20 November,2018

”انـجلـيـنــــا جــــولي“ ومـــــرض الـسرطـــــان يـرتـديــــــان ثـوبــــــــاً مـسـرحـيـــــــاً بـاســــم ”جـولـيــــــــــا“!

بقلم عبير انطون

5-(4)-------1

شكّل <تياترو فردان> الذي فتح ابوابه منذ حوالى السنة تقريباً عند جادة رشيد كرامي المعروفة بابنيتها الشاهقة ومتاجرها الراقية ومجمعاتها التجارية الكبيرة رهانا حيويا لدى يحيى جابر المسرحي <الشعبي> الذي لم يخطئ في تقديره. فالشارع الذي اطلقت عليه تسمية <فردان> تيمناً بالمعركة الحاسمة في الحرب العالمية الأولى والتي تحظى بمكانة خاصة في ذاكرة الفرنسيين بعد ان كلفت عشرات آلاف الضحايا، بحاجة الى متنفس فني يقدم العمل القريبة من الناس. طرح جابر الفكرة على المؤسسين فأقنعهم وانطلق قطار العمل سريعاً وبنجاح على سكة أعمال مسرحية منها <بيروت.. طريق الجديدة> (35 ألف مشاهد) الى <بيروت فوق الشجرة> (مستمرة منذ 9 اشهر) وغيرها من العروض الفنية الناجحة.

الاسبوع المقبل يستقبل <تياترو فردان> <جوليا>.. فمن هي <جوليا> وماذا ستقدم؟

يحيى جابر، مؤلف مسرحية <اسمي <جوليا>> مخرجها ومنتجها يفتح اوراق المسرحية مع بطلتها انجو ريحان قبل ان تفتح ستارة انطلاقها الاحد المقبل.. فماذا عن المسرح والمسرحية؟

مع جابر بدأنا بالحديث عن <تياترو فردان> قبل ان يحتفل بعد شهرين بمرور سنة على افتتاحه ويقول:

 – <اعتبر الخطوة موفقة جداً>،.. ففي وقت تقفل فيه المسارح افتتحنا نحن واحداً وأضأنا خشبة وهذا امر مهم في تاريخ المسرح اللبناني. برأيي ما من أزمة مسرح كما يشاع دائما، وليس هناك أزمة جمهور، على الأقل من جانبي، انا هنا اتكلم عن نفسي فالعمل الجيد يصمد، والمسرح انواع وكذلك جمهوره. <تياترو فردان> مسرح شعبي بالمعنى الراقي للكلمة، المعنى النبيل البعيد عن <الزقاقية>. لا نهبط بمستواه وفي الوقت عينه لا نتعالى على الناس. وكان ينقص لمنطقة فردان خشبة تعرض عليها انواع مختلفة من الاعمال.

 ــ وهل يشبه <مسرح فردان> سكان المنطقة، وغالبيتهم من الطبقة الميسورة؟

بابتسامة يجيب جابر:

– الجمهور ليس من اهل فردان وحدها مع محبتنا لهم، فهو جمهور مفتوح على جميع المناطق، وفي هذا المسرح عرضنا <بيروت فوق الشجرة> ومن قبلها <بيروت – طريق الجديدة> وغيرها من الفعالياتوالاحتفالات الراقية.

ــ وماذا عن <اسمي <جوليا> العمل المقبل الى <التياترو>، عم تدور القصة وهل لاسم <جوليا> دلالات معينة؟

يجيبنا جابر بعد ان يضحك مطولاً على تحليلنا لاختياره اسم <جوليا>، والتي كانت بالمناسبة اسماً لأحد آخر أعاصير <كارولينا الجنوبية> في الولايات المتحدة مؤخراً مخلفة وراءها خراباً كبيراً فيقول:

– لم اقصد بها ما حللتموه عن ارتباط الاسم بقرى الجنوب وبالمقاومة وبغناء جوليا بطرس.. لا ليس هذا، ولا هي العاصفة التي شغلت الاعلام مؤخراً. <جوليا> اسم عادي وانا احبه، وهو اسم مسيحي وليس شيعيا ومن تحمل اسم <julie> تكون جميلة بالعادة اخترته بهذا المعنى، وقد يكون ايضا تحية لـ<انجلينا جولي> التي عانت هي ايضا من مرض السرطان والذي تتناوله قصة <جوليا> في مسرحيتي، فقد اجرت <انجلينا جولي> عملية استباقية استأصلت فيها الثديين خشية من السرطان بعد ان اخبرها الاطباء بان نسبة اصابتها به عالية.. باختصار <انا اسمي <جوليا> ستشكل عاصفة من الرقة والفراشات واللون الزهري. هي مسرحية كوميدية – زهرية عن امرأة، عرفت صعوبات عدة، بينها اصابتها بسرطان الثدي.

ويشرح جابر قصة بطلته بتوسع اكبر:

– تتناول المسرحية قصة <جوليا>، سيدة جنوبية تنتقل للعيش في برج البراجنة على ساحل المتن الجنوبي وتصاب بالسرطان، هذا المرض الذي خشي مخرجون كثيرون من التطرق اليه على المسرح، علما انه موضوع يستحق المعالجة. تطرقت اليه بجرأة ولعبته انجو ريحان بنجاح بعد معاناة كبيرة. فالفنانة انجو فقدت والدتها بالمرض الخبيث وخالتها كذلك وكان صعبا عليها جداً تقبل الدور والدخول فيه. عاشته حتى العمق حتى انها سارعت لاجراء الفحوصات التي اكدت سلامتها الحمد لله. لعبت انجو ادوارا كثيرة على المسرح سابقا الا ان اداءها في هذا العمل مخيف في نص مرعب وواقعي، وهو منقول عن معاناة صديقة لي اخبرتني تجربتها مع المرض..

5-(12)--------3

انجو.. والثلاثون شخصية!

ونسأل جابر:

 ــ انجو ريحان، الممثلة التي عرفناها ناجحة جداً في البرنامج الكوميدي <ما في متلو> وفي اكثر من دور درامي وسينمائي أبرزها <وهلأ لوين> مع نادين لبكي، كيف وقع عليها الاختيار؟

– لقد استدرجتها، يقول جابر من دون ان يخفي <خديعته>. كذبت عليها في الفترة الاولى محاولاً ان اجرّبها، طارحاً عليها عملاً آخر. اكتشفت ما بداخلها من خبايا واماكن لم يصلها احد وأبدعت.

ويزيد جابر:

 – لم يكن التعامل مع انجو ريحان سهلاً وكنت اتحايل معها اولا على الموضوع، إذ لم يكن الجهاز الهضمي الفني لديها مهيئا وبعد ان <هضمت> الموضوع اجادت فيه. وهي تمتلك طاقات هائلة، وقد لزمتها تجربة اخراجية معينة كانت اشبه بـ<الملاكمة>، ومع محبتي لعملها في التلفزيون الا انها على المسرح تمتلك منجماً من الشخصيات والمشاعر المكبوتة التي لم يظهرها احد قبلاً وهي تقدم في هذا العمل بمفردها أكثر من ثلاثين شخصية. اعتقد انها ستشكل <صدمة> كبيرة في المسرح اللبناني وسيكون لها صدى هائل.

– هل ستكون المسرحية <الزهرية> موجهة للنساء حصراً؟ وكيف لها ان تكون كوميدية مضحكة وهي تتناول موضوع السرطان؟

– المسرحية موجهة بالاخص للنساء الشجاعات، من دون ان نغفل اهمية وجود الرجل طبعا. فيها الدمع الحارق اذ من الواضح انه لا يمكن التطرق الى مثل هذا الموضوع فقط من باب المرح. هو وجع مضن يعني كل فرد منا، الا انه وجع من ضمن اوجاع اخرى حول الهوية والانتماء والخبث في العلاقات الاجتماعية والخبث المتبادل بين اللبنانيين ومعاناة المرأة ومصارعتها للمجتمع الشرقي فتحكي عن حبها الاول وعن عذريتها وعن زواجها، وهي المرة الاولى التي ابتعد فيها عن اسقاطات سياسية خطرت في بالي اثناء الاعداد لهذا العمل الا انني دونتها وتركتها لمسرحيتي المقبلة.

 ولما اشرنا لجابر بأن سرطان الثدي قد يصيب الرجال ايضا ولو بنسبة اقل بكثير من النساء اجابنا من دون استغراب: <السرطان رجل> بكل الاحوال.

 

هجمة نسائية!

بغير <جوليا>، اكتسحت السيدات خشبات المسرح في <وان وومن شو> مؤخراً في عروض اديْنها من دون رجال على الخشبة، او انها اقتصرت على مجموعة من النساء في بطولتها، فقد شاهدنا مؤخرا مسرحية <قفص> مع المخرجة لينا ابيض في نص لجمانة حداد عن خمس نساء يعرين انفسهن ويبحن بما يتعرضن له، وقبلهن ندى ابو فرحات في <الست بديعة> لـ<جيرار افيديسيان>، وكانت سبقتها <الست لميا> مع رلى حمادة، وأيضا <الست نجاح والمفتاح> مع عايدة صبرا، واليوم <جوليا> مع انجو ريحان وغيرهن بعد.. فهل للامر دلالة معينة؟

 هذه الملاحظة اكد عليها جابر معتبراً اياها <ظاهرة> الى حد ما قد يكون لها تفسيرها <الانتاجي>. فشح الانتاج قد يؤدي الى اختصار الاعمال على ممثل واحد ويبدو ان الممثلات اكتسحن الساحة مؤخرا مع التأكيد على <فردية> و<نهج> مختلف بين العمل والآخر.. وهذه الموجة ايضا قد تفسر بحسب جابر هجمة حركة نسائية مسرحية لبنانية نزل هو ايضاً في <معمعتها> بين النساء، كما اكد مبتسما. وعلى ذكر الانتاج اكد جابر ان مسرحية <انا اسمي جوليا> من انتاجه فلا <سبونسور> يرعى عمله <لا <سبونسور> مصاري ولا طائفي ولا مذهبي ولا من يحزنون>.

 

<البلوكاج>.. والقوة!

5-(14)---------2

انجو من ناحيتها لم تخفِ عن <الأفكار> القلق الذي عاشته اثناء العمل وخلال التدريبات، فخوفها من موضوع السرطان الذي خبرته في قلب بيتها مع والدتها لم يكن سهلاً. <لقد عانيت لمدة اربعة أشهر تقريباً حتى دخلت اعماق النص والشخصية>. وتشرح <جميلة> <ما في متلو>:

– النص رائع، مشغول بدقة متناهية، بالتفاصيل الحياتية. فلا ادعاء ولا ابتذال وكأنه حديث بين جيران الحي الواحد، او تلصص من شخص يراقب من خلف الشباك ما يجري في احد البيوت. عملنا على النص وكان طويلا في تفاصيله ما جعلنا نختصر، كذلك دخلنا في تفاصيل الشخصيات. تجربتي الخاصة مع هذا المرض من خلال والدتي جعلتني <اقفل على ذاتي> فأصابني نوع من <بلوكاج> في اول فترة. لم استطع ان افكفك الشخصية في البداية الى ان وصلت الى قعر روحي في العذاب، ولكن وبعد الكثير من الجهد حولت الانكماش الى طاقة فأضحى عنصر قوة.

وعن تمسك المؤلف والمخرج جابر بنصه ورؤيته خاصة وان انجو تتعاون معه للمرة الاولى ومدى سماحه ببعض التغييرات تؤكد البطلة على <الاخذ والعطا>. <فمن تجربتي الخاصة هناك صور مطبوعة لم استطع ان امحوها من مخيلتي والا ادخلها في الشخصية، ويعرف المخرج ذلك تماماً فكان بعض ما ادخلته من تجربتي اغناء للنص وفي خدمة الشخصية من دون الخروج طبعا عن السياق العام>.

انجو المعتادة على العمل من ضمن فريق، فريق من المحترفين كما في برنامج <ما في متلو> او في غيره، لم تنفِ كونها سعيدة بتجربتها الفردية على المسرح على مدى ساعتين الا ربع تقريباً. فالعمل من ضمن فريق له جماليته ويخلق تفاعلا حلوا بين الممثلين الا ان وجود الممثل مع نفسه، امامها فقط، فيه لذة تحمل مسؤولية النجاح كاملا، فلا خوف من <قشطة> الممثل المقابل او عدم تفاعله.. تؤكد انجو ان التحدي هنا اكبر، وما تبين لها من العروض المحدودة التي قدمتها كتجربة لحلقة ضيقة من المقربين والاصدقاء ان ردود الفعل ايجابية جداً حول العمل نصاً واخراجاً واداء متكامل العناصر.

موعد انطلاق المسرحية في الخامس والعشرين من الشهر الجاري في <تياترو فردان> يصادف الذكرى الخامسة لرحيل والدة انجو، تماماً كما صادف اطلاق فيلم <هلأ لوين> الذي شاركت فيه مع نادين لبكي يوم وفاة الوالدة، وكأن المحطات الاساسية في مسيرة انجو الفنية تترافق مع المحطات المفصلية لمسيرة والدتها.

في <اسمي جوليا> لا تؤدي انجو شخصية <جوليا> فقط فهي ستلعب ادوار الرجال ايضا من زوجها الى والدها وجدها وصديقها الخ. لعب الادوار الذكورية لم يشكل لديها اية عقبة، فلكثرة العمل على النص وتفاصيله باتت مفاتيح جميع شخصياته سهلة عليها من دون ان تلجأ الى التغيير في شكلها وملابسها.. فـ<الرجولية او الذكورية ليست لباساً بل طريقة و<كاراكتير>.

تختصر انجو العمل مع يحيي جابر بالقول انه <تجربة حياة> بكل ما للكلمة من معنى.. اما مكان العرض <تياترو فردان> فتؤكد انجو ان هذا المسرح يشق طريقه بقوة ليبلغ مستوى رفيعا، فالجمهور بات يعرفه ويرتاده خاصة مع اعمال يحيى جابر وهو يشبه <مترو المدينة> في شارع الحمرا من حيث المقاعد الموزعة فيه بطريقة تتيح للجميع المشاهدة بوضوح والاستمتاع بجوّ حميم وكأن كل متفرج يعانق الخشبة بين ذراعيه.