28 September,2020

باريس أبلغت حتي رغبتها في مساعدة لبنان شرط الوفاء بالالتزامات المعلنة في "سيدر"!

ناصيف حتي و جان إيف لودريان

لا يبالغ وزير الخارجية والمغتربين ناصيف حتي في وصف نتائج زيارته الى باريس، واللقاءات التي عقدها مع نظيره الفرنسي “جان ايف لودريان” وغيره من المسؤولين الفرنسيين، على رغم الحفاوة التي لقيها في العاصمة الفرنسية حيث نسج علاقات جيدة مع أركان الديبلوماسية الفرنسية منذ كان سفيراً للجامعة العربية في العاصمة الفرنسية. لكنه في المقابل لا يقلل من أهمية ما سمعه ممن التفاهم في العاصمة الفرنسية من معطيات تبدد الانطباعات السلبية التي راجت بعيد تشكيل الحكومة الجديدة والتي وصلت الى حد الادعاء بأن باريس لن تتعاون مع حكومة الرئيس دياب.

لقد سمع الوزير حتي الكثير من الكلام المطمئن والمشجع من دون أن يعني ذلك ان باريس أعطت “كارت بلانش” لحكومة دياب، أو انها سوف تدعمها بالمطلق. فقد قال “لودريان” لنظيره اللبناني ما سبق أن قالته باريس مراراً للمسؤولين اللبنانيين، ونقله بأمانة موفد الرئيس المكلف متابعة قرارات مؤتمر “سيدر” السفير “بيار دوكين” عندما زار بيروت في العامين 2018 و2019، وخلاصته ان باريس جاهزة لتقديم أي مساعدة يطلبها لبنان، في مقابل ان تتحقق اصلاحات “جدية وبنيوية” وفق برامج مدروسة، لكن باريس التي انتظرت طويلاً تحقيق مثل هذه الاصلاحات لاحظت ان المسؤولين اللبنانيين لا يتعاطون بجدية إذ لم تحصل أي مقاربة حقيقية في التعامل اللبناني مع قرارات “سيدر”، وقد سمع الوزير حتي كلاماً مشجعاً مع تذكير بضرورة انجاز مثل هذه الاجراءات الحكومية اللبنانية.

“شروط” فرنسية للمساعدة!

وبواقعية، يروي حتي أمام زواره ما قاله المسؤولون الفرنسيون من كلام ايجابي من مثل بقاء فرنسا على استعداد لمساعدة لبنان وأن تكون في مقدمة الدول، وبالتعاون مع الدول الأوروبية الأخرى، ومن المهم أن يقابل هذا الاستعداد الفرنسي بتجاوب لبناني مع ضرورة وضع برامج واضحة ومحددة بفترات زمنية. ولن تكون باريس وحيدة في هذا التحرك، بل سيكون من خلال مجموعة الدعم الدولية التي رعت وأدارت مؤتمر “سيدر” وهي على علم بحاجات لبنان والشروط التي يفترض أن تتوافر لتحقيق هذه المساعدات، لاسيما وان المجموعة المذكورة لا تزال منذ العام 2013 تقدم المساعدات للجيش وللاقتصاد اللبناني إضافة الى النازحين السوريين وستبقى مسؤولة عن هذه المهمة في الآتي من الأيام. أكثر من ذلك، أبدت باريس استعدادها للتواصل مع دول عربية ولاسيما دول الخليج لحثها على الانضمام الى الدول الداعمة للبنان، خصوصاً السعودية والامارات العربية المتحدة حيث لم تبدِ الدولتان اهتماماً استثنائياً خلال انعقاد المؤتمر الأخير لدعم لبنان في باريس. لكن الشرط الأساسي لدخول فرنسا بوساطة مع دول خليجية هو استعجال الحكومة اللبنانية للقيام بما هو مطلوب منها، وإظهار استقلاليتها في التحرك بمعزل عن تأثير أفرقاء يثيرون تحفظ عواصم الخليج، وبذلك أعطت باريس إشارة الى أن لبنان مدعو للتخفيف من الدور المباشر لحزب الله في التأثير على قرارات الحكومة اللبنانية ما يحد من استقلاليتها ــ حسب المفهوم الفرنسي. وقد نظرت باريس بقلق الى موقف حزب الله من المساعدة التي يمكن أن يقدمها صندوق النقد الدولي لتمكين لبنان من تجاوز الأزمة الاقتصادية والمالية الضاغطة، اذ بدا موقف حزب الله الرافض لدور للصندوق الدولي وكأنه إشارة الى عدم موافقة الحزب على أن يطلب لبنان مساعدة دولية بحجة رفض ارتهان موقفه للارادة الدولية التي يمثلها صندوق النقد الدولي، علماً ان هذه المساعدة محددة بـ”المساعدة التقنية”.

وفي المعلومات المتوافرة لـ”الأفكار” ان الجانب الفرنسي كان مهتماً جداً بمعرفة مسار الاصلاحات التي تنوي الحكومة اللبنانية اتخاذها، وقد أسهب الوزير حتي في شرحها تحت عنوان “خطة الانقاذ” التي تعدها الحكومة والتي ستطبق تدريجاً، ومن أهم ما فيها اصلاحات القضاء اللبناني لاسيما وان باريس تعلق أهمية كبرى على دور القضاء في عملية الاصلاح، ومن أسسها مكافحة الفساد واعتماد الشفافية في عمل الادارات والمؤسسات وغيرها من النقاط الاصلاحية التي تتزامن مع الاصلاحات المطلوبة. وشرح الوزير حتي النقاط الأساسية في الخطة الاصلاحية مركزاً على ان لا رجوع عن قرار اجراء اصلاحات لأن هذه المسألة مهمة للبنان في الداخل ولصورته في الخارج. وسجل “لودريان” ارتياحه لما سمعه من نظيره اللبناني الذي أبلغه أيضاً عدم قدرة الحكومة على دفع سندات “اليوروبوندز” وان الاتجاه هو للتفاوض لإعادة جدولتها. وبدا من ردة فعل “لودريان” انه “تفهم” الموقف اللبناني وأسبابه معتبراً ان “الشارع” اللبناني سيكون مرتاحاً إذا ما اعتمد خيار تعليق الدفع لأن الأولوية هي للاستفادة من احتياطي مصرف لبنان لتأمين حاجات لبنان الغذائية والصحية والصناعية، خصوصاً ان الاحتياطي في مصرف لبنان قد تراجع الى ما دون الـ30 مليار دولار أميركي، ما زاد من وطأة الضغوط النقدية والاقتصادية والمعيشية البالغة التعقيد. ورد “لودريان” في هذا السياق بأن القرار متروك للدولة اللبنانية لكن المهم هو وضع برنامج واضح لإعادة الجدولة.

وفي مجال آخر أبدت باريس استعدادها لاستقبال الرئيس دياب في زيارة عمل للعاصمة الفرنسية بهدف التفاهم على برنامج التعاون بين البلدين ولاسيما لجهة البدء بتنفيذ قرارات مؤتمر “سيدر”، مع التشديد على ضرورة تجهيز لبنان لمشاريع عدة بشكل متكامل وتقديمها الى الأمانة العامة للمؤتمر على أن تكون الأولوية للكهرباء التي تشكل 40 بالمئة من الدين العام، ثم القضاء على الفساد ومكافحته وخفض فائض العاملين في القطاع العام الخ… وبدا الجانب الفرنسي مهتماً بمعرفة علاقة الحكومة الجديدة ونظرتها الى الحركات الشعبية التي برزت منذ 17 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، وعما إذا كان هناك تواصل بين قادة هذه الحركات والحكومة مجتمعة أو منفردة. وقد أوضح الوزير حتي ان رئيس الحكومة عبّر في أكثر من مناسبة عن دعمه لـ”الحراك الشعبي” في القضايا التي طرحها، وانه يعمل على تلبيتها تدريجاً من خلال الاصلاحات المرتقبة التي تعمل الحكومة على اقرارها، مع الإشارة الى عدم وجود “قياديين معلنين” لهذا الحراك ما يصعب عملية التواصل الدائم معهم، وإن كانت الرسائل التي وجهها إليهم الرئيس دياب ايجابية وتعكس تفهماً لمطالبهم ولأهداف حراكهم.

في أي حال، بدا الوزير حتي متفائلاً بعد عودته الى بيروت من حصيلة محادثاته مع المسؤولين الفرنسيين، وهو عكس هذا التفاؤل أمام الذين التقاهم لافتاً الى ضرورة العمل لترجمة الكثير من النقاط التي تم الاتفاق عليها من خلال اجراءات عملية قريبة.

 

 فرنسا حركت قرض تجهيز البحرية اللبنانية قيمته 400 مليون يورو مع حسم وفترة سماح!

بالتزامن مع الزيارة التي قام بها وزير الخارجية والمغتربين ناصيف حتي الى باريس، والاستعدادات الفرنسية لمساعدة لبنان التي سمعها الوزير من المسؤولين الفرنسيين، كشفت مصادر ديبلوماسية لـ”الأفكار” ان السفير الفرنسي في بيروت “برونو فوشيه” تلقى إشارة من الخارجية الفرنسية بضرورة إعادة تحريك ملف القرض المقترح من الفرنسيين لتجهيز

سفير فرنسا في لبنان برونو فوشيه

الجيش اللبناني بزوارق حربية فرنسية حديثة من خلال قرض تبلغ قيمته 400 مليون يورو لتجهيز سلاح البحرية اللبنانية، إضافة الى طائرتين مروحيتين قتاليتين. والهدف من هذا التجهيز اعداد قوة عسكرية بحرية لبنانية تواكب أعمال التنقيب عن النفط والغاز في المياه الاقليمية اللبنانية والتي بدأتها شركة “توتال” الفرنسية بالتعاون مع شركة “ايني” الايطالية وشركة “نوفاتك” الروسية قبل أيام. إضافة الى ان هذه القوة البحرية ستعزز سلاح البحرية في الجيش اللبناني الذي يتعاون مع القوة البحرية التابعة لـ”اليونيفيل” لتنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي الرقم 1701، لاسيما وان ثمة دولاً تريد إنهاء عملها في القوة البحرية العاملة مع القوات الدولية تباعاً.

ويأتي تحريك ملف الزوارق الحربية الفرنسية بعدما كانت ايطاليا قد قدمت عرضاً مشابهاً للمسؤولين اللبنانيين، وتم التفاوض مع الفرنسيين والايطاليين، كل على حدة، للحصول على العرض الأفضل، علماً ان الفرنسيين كانوا ألمحوا الى أهمية حصولهم على هذه الصفقة ما يزيد من تأييدهم للبنان للحصول على دعم خارجي، فيما أعرب الجانب الايطالي في حينه عن استعداده لتقديم هبة للجيش اللبناني بالتوازي مع شراء هذه الزوارق من صنع ايطالي.

ويتضمن العرض الفرنسي أيضاً تدريبات للعسكريين اللبنانيين من سلاح البحر وفقاً لبرنامج يتم الاتفاق عليه بين الجانبين اللبناني والفرنسي، مع استعداد أيضاً أبدته باريس لإرسال الطائرتين المروحيتين للعمل في المرحلة الانتقالية على أن يتم تزويد لبنان بالمعدات اللازمة تباعاً. وخلال المفاوضات التي أجراها الجانب اللبناني، أبدى الفرنسيون استعدادهم لتمديد فترة السماح لسداد القرض من 5 سنوات الى عشر سنوات وأن تكون نسبة 25 بالمئة من القرض بمثابة هبة.

ويتريث الجانب اللبناني، وفق المعلومات، في اتخاذ قراره النهائي في انتظار اجراء المزيد من التشاور مع الجانبين الفرنسي والايطالي للحصول على شروط أفضل لاسيما وان الصفقة تتم بموجب قرض وليس هبة كاملة.

تجدر الإشارة الى ان قيادة القوة الدولية العاملة في الجنوب سبق أن أبلغت لبنان ضرورة التحضير لمشاركة القوة البحرية اللبنانية بالقوة الدولية البحرية العاملة ضمن “اليونيفيل” في مراقبة الحركة البحرية الى الموانئ اللبنانية وفق ما نص عليه القرار 1701 منعاً لتهريب أسلحة أو ذخائر في السفن التجارية الى لبنان.