25 September,2018

باريس«تفرمل » حراكها في الملف الرئاسي اللبناني في انتظار حصيلة مشاورات «مامبرتي» و «المبادرة» البابوية...

dominique-mamberti لا يخفي كبار المسؤولين في قصر الرئاسة الفرنسية قلقهم من استمرار الوضع السياسي على ما هو عليه راهناً في لبنان، مع بدء الشغور في قصر بعبدا سنته الثانية وفشل كل المساعي التي بُذلت لتأمين الأجواء المناسبة لانتخاب رئيس للجمهورية. وهذا القلق على الوضع السياسي أضيف إليه قلق ثانٍ في باريس على الوضع الأمني على الحدود اللبنانية – السورية بعد ورود تقارير عن تدهور محتمل على هذه الحدود خلال الأيام القليلة المقبلة، الأمر الذي جعل القيادة العسكرية الفرنسية تقدم مقترحات <عملية> الى الرئيس الفرنسي <فرنسوا هولاند> تقوم أساساً على ضرورة الإسراع في تلبية <الحاجات الملحة> للجيش اللبناني، لاسيما السلاح الذي يمكّنه من مواجهة محاولات الإرهابيين التمدد في اتجاه الأراضي اللبنانية.

وكشف مصدر فرنسي مطلع لـ<الأفكار> ان طلب القيادة العسكرية الفرنسية لقي تجاوباً مباشراً من الرئيس <هولاند> الذي أوعز بالإسراع في إرسال معدات عسكرية للجيش من دون تحديد توقيت زمني، على ان يتم التنسيق مع القيادة العسكرية اللبنانية من خلال الفريق العسكري المشترك الذي شكّل بعد انطلاق تسليم معدات عسكرية ممولة من الهبة السعودية البالغة 3 مليارات دولار أميركي. وأشار المصدر الى ان هذا الموقف الفرنسي الذي أُبقي بعيداً عن الأضواء يدل على ان الأولوية الفرنسية في هذه المرحلة هي لاستمرار الاستقرار الأمني في لبنان ولو بحده الأدنى، بعدما اتضح ان الوصول الى نتائج سريعة في ما خص الملف الرئاسي ليس وارداً في الوقت الراهن، نتيجة استمرار التجاذبات السياسية الداخلية، وتراجع الاهتمامين الإقليمي والدولي بالشأن الرئاسي اللبناني.

وفي هذا السياق، توقعت مصادر ديبلوماسية فرنسية ان تتريث إدارة الرئيس <هولاند> في إطلاق أي مبادرة سياسية جديدة تجاه لبنان، مفسحة في المجال أمام <الحراك> البابوي الذي يتجدد مع وصول الكاردينال <دومينيك مامبرتي> في 29 أيار/ مايو الى بيروت وإجرائه اتصالات مع القيادات المسيحية اللبنانية للتشاور معها في مصير الاستحقاق الرئاسي بعد مرور سنة على حلول الشغور في قصر بعبدا. وستنتظر باريس حصيلة الاتصالات التي سيجريها الوزير السابق للخارجية الفاتيكانية الذي أوكل إليه البابا <فرنسيس> الملف اللبناني ليتولاه بالتنسيق مع السفير البابوي في لبنان المونسنيور <غبريالي كاتشا> الذي انتقل الى الفاتيكان منذ أsalman-hollandeسابيع لتحضير زيارة <مامبرتي> والتشاور معه في حصيلة اللقاءات التي عقدها السفير البابوي مع قيادات لبنانية مسيحية قبيل الزيارة لـ<الاستئناس> برأيها حول مبادرة بابوية محتملة.

تنسيق مع الفاتيكان

وتؤكد المصادر الديبلوماسية الفرنسية ان باريس <تنسق> مواقفها مع الكرسي الرسولي ولن تقدم على أي خطوة من دون التشاور مع الدوائر الفاتيكانية طالما ان العقدة الأبرز في المسار الرئاسي اللبناني هي عقدة مسيحية. وقد وصلت الديبلوماسية الفرنسية الى قناعة خلاصتها أن لا إمكانية لإحداث أي خرق في الوقت الحاضر، ولا بد من إعطاء المزيد من الوقت، والرهان على <الحراك> البابوي علّه يؤدي الى تحريك الملف الرئاسي المجمّد منذ أشهر. ولعلّ ما عزز الموقف الفرنسي – تضيف المصادر نفسها – هو ان حصيلة المشاورات التي أجراها الفرنسيون خلال الأسابيع الماضية والتي سبقت زيارة البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي لباريس وتلتها لم تكن مشجعة على الإطلاق ولم تتبلور عنها أي نتائج عملية لأن الانشغال الدولي بالحروب السورية والعراقية واليمنية يتقدم على ما عداه من انشغالات. ويقرّ الفرنسيون بأن انظارهم متجهة حالياً صوب دول الخليج التي تؤسس معها باريس لعلاقات مستدامة، بدليل ان الرئيس <هولاند> الذي حلّ ضيفاً على قمة دول مجلس التعاون الخليجي بات يتحدث كثيراً عن <القيادة السعودية الجديدة>، وعن <القيادة الشابة في قطر>، وعن النمو الاقتصادي المتسارع في أبو ظبي… أكثر مما يتحدث عن لبنان، خلافاً لما كان يحصل في السابق الى درجة ان مراجعته في الشأن اللبناني لم تعد تثير اهتماماته المباشرة وإن كان لسان حاله لا يزال ان باريس تسعى الى إيجاد خروق في جدار الاستحقاق الرئاسي اللبناني، لكن ذلك لا يكفي طالما ان القيادات اللبنانية لا تبدي اهتماماً جدياً بانتخابات الرئيس العتيد… <فهل نكون ملكيين أكثر من الملك؟> ينقل أحد أبرز معاوني <هولاند> عنه مثل هذا الموقف…

<هولاند> يوسّط <بوتين> مع إيران

pope-francis-and-patriarch-Rai1

إلا أن المصادر الديبلوماسية توقعت أن يعود الرئيس <هولاند> الى متابعة الملف اللبناني عن قرب، إذا ما برزت مؤشرات إيجابية في هذا الشأن، لاسيما بعد تعيينه مستشاره <إيمانويل بون> سفيراً لفرنسا في لبنان خلفاً للسفير الحالي <باتريس باولي>، الأمر الذي يعني ان <هولاند> سيمسك مباشرة بالملف اللبناني من جديد، خصوصاً إذا عاد هذا الملف الى سلم الأولويات الإقليمية والدولية، وهو أمر لم يحصل بعد، علماً ان التقارير التي وردت عن لقاء الرئيس الأميركي <باراك أوباما> مع قادة الدول الخليجية لم تشر الى ان الوضع اللبناني كان محور بحث أساسي خلال هذه القمة التي ركزت على الاتفاق النووي مع إيران، وعلى تداعيات الحرب اليمنية وما ستؤول إليه الحرب السورية والاحداث في العراق. إلا ان <هولاند> – تضيف المصادر الديبلوماسية نفسها – كان قد طلب الى نظيره الروسي <فلاديمير بوتين> الاتصال بالقيادة الإيرانية وحثها على لعب <دور تسهيلي> يؤدي الى إنهاء أزمة الشغور الرئاسي اللبناني، لاسيما وان الولايات المتحدة الأميركية لم تضع الملف الرئاسي بعد ضمن إطار <الأولويات الملحّة>، وتكتفي بإعطاء الأولوية الى الشأن الأمني لمنع حصول أي خرق للجبهة السورية – اللبنانية. وتوقعت المصادر ان يعود نائب وزير الخارجية الروسي <ميخائيل بوغدانوف> مجدداً الى المنطقة، وهو الذي بات خبيراً بالملف اللبناني، على ان يكون التشاور مركزاً خصوصاً مع طهران وسوريا وبيروت لمعرفة مدى إمكانية التجاوب مع الرغبة الفرنسية. وفي هذا السياق، تقول المصادر نفسها ان روسيا قادرة على البحث مع المسؤولين الإيرانيين في ملفات عدة بينها الملف اللبناني، وبالتالي يمكن توقع حصول <اختراقات> معينة إذا ما كان المشهد الأمني الإقليمي يسمح بذلك، علماً ان التطورات العسكرية التي تسارعت في الأسبوعين الماضيين في سوريا والعراق على حدٍ سواء قد تؤدي الى <فرملة> التحرك الروسي في اتجاه طهران في انتظار المزيد من التطورات الإيجابية.

وعندما تُسأل المصادر الديبلوماسية الفرنسية عما إذا كانت الرياض <في جو> المساعي الفرنسية في ما خص الاستحقاق الرئاسي اللبناني، تجيب بكثير من الجدية بأن بين باريس والرياض <الخطوط مفتوحة> دائماً في الشأن اللبناني وفي غيره من الشؤون، والتنسيق يستمر بعدما أرسى <هولاند> قواعد جديدة للعلاقات الفرنسية – السعودية من خلال التواصل الدائم بين العاصمتين الفرنسية والسعودية. أي ان المصادر نفسها تسارع الى القول ان <الخطوط المفتوحة> بين باريس والرياض لا تلغي ان الدور اللبناني يبقى هو الأكثر حاجة في الوقت الراهن ليأخذ المبادرة التي تكسر الجمود القاتل في الملف الرئاسي اللبناني. أما على صعيد التواصل مع واشنطن، فلا تظهر لدى المصادر الديبلوماسية الفرنسية <حماسة> كبيرة للحديث عن <تنسيق> بين باريس والإدارة الأميركية حيال الملف اللبناني، إلا ان باريس تدرك انه في النهاية لا بد من <دمج> الجهود الفرنسية مع الجهود الأميركية للتفاهم على الحلول النهائية، لاسيما إذا تعلق الأمر بقرار سعودي معين بالتجاوب مع تسهيل إتمام الاستحقاق الرئاسي، لأن ما يمكن ان تعطيه الرياض في النهاية لواشنطن هو غير ما تقدمه السعودية لباريس!