23 February,2018

باريس تستعجل لبنان لإنجاز ورقته الى مؤتمر ”سيدر“ مع تشديد على أن تكون ”الرؤية اللبنانية“ واحدة!

عون ماكرونكشفت مصادر ديبلوماسية لـ<الأفكار> أن الرئيس الفرنسي <ايمانويل ماكرون> طلب، وبإلحاح من الجانب اللبناني إنجاز ورقة عمله ومقترحاته لكيفية المساعدة اقتصادياً، قبل نهاية شهر آذار/ مارس المقبل ليتسنى عرض التصوّر اللبناني على <مؤتمر سيدر لبنان> (Cédre) المخصص لدعم لبنان اقتصادياً واستثمارياً والذي سوف يعقد في باريس في النصف الاول من شهر نيسان/ أبريل المقبل، وهو المؤتمر الثالث المخصص لمساعدة لبنان، بعد مؤتمر روما لدعم القوى المسلحة اللبنانية ومؤتمر بروكسل المخصص للدول التي ترعى شؤون النازحين السوريين وفي مقدمها لبنان.

وأكدت المصادر أن الرئيس <ماكرون> سوف يزور لبنان بين 11 و13 نيسان/ ابريل المقبل من دون أن يتحدد بعد ما إذا كانت هذه الزيارة سوف تسبق مؤتمر <سيدر لبنان> أو تليه، لأن ذلك يتوقف على نتائج الاتصالات الجارية مع الدول التي يفترض أن تشارك في المؤتمر لمعرفة مدى استعدادها للمساهمة في إنجاحه، لاسيما وأن الرئيس <ماكرون> كان قد وعد رئيس الجمهورية العماد ميشال عون بأن تضع فرنسا <كل ثقلها> في سبيل الخروج بنتائج إيجابية من هذا المؤتمر. إلا أن المصادر الديبلوماسية لا تخفي استغرابها من البطء الذي يظهره الجانب اللبناني في مقاربته من هذا المؤتمر. إضافة الى عدم توحيد المقاربة اللبنانية من المشاريع المنوي طرحها، وهو ما لمسه الموفد الرئاسي الفرنسي لبيروت السفير <بيار دوكين> الذي كلفه الرئيس <ماكرون> مهمة التحضير لمؤتمر <سيدر لبنان> وهو أتى الى العاصمة اللبنانية قبل أسابيع، وقابل كبار المسؤولين اللبنانيين وخرج بانطباع خلاصته أن الجانب اللبناني <غير موحد الاتجاهات> حيال المؤتمر، لاسيما وأنه سمع من الذين التقاهم <طروحات متناقضة>. ويأمل الجانب الفرنسي – كما تقول المصادر نفسها – من أن يتمكّن وزير الخارجية الفرنسي <جان ايف لودريان> خلال زيارته لبيروت المقررة في مطلع شهر شباط/ فبراير المقبل، أن تكون <الرؤية اللبنانية> في ما خص مؤتمر <سيدر> قد توضحت بحيث تستطيع باريس أن تهيئ لضمان تجاوب الدول المشاركة في المؤتمر مع الحد الأدنى من المقترحات اللبنانية، خصوصاً أن العنوان هو اقتصادي واستثماري وتنموي توكبه إصلاحات ضرورية لإعادة الثقة الى الاقتصاد اللبناني من جهة، والى الإدارة اللبنانية للملفين الاقتصادي والمالي.

 

برنامج استثمارات متوسط وطويل الأمد

 

وفي هذا السياق، كشفت المصادر نفسها لـ<الأفكار> أن البحث الذي يتولاه الجانب الفرنسي مع المسؤولين اللبنانيين، يتمحور حول إعداد برنامج استثمارات متوسط وطويل الامد، سوف يتم تقويم مشاريعه بالتفصيل، كل مشروع على حدة من البنك الدولي، والاتجاه ألا يكون <برنامج سد ثغرات> (كما آلت إليه مؤتمرات باريس 1 و2 و3)، وقد طُلب الى الحكومة اللبنانية تقديم برنامج إصلاحات أساسية من أجل الاستثمارات التي يفترض أن تجد لها <زائرين> خلال المؤتمر، ومن بينها إصلاحات أساسية مثل الاطر القانونية القضائية في قطاعات المياه والطاقة والاتصالات التي تأخر إنجازها، وإذا كان سُجل بعض التقدم في مجال المياه على سبيل المثال لا الحصر.

وحرصت المصادر على التمييز بين مؤتمرات <باريس 1 و2 و3>، وبين مؤتمر <سيدر> الذي لن يكون مؤتمراً للمانحين، بل هو عمل مشترك مع شركات مهتمة  بالاستثمار ستقول رأيها في المشاريع والإصلاحات المطلوبة وتحدد موقفها على ما سوف تلمس من إرادة حقيقية لدى المسؤولين اللبنانيين في التجاوب مع المطالب الإصلاحية، إلا أن هذه <الرغبة> لا تترجم عملياً وبسرعة بسبب التجاذبات السياسية داخل تركيبة المسؤولين اللبنانيين الذين يتولون التعاطي مع الملف الإصلاحي.

وفيما تقر المصادر بحصول تقدم في النهج الإصلاحي في قطاع المياه الذي تم تحديثه بعد عقود من التأخير، فتم استحداث مشاريع وسدود ومحطات للصرف الصحي، فإنها تشير الى <الصعوبات> التي واجهت الاصلاحات في قطاع الكهرباء الذي لا يزال يترنح تحت تأثير <الأفكار المتناقضة> بشأنه من جهة، والتأخير في الإنجازات من جهة أخرى، خصوصاً أن لا تجاوب لبنانياً بعد مع ضرورة إعادة النظر في مسار عمل  قطاع الكهرباء إنتاجاً وتوزيعاً، وكذلك في التسعيرة التي يفترض أن تتحرّك بعد 21 سنة من الجمود. أما في القطاع الصناعي، فإن المصادر تتحدث عن ضرورة القيام بـ<عمل كبير> في القطاعات الصناعية تظهر ملامحه قبيل مؤتمر <سيدر>، خصوصاً في مجالات النقل والاتصالات وغيرها.

 

شكوى مسبقة من الفساد والرشى

 

إلا أن الملف الأكثر دقة في مسألة الإصلاحات المطلوبة، يبقى ضرورة مكافحة الفساد الذي تعاني منه المؤسسات اللبنانية، واعتماد الشفافية، إذ لا يكفي في هذا المجال أن يظهر المسؤولون في لبنان <نيات طيبة> – وهم صادقون فيها – بل ينبغي أن تقرن هذه النيات مع إجراءات على أرض الواقع. وأكثر ما لفت الجانب الفرنسي في هذا الإطار، هو تراجع مستوى الشفافية في عمل الإدارات والمؤسسات اللبنانية وتزايد الشكاوى من الفساد فيها والمحسوبيات و<تسييس> العمل الإداري وتطييفه، ما يؤدي عملياً الى تراجع في أداء هذه المؤسسات من جهة وغياب ثقة اللبنانيين بها، وكذلك ثقة الخبراء الدوليين الذين يستقدمون للمساعدة والدعم. أما بالنسبة الى الارقام، فإن الجانب الفرنسي – وفق المصادر نفسها – لم يبدِ ارتياحه للرقم الذي أورده رئيس الحكومة سعد الحريري حول الخطة الاستثمارية المنوي طرحها، وهو 14 مليار دولار ممتدة على 12 سنة. في وقت قال الفرنسيون إن أي خطة ينبغي أن تكون قريبة الاجل وواقعية في مقاربة التطورات الاقتصادية المرتقبة. وقد أبدى مسؤولون في البنك الدولي رغبة حقيقية في مساعدة لبنان على أن تكون خطته <طموحة> لكن <من دون مبالغة> وأن يبقى تحديد الأرقام في ضوء الحاجات الفعلية والممكنة.

أما بالنسبة الى المشاركين في المؤتمر، فإن المصادر الديبلوماسية تتحدث عن <ضغط> تمارسه باريس لإقناع دول فاعلة لحضور المؤتمر والمساهمة في إنجاحه مادياً ومعنوياً، وأن الرئيس <ماكرون> يعمل مع وزير خارجيته <لودريان> على حشد أكبر عدد ممكن من الدول في المؤتمر لتجديد الثقة بلبنان وبدوره الريادي اقتصادياً في محيطه. وقد وصل الجانب الفرنسي الى ضمان مشاركة الدول الأجنبية الكبرى وعدد من الدول المتوسطة، في حين يواجه صعوبة في إقناع الدول الخليجية ولاسيما السعودية والإمارات العربية المتحدة لزيادة اهتمامها بالمؤتمر والعمل على إنجاحه.

وتوقعت المصادر نفسها أن يكون للتحرك الفرنسي فاعلية لاسيما وأن الرئيس <ماكرون> نسج علاقات مع قادة دول الخليج وهو يريد الاستفادة منها لإنجاح مؤتمر <سيدر> وجعله انطلاقة عملية للنهوض الاقتصادي في لبنان.