24 September,2018

باريس تنطلق من نجاحها في معالجة تداعيات استقالة الحريري إلى تحرّك هدفه إحياء الحوار السعودي - الايراني مجدداً!

  

ماكرون-محمد-بن-سلمانكشفت مصادر ديبلوماسية لـ<الأفكار> أن الدخول الفرنسي على خط معالجة التداعيات التي أحدثتها استقالة رئيس الحكومة سعد الحريري في 4 تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري من الرياض، والتي أفضت الى تأمين انتقال الرئيس الحريري من المملكة العربية السعودية الى باريس يوم السبت في 18 تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري، لن يقتصر على <إنجاز> الانتقال الى العاصمة الفرنسية ومنها الى لبنان كما هو مرسوم، بل سيطلق تحركاً ديبلوماسياً تقوده باريس لإعادة إحياء الحوار الذي توقف بين المملكة العربية السعودية والجمهورية الاسلامية الايرانية، يشكل تطويراً للحوار السابق الذي جُمّد بعد اندلاع حرب اليمن والاتهامات السعودية لإيران بمشاركة مباشرة فيها. وأشارت هذه المصادر أن جو التهدئة الذي ساد بين طهران والرياض نتيجة الحوار السابق الذي تم خلال اجتماعات متتالية استضافتها سلطنة عُمان، حقق نتائج جيدة على صعيد التخفيف من حدة الصراع الذي نشأ بين الدولتين وتمدد ميدانياً على الأرض في أكثر من محور. إلا أن ما حصل خلال الأشهر السبعة الماضية أعاد الوضع الى نقطة الصفر وتجدّد الصراع بقوة، لاسيما بعد التغيير الذي حصل في القيادة السعودية على اثر وفاة الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز وتسلّم ولي العهد الأمير سلمان الحكم خلفاً لأخيه وإعادة النظر في الهيكلية القيادية للمملكة قبل أشهر والمستمرة حتى الساعة.

وتقول المصادر نفسها إن باريس التي سبقت أن لعبت دوراً مهماً في إقامة الحوار السعودي – الايراني من خلال موفديها الى الرياض وطهران، راغبة في إعادة إحياء هذا الدور وإن كانت تطمح – وفقاً للمصادر الديبلوماسية – في أن تكون العاصمة الفرنسية مكاناً للحوار بين الدولتين بدلاً من سلطنة عُمان التي يقول مسؤولون سعوديون انها لم تلتزم كلياً بالقرارات الصادرة عن مجلس التعاون لدول الخليج في ما خص التعامل مع ايران، خصوصاً ان الرئيس الفرنسي <ايمانويل ماكرون> يريد أن تعود بلاده الى منطقة الشرق الأوسط والدول العربية بقوة بعدما سجل الحضور الفرنسي الديبلوماسي والأمني على حد سواء، تراجعاً نسبياً، لاسيما بعد اندلاع الحروب في سوريا والعراق واليمن، علماً أن هذا الدور الفرنسي يأتي بتفويض أوروبي واضح خصوصاً من المانيا التي تتناغم المستشارة <انجيلا ميركيل> مع الرئيس الفرنسي الشاب الذي تقول مصادر أوروبية ان طموحه بات كبيراً في إعادة أوروبا <قوية>، كما جاء في الكلمة – البرنامج التي القاها بعيد انتخابه رئيساً للجمهورية الفرنسية، وهو كان استند إليها كثيراً في حملته الانتخابية الرئاسية.

دعم أوروبي لـ<ماكرون>

 

من هنا، تقول المصادر الديبلوماسية، فإن ما حققته باريس في ما يتعلق بمعالجة الأزمة التي نشأت عن استقالة الرئيس الحريري، وإصرار الرئيس الفرنسي <ماكرون> على انتقال الرئيس الحريري من الرياض الى باريس بالاتفاق مع القيادة السعودية وبدعم أوروبي قوي ومباشر وعدم ممانعة أميركية، أعطى للتحرك الفرنسي بعداً إضافياً تعتقد باريس أنها قادرة على استثماره بشكل جيد لأن الظروف الاقليمية والدولية مؤاتية. فالولايات المتحدة الاميركية بقيادة الرئيس <دونالد ترامب> منهمكة جزئياً بالواقع السوري الراهن، وكلياً بتدهور وشيك للوضع في الكوريتين الجنوبية والشمالية مع دخول صيني على الخط وتخوف ياباني من تداعيات ما يجري، الأمر الذي جعل باريس قادرة على التحرك أكثر، لاسيما وانها لعبت في الماضي دوراً ناجحاً في هذا المجال يمكن استعادته من جديد إذا ما توافرت الرغبة في أن يكون الحل السلمي للنزاعات القائمة حالياً هو الأساس بعد اقتناع الاطراف المعنيين بأن لا أمل لأي حلول عسكرية وفقاً للمعطيات الراهنة. أما سبب اختيار باريس مكاناً للحوار الذي سوف يعمل له بقوة خلال الشهرين المقبلين، فيعود أيضاً الى كون العاصمة الفرنسية <مقبولة> من الطرفين المعنيين بالحوار، وقد اتخذت إدارة الرئيس <ماكرون> من معالجة ملف الأزمة الحكومية اللبنانية نموذجاً لفتح قنوات التواصل التي لا بد منها مع السعودية أولاً ثم مع ايران ثانياً.

 

جولة قريبة لوزير خارجية فرنسا

jean-ives-jawad-zarif 

وتحدثت المصادر عن موفدين فرنسيين سوف يتنقلون بين الرياض وطهران خلال الأسابيع القليلة المقبلة لإطلاق المبادرة التي تبناها الرئيس <ماكرون> والتي قدمتها مجموعة خبراء في قصر <الاليزيه> بينهم من عمل في عهدي الرئيسين <نيكولا ساركوزي> و<فرنسوا هولاند> على الخط الايراني – السعودي، وقد يتولى هؤلاء، أو بعضهم على الأقل، مهمة العمل على ترطيب العلاقات الايرانية – السعودية وإعادتها الى ما كانت عليه قبل اتساع الحرب في اليمن ودخول ايران طرفاً فيها، كما تقول القيادة السعودية، وذلك تمهيداً لانعقاد طاولة الحوار بين الجانبين والتي تعوّل باريس أهمية خاصة على انعقادها مع بداية السنة الجديدة إذا تعذر انعقادها قبل هذه الفترة، وخصوصاً ان باريس مهّدت للدور الذي يمكن أن تلعبه عندما اتخذت موقفاً ايجابياً من ضرورة المحافظة على الاتفاق النووي مع ايران خلافاً لإدارة الرئيس الأميركي <ترامب> الذي سعى الى إسقاط هذا الاتفاق واعتباره منعدم الوجود. وقد ترك الموقف الفرنسي صدى إيجابياً لدى طهران، يضاف الى العلاقة الفرنسية – السعودية المتقدمة والتي جعلت تدخّل الرئيس <ماكرون> بناء على طلب الرئيس اللبناني العماد ميشال عون مع المسؤولين السعوديين لتسهيل معالجة وضع الرئيس الحريري خلال وجوده في الرياض، أمراً ممكناً وأعطى نتيجة ايجابية.

وتحدثت المصادر الديبلوماسية عن ان الجولة المرتقبة لوزير الخارجية الفرنسية <جان ايف لودريان> على عدد من دول المنطقة بينها لبنان، سوف تشمل السعودية مجدداً (بعد زيارته الأخيرة لمعالجة وضع الرئيس الحريري) وايران ومصر، وقد تمتد الى العراق إذا ما قضت الحاجة، وذلك في ما وصفته المصادر نفسها بـ<العودة الفرنسية القوية> الى المنطقة العربية التي أرادها <ماكرون> جزءاً من سياسته الخارجية منذ اليوم الأول لولايته الرئاسية. وتفسّر المصادر نفسها ان تركيز المسؤولين الأوروبيين على معالجة <الأسباب الحقيقية> للتوتر القائم بين السعودية ودول الخليج من جهة، وإيران من جهة ثانية، هدفه نزع فتيل المواجهة التي بدت في وقت من الأوقات حتمية بين الدولتين، وخوفاً من أن يكون لبنان أحد مسارحها أو ساحتها الوحيدة نظراً لهشاشة الوضع اللبناني وتشعبه وتداخله، فضلاً عن وجود حزب الله ودوره على الساحة اللبنانية. ويأتي في مقدمة <الأسباب الحقيقية> ما تتشدد عليه المملكة العربية السعودية من تدخل ايراني في حرب اليمن بواسطة حزب الله المتهم بتقديم الخبرات القتالية والمدربين وبتسهيل نقل الأسلحة والذخائر والصواريخ…

ويقول ديبلوماسي أوروبي رفيع لـ<الأفكار> بأن ما يمكن أن يجعل الوساطة الفرنسية ممكنة التحقيق في وقت قريب، هو شعور القيادة السعودية بأن إدارة الرئيس الاميركي <دونالد ترامب> قد لا تذهب بعيداً في الدخول في معركة مباشرة مع ايران، لاسيما وان تبايناً واضحاً برز في المواقف الأميركية خلال فترة معالجة استقالة الرئيس الحريري وملابسات وجوده في السعودية، بدليل أن البيت الأبيض اتخذ موقفاً تناقض مع موقف وزارة الخارجية، الى أن عاد البيت الابيض وتبنى وجهة نظر الخارجية الاميركية بدليل التشابه الكبير بين مضمون البيانين الصادرين عن البيت الأبيض والخارجية الى حد استعمال عبارات واحدة في جمل شبه منسوخة عن بيان الخارجية.

ويؤكد الديبلوماسي نفسه أن الرهان على ضربة اميركية لإيران ليس في محله، وإن كانت استراتيجية الرئيس <ترامب> تقوم على التصعيد ضد ايران، لكن كلفة المواجهة مع ايران ليست سهلة، لاسيما وأن التقارير التي وضعتها الاستخبارات الأميركية <نصحت> بعدم حصول مثل هذه المواجهة، مع وجود قوات أميركية في منطقة الخليج وفي عدد من المناطق السورية لاسيما في الرقة بحيث يمكن أن تكون هذه القوات في مرمى الصواريخ الايرانية، مع قدرة طهران على تحريك مناصريها، ومنهم حزب الله، في أكثر من منطقة لاسيما وان <الأرض> التي يوجد عليها الاميركيون لا تعتبر <بيئة حاضنة> ما يجعل الأخطار مضاعفة.

وأورد تقرير ديبلوماسي رفع الى مراجع رسمية اميركية أن خوض مزيد من الحروب في المنطقة لوقف <التمدد الايراني> ليس هو الحل الأمثل، بل ان اللجوء الى الحلول السياسية يشكل الخيار الأفضل الذي يمكن من خلاله تحقيق المنشود من دون خسائر كبيرة، علماً أن <مزاج> الكونغرس الاميركي لا يأتلف مع التوجهات التصعيدية التي عبّر عنها <ترامب> أكثر من مرة، لكنه عدل عنها بعدما كانت تصله معطيات عن عدم تجاوب الكونغرس مع توجهاته.