني أن الشغور الرئاسي الذي يطوي الأسبوع المقبل الشهر الثالث بعد السنتين، مستمر حتى إشعار آخر وسط أفق مسدود لا يوحي بإمكانية الوصول الى مخرج يعيد الى قصر بعبدا سيده <الضائع> بين مطالب من هنا وحسابات من هناك وضمانات من هنالك…­­­وفي هذا السياق، كشفت مصادر ديبلوماسية رفيعة لـ<الأفكار> أن الرئيس <هولاند> وأركان فريقه المعاون في الملف اللبناني، كانوا يعلقون أهمية خاصة على <الخلوات الحوارية> في عين التينة كي تحمل مؤشرات إيجابية، إلا أن عدم توصل المتحاورين الى اتفاق ولو في الحد الأدنى ترك ردود فعل <مؤلمة> لدى الجانب الفرنسي الذي بذل الكثير من الجهد لتسهيل اتفاق اللبنانيين في ما بينهم. وتروي المصادر نفسها أن من أسباب <الصدمة> في <الإيليزيه>، عدم إظهار المتحاورين اي استعداد للتجاوب مع المساعي التي بذلها الرئيس <هولاند> شخصياً خلال زيارته لبيروت في نيسان/ ابريل الماضي والتي أتبعها بسلسلة لقاءات عقدها في قصر <الايليزيه> مع قياديين سياسيين وروحيين لبنانيين، ثم أرسل وزير خارجيته <جان مارك ايرولت> الى بيروت حيث التقى بجميع القيادات اللبنانية داعياً الى <لبننة> الاستحقاق الرئاسي، وموجهاً رسائل في اتجاهات عدة وصولاً الى الحديث عن <ضمانات> فرنسية وأوروبية ودولية لأي اتفاق يتم التوصل اليه بين القيادات اللبنانية لإنهاء حالة الشغور الرئاسي، إضافة الى التنسيق القائم بين الإدارة الفرنسية والفاتيكان والولايات المتحدة الأميركية وروسيا للمساعدة في ذلك.

وتضيف المصادر الديبلوماسية الرفيعة ان كل الكلام الذي قيل خلال اللقاءات الفرنسية – اللبنانية، لم يجد صداه في حصيلة <خلوات> الحوار التي عادت فيها عقارب الساعة الى الوراء ولم تحقق أي تقدم ملحوظ، فضلاً عن أنها أعادت النقاش الى نقطة الصفر. مع العلم أن الفريق المعاون للرئيس <هولاند> كان يتابع مع السفير الفرنسي في بيروت <ايمانويل بون> وعبر وسائل الاعلام تطور النقاش في <خلوات عين التينة>، على رغم الظروف الأمنية التي تواجهها فرنسا منذ تكرار الاعتداءات الإرهابية في أراضيها. كل ذلك – تضيف المصادر نفسها – لم <يدفع> القادة في لبنان الى الاتفاق في ما بينهم خلافاً لما كان تبلغه الرئيس <هولاند> من أكثر من جهة رعت وشاركت في الحوار، من أن الظروف باتت مهيأة لتفاهم لبناني – لبناني حول الملفات العالقة، وأن <الدخان الأبيض> سوف يتصاعد من عين التينة في أعقاب <الخلوات> الحوارية التي أُعدّت بعناية كما تبلّغ الفرنسيون في حينه.

ولا تخفي المصادر الديبلوماسية الرفيعة <مرارتها> من <الأسلوب غير المسؤول> الذي تعاطى به أركان الحوار في عين التينة بالملفات الدقيقة المفتوحة، خصوصاً وأن الأوضاع التي تمر بها دول الجوار اللبناني لم تعد تسمح بهذا <الترف> في مقاربة الحرائق المشتعلة في هذه الدول والمستجدات العسكرية والامنية والسياسية على السواء، ناهيك بالأوضاع الاقتصادية والمالية الدقيقة التي يمر بها لبنان والتي تعرف باريس تفاصيلها الدقيقة وما يمكن أن تتركه من انعكاسات لا يريد الرئيس <هولاند> وفريقه المعاون أن تصبح أمراً واقعاً على الساحة اللبنانية التي تتحرك التطورات فيها بسرعة تدعو الى القلق، لاسيما وأن باريس كانت تعوّل أهمية على نتائج <خلوات عين التينة> لاستثمارها إيجابياً خلال الاجتماع الذي سوف تعقده مجموعة الدعم الدولية في نيويورك الشهر المقبل على هامش الجمعية العمومية للأمم المتحدة التي تلتئم في الثلث الأخير من شهر أيلول/ سبتمبر بمبادرة من الرئيس <هولاند> الذي استحصل على موافقة الدول الأعضاء في المجموعة، وهو كان يريد أن <يزف> الى ممثليها <أخباراً سارة>… لكن حساب الحقل الفرنسي لم يطابق حساب البيدر اللبناني، ما أفقد الحراك الفرنسي بعضاً من زخمه.

الى أين يمكن أن تؤدي <الصدمة> الفرنسية من القيادات اللبنانية بعد فشل <خلوات الحوار؟> تسارع المصادر الديبلوماسية الرفيعة الى القول إن ما بات يهم الإدارة الفرنسية في الوقت الراهن، هو المحافظة على الاستقرار الأمني في لبنان لأنه الأولوية، وهذا ما أشار إليه الرئيس <هولاند> بوضوح في كلمته خلال تدشين الفندق الفخم في وسط فرنسا عندما أكد حضور بلاده الدائم <لضمان أمن لبنان>، وبالتالي لا مجال لأي عبث في الاستقرار الأمني مهما كانت الظروف، وفرنسا <جاهزة> لحماية هذا الاستقرار إذا ما دعت الحاجة بالتنسيق مع الدول الأوروبية الفاعلة والولايات المتحدة الاميركية وروسيا، وهذا الأمر <محسوم> ولا مجال للاجتهاد فيه. أما بالنسبة الى الاستقرار السياسي، تضيف المصادر نفسها، فإنه <مسؤولية لبنانية> بالدرجة الأولى، وقرار استمراره وتحسينه وتوفير عوامل النجاح الدائم له، في يد اللبنانيين وحدهم الذين لم تظهر قياداتهم – ويا للأسف – <مقداراً عالياً من المسؤولية> في مقاربته خلال النقاشات التي دارت في <الخلوات الحوارية>. إلا أن باريس باقية الى جانب لبنان و<حريصة> عليه – كما قال الرئيس <هولاند> – لكن أي حرص خارجي يبقى دون الحرص الداخلي الذي يفترض أن يُترجم اتفاقات سياسية تنهي الأزمات العالقة، أو على الأقل تضع قطار الحلول على السكة، ومتى توافر ذلك، سيجد اللبنانيون من فرنسا خصوصاً وأوروبا عموماً كل التسهيلات التي تساهم في ترجمة ما يتم الاتفاق عليه وتوفير الضمانات الضرورية لنجاحه. وكشفت المصادر نفسها أن الرئيس <هولاند> قرر أن يولي مسيحيي الشرق اهتماماً إضافياً سوف يصل الى حد <التعبئة الخاصة> للحد من معاناتهم، كما كان وعد البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي خلال لقائهما الأخير، وهو وعد كرره الرئيس الفرنسي على مسمع شخصيات روحية وزمنية مسيحية التقاها خلال الأسابيع الماضية، وذلك حفاظاً على <التوازن> في المنطقة الذي تعلق عليه الإدارة الفرنسية أهمية خاصة. وأكدت المصادر أن هذه <التعبئة> منسقة مع الفاتيكان، والتحضير لها كان من بين المواضيع التي بحثها الموفد الذي أرسله البابا فرنسيس الى باريس قبل أسبوعين (أشارت <الأفكار> الى مهمته في عدد سابق).