14 November,2018

باريس تعيد الكرة الرئاسية الى الملعب اللبناني: ”نصيحـــة“ للتواصـــل مــع الجميـــع بمــن فيهـــم عـــون!  

البطريرك الراعي و هولاند لن يأتي وزير الخارجية الفرنسي <جان – مارك ايرولت> الى بيروت كما كان مقرراً خلال هذا الأسبوع، وإن كان أعلن قبل ايام من نيويورك على هامش ترؤسه جلسة لمجلس الأمن حول حماية المدنيين أنه سيزور لبنان <قريباً>، لافتاً الى أن هذا البلد الصديق لفرنسا <يواجه وضعاً صعباً للغاية، لاسيما وأن نسبة اللاجئين السوريين فيه بلغت حتى الآن نحو 40 بالمئة من عدد السكان>.

قبل كلام <ايرولت> بساعات، كانت الخارجية الفرنسية <تذكّر> الفرنسيين بتفادي السفر الى لبنان، وتطلب من الفرنسيين الموجودين فيه <توخي الحذر> في تنقلاتهم واقتصار ذلك على الضروري فحسب. وعلى رغم أن هذا التنبيه أُدرج في الإطار الروتيني الذي يصدر عن الخارجية الفرنسية كلما دعت الحاجة أو تحسباً لاضطراب ما، فإن توقيته أثار أكثر من علامة استفهام، إذا ما اقترن مع <تراجع> الحماسة الفرنسية في طرح مبادرة قيل إن باريس كانت تحضّر لها لإحداث <خرق> في ملف الانتخابات الرئاسية الذي يكاد يدخل في الثلاجة من جديد، إلا إذا حصل تطور ما على غرار الذي حصل قبيل تشكيل <حكومة المصلحة الوطنية> برئاسة الرئيس تمام سلام قبيل انتهاء عهد الرئيس السابق ميشال سليمان.

وفي هذا السياق، كشفت مصادر ديبلوماسية مطلعة لـ<الأفكار> ان الجانب الفرنسي سعى في أكثر من مجال لحلحلة العقد التي تواجه الاستحقاق الرئاسي، وذلك من خلال سلسلة مبادرات واتصالات مع الرياض وطهران وسط متابعة <لصيقة> من الفاتيكان و<عادية> من الولايات المتحدة الأميركية وروسيا، إلا أنه لم يستطع أن يحقق أي تقدم ملموس في هذا الصدد، ما جعل وزير الخارجية <ايرولت> يؤجل الزيارة التي كان ينوي القيام بها لبيروت يوم 23 أيار/ مايو الماضي الى 10 حزيران/ يونيو الجاري، ثم إلى <موعد لاحق قريب> – كما قال في نيويورك – وسط معطيات لا تشير بإمكانية وضع <خارطة طريق> سعى إليها الفرنسيون لتعبيد المسار الرئاسي من خلال <سلة متكاملة> تلحظ الاتفاق على اسم الرئيس وشكل الحكومة واسم رئيسها، وعناوين تنفيذية لقانون انتخابي جديد، مع الاتفاق المسبق على مجموعة من الإصلاحات التي لا تمس جوهر <اتفاق الطائف> و<وثيقة الوفاق الوطني> التي انبثقت عنه، بل تجد حلولاً عملية لأزمات وقعت فيها البلاد خلال الأعوام الماضية في ظل عدم وجود تفسيرات واضحة لبعض مواد الدستور، لاسيما تلك المتعلقة منها بصلاحيات رئيس الجمهورية ومهل رد القوانين والمراسيم، إضافة الى الأسس الواجب اعتمادها في تكليف رئيس الحكومة تشكيل حكومته والمهل الموضوعة للتواقيع وغير ذلك. إلا أن هذه الرزمة من النقاط التي تم التداول بها لم تحظ بموافقة جامعة كفيلة بإطلاق الحل استناداً اليها. وبدا للفرنسيين – وفق المصادر نفسها – أن موسم القطاف الرئاسي لم يحن بعد، وأن الأفرقاء المعنيين في الداخل اللبناني غير قادرين، وربما غير راغبين، في أن يُصنع الحل في لبنان، فيما المجتمع الدولي منهمك بقضايا أساسية أخرى في منطقة الشرق الأوسط، أبرزها الحروب في سوريا والعراق واليمن والمواجهات في ليبيا. كذلك لمس الفرنسيون أن أكثر من دولة عربية لم تعد تولي الوضع اللبناني العناية التي كانت توليها سابقاً، وفي مقدمة هذه الدول تأتي المملكة العربية السعودية.

 

باريس مع <لبنانية الحل> ولا <فيتو>!

وتضيف المصادر أن باريس ركزت في الآونة الأخيرة على أهمية الاعتماد على <لبنانية> الحل والتركيز على الحوار بين القيادات اللبنانية، في محاولة للخروج بموقف موحد منها تستطيع الإدارة الفرنسية تسويقه عربياً وإقليمياً ودولياً وتدفع الولايات المتحدة الأميركية الى تبنيه قبل أن تغرق الإدارة الأميركية في لجة الانتخابات الرئاسية في الخريف المقبل. بيد أن الإشارات الأولية التي وردت من بيروت جعلت الجانب الفرنسي يطلب من زواره اللبنانيين المعلن عنهم، أو غير المعلن عنهم، العمل في اتجاه التوافق اللبناني، انطلاقاً من أن باريس لم تعد تضع <فيتو> على أحد ولا هي <تشجع> أو <تتبنى> أحداً، خلافاً لما كان الوضع عليه في السابق. وتؤكد المصادر أن الفرنسيين أبلغوا زواراً حلوا في <الإيليزيه> و<الكي دورسيه> (الخارجية الفرنسية) مؤخراً أنهم <يشجعون> على التواصل مع رئيس تكتل التغيير والإصلاح العماد ميشال عون والبحث معه في كل النقاط الملتبسة التي يعتقدون أنها تحول دون انتخابه رئيساً للجمهورية بما في ذلك ملف علاقته بحزب الله وإيران، وموقفه من <اتفاق الطائف> وغيرها من المواضيع المختلف عليها معه، على أن تتخذ القيادات اللبنانية المعنية بعد ذلك القرار المناسب في ما خص خيارها الرئاسي.

وأضاف الجانب الفرنسي أن لا إمكانية راهناً لتجاوز دور العماد عون وتأثيره المباشر على الاستحقاق الرئاسي بدليل أن جلسات انتخاب رئيس الجمهورية التي بلغ عددها الأربعين جلسة لم يكتمل نصابها لغياب كتلة عون النيابية وكتلة حزب الله وبعض المستقلين المؤيدين للكتلتين عن هذه الجلسات، في وقت أظهر فيه عون <ليونة> في الكثير من المواضيع الشائكة يمكن التأسيس عليها للوصول معه الى <ايضاحات> و<التزامات> الى حد اعتبارها <ضمانات> تطمئن <القلقين> من <عدم ثبات> عون على مواقفه (كما يقول ديبلوماسيون أميركيون)، بحيث يُبنى على الشيء مقتضاه.

إلا أن المصادر نفسها تستدرك لتقول ان <النصيحة> الفرنسية للتواصل مع عون لا يمكن فهمها على أنها <مبايعة> فرنسية لانتخاب العماد عون رئيساً للجمهورية، لأن هذا الأمر متروك – حسب باريس – للقيادات اللبنانية، وأن كل ما تقوله باريس يندرج في إطار <النصح> ومحاولة <تلمس> مخارج للأزمة الرئاسية الراهنة والتي باتت تؤثر سلباً وبقوة على عمل السلطتين التنفيذية والتشريعية، إضافة الى الحياة السياسية ككل في لبنان. وتؤكد المصادر ان اتصالات باريس مع المملكة العربية السعودية أظهرت ان القيادة السياسية الجديدة في الرياض تختلف في مقاربتها للاستحقاق الرئاسي اللبناني عن القيادة السابقة، وتحديداً عن وزير الخارجية الراحل الأمير سعود الفيصل، وأنه من المفيد المراهنة على المواقف السعودية المعلنة وخلاصتها أن المملكة <لا تضع فيتو> على أحد، ولا هي تتدخل في التفاصيل الرئاسية اللبنانية، لاسيما وأن مثل هذه المواقف تكررت على لسان أكثر من مسؤول سعودي كان يركز فحسب على دور ايران وحزب الله في <عرقلة> الاستحقاق الرئاسي، من دون تحميل ذلك مباشرة الى العماد عون أو كتلته النيابية.

وفي رأي المصادر نفسها أن مسألة ترشيح رئيس تيار <المردة> النائب سليمان فرنجية لرئاسة الجمهورية، تم التعامل معها في البداية على أساس أنها <توافقية>، الى أن اتضح أنها ليست كذلك، بدليل موقف حزب الله غير المؤيد لها، ومواقف العماد عون والدكتور سمير جعجع المعارضة لها بقوة، فتمّت مقاربتها من منظار مختلف عن المقاربة الفرنسية الأولية لها.

مهمة <ايرولت>: مع <الرئيس القوي>

وتجزم المصادر الديبلوماسية المطلعة أن باريس لا تزال تشجع على التواصل، وأن ما سيقوله الوزير <ايرولت> عندما يأتي الى لبنان لن يخرج عن هذا الإطار الذي رسمه فريق المستشارين اللصيقين بالرئيس الفرنسي <فرنسوا هباسيل و ايرولتولاند> الذي كان قد كرّر أمام البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي عندما استقبله في قصر <الايليزيه> أن بلاده ليست مع أي مرشح رئاسي ضد آخر، وهي تدعو الى التواصل مع الجميع مع الأخذ في الاعتبار الواقع السياسي اللبناني و<حجم> الشخصيات المطروحة رئاسياً وقدرتها على أن ينطبق عليها توصيف <الرئيس القوي> الذي يطمئن المسيحيين ولا يزعج المسلمين، سواء كانوا سنة او شيعة او دروزاً. والكلام نفسه – تضيف المصادر – سمعه النائب وليد جنبلاط في رحلته الباريسية الأخيرة والذي انعكس على مواقفه بعد عودته الى بيروت حيال الاستحقاق الرئاسي عموماً ومسألة ترشيح العماد عون خصوصاً. وثمة من يقول في باريس ان ما قاله النائب جنبلاط في هذا السياق يشكل رجع صدى للموقف الرئاسي الفرنسي الذي تبلغه أيضاً السفير الفرنسي، في بيروت <ايمانويل بون> الذي <خفّف> من <اندفاعه> السابق بدعم <الخيار الثالث> واهتمامه بأحد المرشحين الذي يندرج اسمه في خانة <البديل> عن الأقطاب الأربعة الذين تراجع عددهم عملياً الى <قطبين> اثنين فقط هما عون وفرنجية.

هل يعني ذلك أن باريس لم تعد <متحمسة> لـ<الخيار الثالث>؟ تجيب المصادر الديبلوماسية بالقول إن إدارة الرئيس <هولاند> مع أي رئيس يحظى بدعم اللبنانيين وتوافقهم، وإذا لم يعد هناك أي فرصة لأحد <القطبين> الاثنين، فإن فكرة <الخيار الثالث> تبقى واردة، وأن ثلاثة مرشحين جديين يندرجون تحت هذه الخانة، لكن لا حظ لأي منهم ما لم توافق عليه <الثنائية المسيحية> الجديدة، أي العماد عون والدكتور سمير جعجع، إضافة الى الفريق الإسلامي الرباعي <أمل> وحزب الله وتيار <المستقبل> والنائب جنبلاط، وبالتالي فإن كل المعطيات تشير الى أن الحلف الذي قام بين عون وجعجع متين، وهو يزداد صلابة يوماً بعد يوم، ما يعني ان إمكانية تجاوزه رئاسياً غير واردة. وتشدد المصادر نفسها على أن الذين نسبوا الى الفرنسيين فكرة ولاية السنتين للرئيس العتيد (إذا كان العماد عون) لم يكونوا أمناء في نقل الموقف الفرنسي الذي كان واضحاً في هذا الصدد: <نقبل بما يقبل به اللبنانيون>. واستطراداً، فإن طرح ولاية السنتين ليس طرحاً فرنسياً ولا فكرة  فرنسية للتداول، بل هي فكرة لبنانية نُقلت الى الجانب الفرنسي من ضمن سلسلة أفكار ومقترحات، وتعاطى معها الفرنسيون من زاوية الموافقة على ما يقبل به اللبنانيون، ولم يكن في أي لحظة من اللحظات لدى الفرنسيين أي رغبة في الدخول في <متاهات> الطروحات التي يختلف عليها اللبنانيون، علماً أن ما شددت عليه باريس كان <احترام الدستور> في كل جوانب العملية الرئاسية، في الترشيح والانتخاب والنصاب ومدة الولاية.. وذلك لعدم تكرار ما حصل في عام 2008 من انتهاك للدستور ظلت تداعياته مستمرة طوال ولاية الرئيس السابق.

ورفضت المصادر الديبلوماسية تحديد فترة زمنية تتوقع أن يتم خلالها انتخاب الرئيس العتيد للجمهورية، لكنها <تمنّت> على القيادات اللبنانية الاسراع في إنهاء فترة الشغور الرئاسي قبل حلول الخريف المقبل خوفاً من أن تؤثر الانتخابات الرئاسية الأميركية على المواقف الإقليمية، لاسيما للدول الفاعلة والمؤثرة في الاستحقاق الرئاسي اللبناني حيث يُخشى أن تدخل الورقة اللبنانية في أجندة التسويات التي ستتم بعيد انتخاب الرئيس الأميركي، لاسيما وأن كل فريق اقليمي يحاول أن يجمع ما تيسر من أوراق يساوم عليها أو يستثمرها في تحديد دوره وحجمه و… حصته من <قالب الحلوى>!.