12 November,2018

انـسـحـــاب حــــزب الله مــــن  سوريا.. حان.. لم يحن بعد!

بقلم علي الحسيني

هل-ينسحب-حزب-الله-من-سوريا؟

من الفترة الممتدة بين استقالة الرئيس سعد الحريري ومن ثم عودته عن قراره بعد وعود بتحقيق مطالبه وأهمها النأي بلبنان عن ما يجري من صراعات في المنطقة وعدم تدخله في شؤون بقية الدول وتحديداً العربية، وبين إعادة إنطلاق العمل الحكومي بزخم ومحاولة ترتيب البيت الداخلي، تسربت بعض المعلومات التي تحدثت عن قرب موعــد انسحاب حـــزب الله من سوريا رافقهــــا معطيــــات ميدانيــــة جـــاءت من أرض العـــراق عقـب إعــــلان نهايــــة تنظيم <داعش> في بلاد <الرافدين> ووصول القـــــوات العراقيــــة والجيش السوري إلى نقطة التقاء عند معبر <البوكمال>.

 

انخراط حزب الله في الحرب السورية

من لبنان كانت <رحلة> أو إنطلاقة حزب الله إلى الداخل السوري في العام 2012 وتحديداً من القرى الحدودية بعد إعلانه دق النفير العام في صفوف عناصره التحاقاً في المعارك المجنونة دفاعاً عن جمهوره وأبناء بيئته في مواجهة التنظيمات الأصولية التي قيل يومذاك إنها تسعى إلى إفراغ هذه القرى من سكانها وهم في غالبيتهم من أبناء الطائفة الشيعية، من اجل السيطرة على الحدود اللبنانية السورية التي كانت تُعتبر في ذلك الوقت، المنفذ الوحيد لتلك الجماعات للدخول إلى لبنان وفتح طريق أو ممر باتجاه البحر. وقد بدأ الحزب تدرجه في تلك الحرب، مدافعاً عن القرى ثم حماية المقامات الدينية حتّى أصبح أهم وأبرز الجهات التي تُقاتل في العمق السوري.

اليوم وبفعل قرب انهزام مشروع <داعش> في المنطقة ومواصلة العقوبات على كل من ايران وحزب الله والتناغم العربي ضد الدور الايراني والأزمات السياسية التي نجمت عقب استقالة الحريري بالإضافة إلى المعضلة الأبرز المتمثل بدعم ايران والحزب للجماعات الحوثية في اليمن خصوصاً بعد مقتل الرئيس اليمني الأسبق علي عبد الله صالح بعد انقلابه على الحوثيين، بدأ الحديث عن اقتراب موعد انسحاب الحزب من سوريا، يتردد صداه في الأروقة السياسية خصوصاً بعد تصريح للأمين العام لـحزب الله السيد حسن نصر الله أعلن فيه عن استعداد حزبه للانسحاب من العراق بعد الحاق الهزيمة بداعش <اذا وجدنا أن الأمر قد أنجز ولم يكن هناك حاجة لوجود هؤلاء الأخوة هناك سيعودون للالتحاق في أي ساحة أخرى تتطلب منهم ذلك>. وكان أكد نصر الله في التصريح ذاته، أنه و«بالتنسيق مع الأخوة في الحكومة العراقية آنذاك والجهات المعنية أرسلنا أعداداً كبيرة من قادتنا وكوادرنا الجهادية>.

دور حزب الله

من المؤكد أن حزب الله هو ركن أساسي في أي تسوية يُمكن أن تحصل في سوريا وهو حتى الساعة يبدو أنه يراقب عن كثب تفاصيل عمليات وقف إطلاق النار التي تحصل في العديد من المدن والمناطق السورية أو ما يُعرف بمناطق <خفض التوتر> القائمة على قاعدة الاتفاق الروسي- الأميركي. ومن هنا تبرز وجهتا نظر حول موضع انسحاب الحزب من سوريا: الأولى تقول إن حزب الله غير معني بكل ما يُحكى عن انسحابه تحديداً خلال الفترة الحالية، فهو يعمل بحسب أصحاب وجهة النظر هذه على مراقبة الوضع ككل عن كثب خصوصاً أن له اعتبارات خاصة تتعلق في الأصل بالإسباب التي دعته للدخول في هذه الحرب الواسعة والتي سقط له فيها الكثير من العناصر والقادة. وعطفاً على هذه الخسائر الكبيرة فمن غير المتوقع أن يترك الحزب الميادين التي قدم الدماء فيها من أجل تطهيرها لتكون عرضةً لأي تغيير طارئ في خارطة وقف إطلاق النار الذي لا يكفل أحد ما اذا كان سيستمر أو انه يسقط بعد أيام أو ساعات أو شهور خصوصاً في ظل التحذير الدولي الذي دعا حكومة-الاصرار-على-النأي-بالنفس الى التيقظ من عودة مشهد <داعش> في البلدان، وهذا ما حذر منه قائد القيادة الوسطى بالجيش الأميركي <جوزيف فوتيل> أثناء زيارته لبنان الاسبوع الماضي.

أمّا وجهة النظر الأخرى، فتقول إن قرار انسحاب الحزب من سوريا وضع على نار حامية، وأنه قد بدأ التداول فعلاً بهذا القرار، وفي كيفية اتخاذه وتنفيذه. هناك من يحدد مهلة لذلك، ويقول إنه في بداية السنة الجديدة ستبدأ الإجراءات اللوجستية لإعادة التموضع، تمهيداً للانسحاب على دفعات. وهذا بناء على توافق دولي كان قد بدأ في مؤتمر <سوتشي> الذي جمع رؤساء روسيا وإيران وتركيا، حيث شددت موسكو على وجوب سحب كل المقاتلين الأجانب من سوريا، بمن فيهم حلفاء إيران. ويقول أصحاب هذه النظرية، إن ذلك بدأ يتزامن مع زيادة الضغط الدولي والعربي على إيران وحلفائها للانسحاب من الميادين العربية، على أن يشمل الاتفاق على انسحاب المقاتلين الأجانب في التنظيمات الأخرى، لا سيما في محافظة إدلب، عبر ترتيب خروج المقاتلين المتطرفين الأجانب، والسماح ببقاء السوريين بعد إلقاء سلاحهم.

وفي إشارات على مدى جدية هذه النظرية، أن الإشارات لانسحاب الحزب من سوريا، بدأت الاسبوع الماضي مع افتتاح معبر الجوسيه بحضور المدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم وأن هذا الأمر كان بمنزلة الإشارة الأولى إلى أن حزب الله أنجز المهمة في سوريا، وأن المنطقة الحدودية أصبحت آمنة ما يسمح بإعادة فتح المعبر رسمياً. وهذه الخطوة ستمهد الطريق للحزب حين يريد إعلان الانسحاب من سوريا. وفي الوقت عينه، تفيد معلومات مؤكدة أن الحزب في حال قرر الانسحاب فعلياً من سوريا، فهو سيحتفظ ببعض المواقع العسكرية على الحدود بين البلدين أو في بعض القرى السورية أقله لفترة عام او عامين، ريثما تتبلور الأمور بشكل أوضح.

 

كلام لقادة حزب الله

نصر الله كان نفى إرسال أسلحة إلى كل من اليمن والبحرين والكويت، وذلك على ضوء اتهامات خليجية بدعمه المتمردين الحوثيين وتدخله في الشؤون الداخلية لدول عربية عدة، جازماً أننا لم نرسل سلاحاً لأي بلد عربي، لا صواريخ باليستية ولا أسلحة متطورة ولا حتى مسدساً. وكذلك نفى أي علاقة لحزبه بالصاروخ الباليستي الذي تبنى الحوثيون في اليمن إطلاقه باتجاه الرياض قبل أن تعترضه الصواريخ السعودية في 4 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي. هذا الكلام فسره البعض على أنه بداية طريق لتراجع الحزب عن بعض القرارات التي كان اتخذها ومن ضمنها انخراطه المباشر في الحرب اليمنية. وعلى خط متواز، أكدت معلومات لـ<لأفكار> أن عودة الرئيس الحريري عن استقالته، جاء بعد تعهد من الحزب ببذل أقصى الجهود للانسحاب من العراق أولاً ثم اليمن ثانياً من دون الدخول في نقاش بما يتعلق بالحرب في سوريا وتدخله فيها.

كلام نصر الله كان سبقه كلام لنائبه الشيخ نعيم قاسم قال فيه: <إن العقوبات الأميركية على حزب الله تنبع من موقف عدائي ضد سياسات الحزب في <التحرر الوطني> ومحاربة <الإرهاب> الإسرائيلي والتكفيري. وأشار إلى أن سحب قوات حزب الله مرتبط بالحل السياسي في سوريا وبالقضاء على الإرهاب. وتوقع استمرار الحكومة اللبنانية الحالية حتى الانتخابات النيابية المقبلة. وأكد أن إيران لا تتدخل في شؤون لبنان. البعض فسر كلام قاسم، على انه تأكيد بأن الأمور ذاهبة نحو الأفضل خصوصاً في ما يتعلق بسياسة الحزب القائمة ودوره في الحروب الدائرة في المنطقة. وعطفاً على كلام نصر الله وقاسم، فقد رجحت تقارير فرضية انسحاب الحزب ما نسبته من 60 في المئة من مقاتليه من مختلف المناطق السورية، على أن ينتهي وجود الحزب بشكل نهائي مع بداية العام المقبل 2018، مع الإبقاء على عدد محدود من القادة الميدانيين في بعض المحاور، لكن بالوقت نفسه، وبحسب المعلومات، سيحافظ على بعض المناطق الحدودية نظراً لحاجته اليها في ظل مخاوف من اعتداء هل-وحد-نصرالله-الجبهات-ضد-اسرائيل؟اسرائيلي على لبنان يحتاج معه الحزب الى الامداد.

ومن هنا، يرى متابعون ان حزب الله سيلتفت بعد العودة العسكرية الى تنظيمه الداخلي لتجديده على كافة المستويات، بما يشبه إعادة هيكلة بعد هذه التجربة التي امتدت على مدى أربع سنوات.

قلبنا الميمنة على الميسرة

مما لا شك فيه بأن تدخل حزب الله في سوريا كان له الاثر البالغ والقوي في بقاء الرئيس السوري بشار الاسد في الحكم وإلا لكان شأنه شأن بقية الرؤساء الذين اطاح الربيع العربي بهم مثل الرئيس الليبي معمر القذافي والتونسي زين العابدين بن علي واليمني علي عبد الله صالح والمصري حسني مبارك، والجميع يُدرك ان الاسد كان قبل تدخل الحزب قاب قوسين أو أدنى من الرحيل خصوصاً بعد وصول المعارضة المسلحة في العام 2013 بقيادة الجيش السوري الحر الى مشارف القصر الجمهوري في دمشق ذلك قبل أن يُصدر المرشد الايراني السيد علي الخامنئي أمره الالزامي بمنع سقوط الاسد مهما كلف الامر، فكان الاعلان الرسمي الاول للحزب بأنه أصبح طرفاً اساسياً بهذه الحرب، ويومئذٍ القى احد قادة الحزب من الصف الاول كلمة خلال لقاء خاص مع كوادره وعناصره من ضمن ما جاء فيها <لقد قلبنا الميمنة على الميسرة بعدما كاد أن يضع الاسد رجل على أول سلم الطائرة لمغادرة سوريا>.

كما وأنه بغض النظر عن التعليقات او الانتقادات التي تخرج من هنا وهناك حول سلاح حزب الله ودوره في الداخل والخارج او الاجندة التي يحملها هذا الحزب منذ نشأته وحتى اليوم، وبغض النظر عن التجاوزات التي ارتكبت تحت راية هذا السلاح ومظلته في الداخل والخارج أيضاً، إلا أن الكُل يُجمع على قوّة هذا الحزب السياسية والعسكرية وقدرته على مُجاراة خصومه والوقوف من الند الى الند في وجه اعدائه. وفي الوقت عينه، لا يتجاهل الحزب جبهة جنوب لبنان، تحسباً لأي خطوة إسرائيلية قد تتخذ في هذه اللحظة، في محاولة من الإسرائيليين لاستدراج الرئيس الاميركي المُنتخب <دونالد ترامب> إلى ما يريدونه.

مصادر مقربة جداً من حزب الله، تؤكد لـ<الأفكار>، أنه لن تكون هناك انسحابات حتى تنجلي الازمة الى نهايتها. فالحزب موجود الآن على الحدود العراقية – السورية، وانسحابه غير وارد، الا إذا أخذ البعض بعين الاعتبار ما اورده الروس من أن موسكو ستنسحب نهاية العام 2017. ونتيجة هذه المعلومة اعتقد البعض أن حزب الله قد يحذو حذو الروس. وتقول المصادر <ان الكلام عن اعادة هيكلة  داخل الحزب هو كلام كبير، مرتبط بقرار تنظيمي داخلي، لا يمكن أن يسرّب إلى الخارج، وهو قرار بغاية السرية، والانضباط. أما إعادة التنظيم فهو أمر دأبت عليه قيادة حزب الله من خلال تغيير في مسؤولية المناطق والقيادات المتوسطة، من خلال ترفيع هذا او نقل ذاك، وهو أمر تنظيمي اعتيادي. وعندما نتحدث عن اعادة هيكلة فهذا يبدو وكأن الحزب يحتاج الى اعادة بناء. علماً أن التطوير جارِ على قدم وساق، وتسمى تشكيلات، وليس <هيكلة>، التي تعتبر شروعاً بالتغيير من الرأس نزولاً، وهو تعبير خاطئ. اما اعادة النظر فهو أمر طبيعي، نظراً للانجازات المتراكمة بعيد الحرب في سورية>.

الخزعلي-عند-بوابة-فاطمة 

نصر الله يوحد الجبهات

 

ما تقدم بشأن اسرائيل يعني، ان الفترة المقبلة ستكون حافلة على الصعيد السياسي وربما العسكري في لبنان وسوريا والمنطقة، وهي من شأنها أن تحدد ما ستؤول إليه الأوضاع في المنطقة، وإذا ما كانت ستتجه نحو التهدئة والحلول السياسية، أم نحو استمرار التصعيد العسكري، لكن بشكل أعنف هذه المرة خصوصاً وأن طرفي النزاع هذه المرة هما اسرائيل وحزب الله وهذا ينعطف على ما قاله نصر الله منذ أشهر عن توحيد الجبهات، وفتحها على بعضها البعض. فلدى وصول الحشد الشعبي العراقي إلى الحدود مع سوريا، والسيطرة على أبرز المعابر، أدخل نصر الله الحشد في معادلة الصراع مع إسرائيل، إذ اعتبر أن وصل الحدود العراقية السورية ببعضها البعض، وتوفير هذا الخط الآمن، يشكلان تحولاً استراتيجياً في مسار الصراع. حينذاك لوّح نصر الله بأن أي حرب قد تندلع، لن يكون الحزب وحيداً فيها، ولن تقتصر الجبهة على جنوب لبنان، إنما ستفتح جبهة من الجنوب السوري، وكذلك سيكون هناك تحرك من جهة العراق إلى شرق سوريا وصولاً إلى جنوبها، استناداً إلى مقاتلي الحشد الشعبي.

وعلى خط اعلان نصر الله حول توحيد الجبهات، صبّت زيارة الأمين العام لعصائب أهل الحق العراقية قيس الخزعلي إلى الجنوب في السياق نفسه. فـ<الفيديو> الذي سرّب حول زيارة الخزعلي لبوابة فاطمة الحدودية، والذي ظهر فيه وهو يتوعد إسرائيل، جاء بعد أيام من إدانة نصر الله واستنكاره الخطوة الاميركية باعتبار القدس عاصمة لإسرائيل. وهذا يعني أن ايران وحزب الله، ما زالا ممسكان إلى حد كبير، بالورقة العسكرية في المنطقة وان كل ما يُحكى عن انتفاء الدور الايراني بعد الانسحاب من سوريا، ليس له أي مكان على أرض الواقع الملتهبة. والأهم أن زيارة الخزعلي جاءت بعد انتهاء القتال ضد تنظيم <داعش> في العراق ما يعني بكل تأكيد، أن دور الفصائل العراقية لم ينتهِ بعد،  بل ربما سيتطور ليشارك في قتال إسرائيل، وللتركيز على مواجهة إسرائيل في المرحلة المقبلة.

وفي السياق أيضاً، فإن جولة الخزعلي بحد ذاتها على الحدود مع فلسطين المحتلة، تعني أن المرحلة المقبلة ستشهد تركيزاً على جبهة فلسطين، وربما ذلك يأتي لتمهيد الطريق أمام العودة من سوريا. وهذا ما يعني أن أي تطورات على الساحة السورية تفرض انسحاب الحزب من هناك، تكون خلفيتها مبررة ومدعمة بأن التحضير لمواجهة إسرائيل هو الغاية بعد التطورات الأخيرة التي حصلت خصوصاً وأن الكثير من الكلام يدور حول أن الحزب وقيادته، لم يُسقطوا من حساباتهم، العمليات العدائية التي نفذتها اسرائيل ضدهم سواء داخل الاراضي السورية، أو عند الحدود.