25 August,2019

بأية أسلحة ستغزو الصين الشرق الأوسط؟!

 

بقلم خالد عوض

قيل الكثير عن الإنتخابات الأوروبية الأخيرة: صعود القومية اليمينية في فرنسا وإيطاليا وبريطانيا والمجر وحتى ألمانيا، خفوت اليمين واليسار في فرنسا لصالح حزب الرئيس <ايمانويل ماكرون> <الجمهورية إلى الأمام> ولصالح حزب التجمع الوطني برئاسة <ماري لوبين>، حضور قوي لليسار الإسباني، تنامي حجم احزاب الخضر والبيئيين… باختصار فسيفساء سياسية غير مفهومة خاصة في ظل إرتفاع نسبة الناخبين عن المرة السابقة وهذا لأول مرة منذ عقدين. ربما يكون حجم المشاركة الذي تجاوز ٥٠ بالمئة بقليل مرتفعا عن آخر إنتخابات (بلغت نسبة المشاركة ٤٣ بالمئة عام ٢٠١٤)  هو الرسالة الأهم التي بعث بها الأوروبيون عن طريق احزابهم المختلفة وذات الإتجاهات المعاكسة.

 

أوروبا لم تنته… بعد!

 

في ظل حماوة الحرب التجارية بين القوتين الاقتصاديتين الكبرتين في العالم أي الولايات المتحدة والصين، قرر الناخب الأوروبي أن يقول ان قارته لا زالت قوية وموجودة وأنه لا يرضى بأن تكون شاهدة زور على حرب تجارية وتكنولوجية طاحنة ليس فيها أي دور لأوروبا ولن تنال منها الأخيرة أي جائزة. لا تهم الايديولوجية السياسية لهذا الحزب أو ذاك، وليس الموضوع مسألة يمين أو يسار بقدر ما هو دور الدول الأوروبية في إقتصاد العالم. هل تقدر أوروبا أن تجاري الصين والولايات المتحدة في سباقهما الإقتصادي أم تكتفي بدور المتفرج؟ الأوروبيون قالوا كلمتهم وأكدوا أنهم لا يريدون لدولهم أن تبقى خارج اللعبة الإقتصادية الدولية لأن ذلك يعني تهميش دورهم في المستقبل. بعضهم قال أن استعادة أوروبا لدور عالمي فقدته بسبب الحرب الأميركية – الصينية تتحقق عبر الحمائية والقومية، والبعض الآخر تمسك بالأفكار الليبرالية والتقدمية مؤمنا أنها لا تزال قادرة على تحقيق ذلك، وجزء أخير يعتقد أن مسألة تغيير المناخ هي الأمر العالمي الطارئ والملح وفي الوقت نفسه فرصة لاستعادة أوروبا لدور ريادي عالمي. باختصار، الأوروبيون اعطوا، كل بطريقته وعبر الوسيلة السياسية التي يظن أنها الأنجع، فرصة، ربما أخيرة، لمنظومة <بروكسيل> حتى تمنع المبارزة الأميركية – الصينية الشرسة من تهميشهم وطحن اقتصاداتهم. ورغم كل الكلام عن أن الإنتخابات الأخيرة ستغير وجه أوروبا، يبدو أن الأوروبيين قرروا <الصمود> في اتحادهم وحصر الخلاف بينهم داخله لخمس سنوات أخرى. إما أن تنجح الأحزاب المنتصرة في إدارة ذلك أو تنقسم أوروبا إلى معسكرين: واحد تابع للـ<عم سام> وآخر مرتبط بـ<طريق الحرير>.

 

الأرقام الأوروبية متجهة… نزولاً!

لا يزال إقتصاد الإتحاد الأوروبي هو الثاني عالميا بعد الولايات المتحدة بناتج محلي يزيد عن ١٨ ألف مليار دولار سنويا مقابل حوالى ٢١ ألف مليار دولار للإقتصاد الأميركي وحوالى ١٣ ألف مليار دولار للصين. وحسب أرقام النمو الإقتصادي المتوقعة فإن إقتصاد الصين سيسبق الإقتصاد الأوروبي قبل عام ٢٠٢٥، هذا إذا افترضنا أن بريطانيا ما زالت جزءا من أوروبا. أما في حالة حصول <البركزيت> كما هو متوقع في نهاية تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠١٩ فسيتجاوز إقتصاد الصين الناتج المحلي الأوروبي خلال عام ٢٠٢١. هذا يعني أنه خلال سنتين سيتراجع إقتصاد ما يقارب ٤٥٠ مليون أوروبي إلى المركز الثالث عالميا مع توقعات بنمو إقتصادي يأفل سنة بعد أخرى وتغير لوجه القارة العجوز بسبب الهجرة المتصاعدة إليها. المؤشرات الإقتصادية والمالية لا تطمئن أن أوروبا بخير. البنك المركزي الأوروبي لا زال يحافظ على فائدة صفر بالمئة على اليورو بعد سنوات من التحفيز الكمي الذي تجاوز حجمه ٢٩٠٠ مليار يورو ضخت في الأسواق الأوروبية لتفعيل النمو. عدة دول أوروبية تعاني من تفاقم عجز موازنتها وتنامي دينها العام إلى أكثر من مجموع الناتج المحلي. حتى ألمانيا التي كانت تقود النمو الأوروبي بدأت تشهد بوادر ضعف في اقتصادها وضغوطاً تنافسية على صناعاتها.

التنين يأبه للمرافئ وليس للإصلاح!

 

ما يحصل في أوروبا لا يعني القارة العجوز وحدها، فتأثير تراجع الإقتصاد الأوروبي خلف الصين سيظهر عالميا بعدة أشكال، هناك مثلا دول عديدة في الشرق الأوسط تعتمد على مساعدات وقروض الإتحاد الأوروبي لتحسين أداء اداراتها وتنفيذ مشاريع إصلاحية بنيوية وتفعيل مفهوم الجودة في القطاعات الإنتاجية والحد من تفشي الفساد. لن تتمكن أوروبا من الإغداق بهذه المساعدات كما في السابق. في المقابل فإن التنين الإقتصادي الآتي لا يأبه كثيرا بكل تلك الهيكليات ولا يمانع من التعايش مع الفساد كما يحصل حاليا في أفريقيا. كل ما يهمه هو تأهيل بنية تحتية تمكنه من تصدير بضائعه وتشغيل شركاته والحصول على المواد الأولية لذلك. لا يريد التدخل لا في الأنظمة السياسية ولا في الهيكلية الإدارية للدول ومستعد للتعامل مع شياطين الفساد أينما وكيفما وجدوا. ولنأخذ المثل اللبناني اليوم. الموزانة تحت مجهر المجتمع الدولي والمانحين خاصة الأوروبيين ليتأكدوا من الإصلاحات فيفرجون عن أموال <سيدر>. بالنسبة للصين فإن منحها أو اقراضها لاحد عشر مليار دولار مثل  ما ستحصل الحكومة اللبنانية عليه من خلال <سيدر> يمكن أن يتحقق بتأجير مرفأ طرابلس مثلا لشركة صينية لمدة ١٥ عاما. لا إصلاحات ولا تخفيض عجز ولا من يحزنون. بالعكس فإن ضعف الإقتصاد يعزز حاجة الدولة المقترضة إلى مزيد من المساعدات الصينية أي إلى مزيد من التخلي عن مرافقها. نوع من الخصخصة الجبرية على الطريقة الصينية.

الإنتخابات الأوروبية رسمت صورة مبهمة لمستقبل الإتحاد الأوروبي. هل ينغلق على نفسه أو ينفتح أكثر؟ هل ينقسم أو يتفكك أم يبقى موحدا؟ كيف سيعيش اليورو، العملة الثانية في العالم اليوم، عندما تصبح أوروبا القوة الإقتصادية الثالثة بعد الصين؟ الناخب الأوروبي قال بصوت واحد: احموني من حديد <ترامب> وحرير الصين. على الدول التي تعتمد على الإتحاد الأوروبي أن تتابع عن قرب أداء النواب الأوروبيين الجدد وتعرف جيدا كيف ستحصن نفسها من تراجع أوروبا و<زعرنة> أميركا وغزو الصين.