24 October,2017

انسحــــاب حــــزب الله مـــن الجـــــرود الشرقيـــــة واحتمـــال العــــدوان علــــى لبــــنان مــن منظــــور عسكـــــري!

1
أعلن حزب الله في الأسبوع الماضي انسحابه من الجرود الشرقية المتاخمة لسوريا وسلّم المواقع التي كان يشغلها للجيش اللبناني الذي انتشر هناك، في خطوة طرحت أكثر من علامة استفهام، وتزامنت مع تقديم الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله اقتراحاً لمعالجة المشكلة الأمنية في جرود عرسال ورأس بعلبك والقاع، يقضي بالتفاوض مع المسلحين المنتشرين هناك من <داعش> الى <النصرة> أو ما أصبح يعرف باسم <فتح الشام>، لاقناعهم بالانسحاب الى مناطق ادلب أو اي مناطق متاخمة للحدود التركية، خاصة وان المنطقة أصبحت ساقطة عسكرياً بعدما بات الجيش السوري يمسك بكل الجرود المتاخمة للبنان من الجهة الشرقية على إثر نجاح المصالحات في الزبداني ومضايا وسقوط القابون، فيما ربط البعض انسحاب حزب الله باحتمال حصول عدوان اسرائيلي على لبنان بتغطية اميركية، لاسيما في عهد الرئيس الجديد <دونالد ترامب>، ما جعل الحزب يسحب 3 آلاف عنصر من المنطقة الشرقية ليحصن مواقعه جنوباً بعدما استنفدته هذه الجبهة والتفرغ لمواجهة أي عدوان اسرائيلي محتمل، لاسيما وأن هناك ضغوطاً مورست على حزب الله للانسحاب وتسليم المواقع للجيش اللبناني مع انتشار الجيش السوري على الحدود والذي أصبح على تماس مع عناصر حزب الله أساساً، بالتزامن مع الخطة الاستراتيجية الاميركية الروسية لضبط <داعش> داخل الحدود السورية وقيام المناطق الأمنية الأربع.

فكيف يقرأ المحللون العسكريون الاستراتيجيون هذه الخطوة من منظور عسكري وأمني؟ وما هي التوقعات باحتمال حصول عدوان اسرائيلي على لبنان؟!

<الأفكار> التقت العميد الركن المتقاعد الدكتور هشام جابر والعميد الركن المتقاعد الياس فرحات وحاورتهما على هذا الخط.

والبداية مع العميد جابر الذي قال حول انسحاب حزب الله من السلسلة الشرقية بأنه إعادة تموضع وانتشار لقوات حزب الله في سوريا، لأن بقاءه هناك لم يعد ذات جدوى بعدما أصبح على تماس مع الجيش السوري المنتشر هناك بعد إجراء المصالحات في القرى المتاخمة للحدود اللبنانية. وسيبقى حزب الله في أماكن أخرى حيث تكون هناك ضرورة لبقائه، لاسيما في القصير التي تعتبر مدخل البقاع في سوريا، وكذلك في العاصمة دمشق والجنوب السوري حتى يتم تنفيذ الاتفاق الذي جرى بخصوص المناطق الآمنة ومن يتولى التنفيذ، لكنه قد ينسحب أيضاً من حلب وحماه، وبالتالي فالخطوة التي قام بها حالياً هي إعادة تموضع أولي نحو زيادة هذا الانتشار بحسب ما تفرض الأوضاع الميدانية على الأرض، ولا لزوم في تقديري لوجود بين 700 وألف مسلح في المناطق الشرقية المتاخمة للبنان طالما ان المسلحين انسحبوا من هناك، ويمكن له أن يستفيد من هذه العناصر في أماكن انتشاره الأخرى.

وعما إذا كانت الخطوة مرتبطة بالتهديدات الاسرائيلية واحتمال تحصين مواقعه جنوباً قال:

– لا… إسرائيل لن تقوم بعدوان على لبنان، وهي كل صيف تهدد لبنان لكنها ليست قادرة على القيام بعدوان، وهي تقوم كل سنة بمناورات وتدرس كيفية الرد على هزيمتها أمام حزب الله عام 2006، لكنها تكشف أن الدفاع الصاروخي الاسرائيلي غير كافٍ إطلاقاً رغم أنه يتحسن سنة بعد سنة، وإذا كان لدى حزب الله مئة ألف صاروخ كما تقول هي، فإن إطلاق مئة صاروخ تستطيع اسرائيل وقف 30 صاروخاً منها فقط، فيما الباقي يصل الى أهدافه ولا يمكن لأحدث الصواريخ الاسرائيلية أن تدمرها.

وأضاف:

– هذا أولاً، وثانياً فإن وصول صاروخ واحد الى حيفا كفيل بإحداث كارثة بيئية إذا أصاب مستودعات <الأمونيا>، والسيد حسن نصر الله سبق وقال <وبعد ما بعد حيفا> لأنه كان من المقرر ضرب حيفا عام 2006، لكن التدخلات الدولية حالت دون ذلك، إنما اليوم إزاء أي حرب لا تعود هناك خطوط حمراء وستضرب حيفا، وما بعد بعد حيفا، يقصد مفاعيل <ديمونا> في النقب. وثالثاً فالدفاع المدني الاسرائيلي ضعيف، وسنة 2010 قامت اسرائيل بمناورة للمدنيين وكشفت أنها غير جاهزة بهذا الخصوص أيضاً، ولم تتحضر كفاية لأنها كانت تقاتل على الدوام خارج أرضها.

وتابع يقول:

– وإذا حصلت أي حرب فإن أي هجوم اسرائيلي يتم التصدي له من خلال عبور وحدات من حزب الله للقفز فوق الحدود واحتلال مستعمرات الجليل الأعلى واتخاذ هذه المستوطنات كرهائن، بحيث لا يستطيع الطيران والمدفعية ضربها، لا بل تشل حركتهما إلا إذا تم تهجير مليون ونصف مليون مستوطن من هذه المستعمرات، وبالتالي إذا سمعنا أن اسرائيل طلبت من المستوطنين في الخليل الانسحاب، فهذا معناه التحضير لعدوان على لبنان.

عرسال وسياسة <ترامب>

وعما إذا كان الأمر مرتبطاً بإنهاء ظاهرة انتشار المسلحين في جرود عرسال ورأس بعلبك والقاع بعد إطلاق السيد حسن نصر الله مبادرة الانسحاب هؤلاء المسلحين عبر التفاوض قال:

– وجود الارهابيين في جرود عرسال وجوارها أصبح دائماً، ولأجل القضاء عليه الآن من خلال التصدي له عبر عملية عسكرية ستكون صعبة جداً، وهذا ما يتطلب قراراً دولياً خاصة وان السلسلة الشرقية تتضمن أودية القلمون والزبداني وهي تدخل ضمن المناطق الآمنة التي تم التوافق عليها بين الدول الثلاث الراعية لهذا الاتفاق وهي: روسيا وتركيا وايران، وإنما انسحاب حزب الله لن يكون كاملاً من هناك وسيتم الإبقاء على عناصر في نقاط استراتيجية لمنع تسلل المسلحين نحو الجانب اللبناني أو العكس. وما طرح السيد نصر الله إلا من قبيل إبداء الاستعداد للقيام بتسويات على غرار مضايا والزبداني وهو اختراق لحلقة مفرغة ومبادرة مهمة، لكنني أشك بقبول المسلحين بهذا الأمر لا بل بالعكس، فهذه التنظيمات إذا تكثفت العمليات عليها في الداخل السوري، لا بد أن تنسحب الى لبنان خاصة والمناطق القريبة هرباً من طلعات الطيران الروسي أو السوري أو التحالف إذا حصل، وينتظر المسلحون كيف ستكون الامور بعد تنفيذ اتفاق المناطق الآمنة، إنما في المحصلة فإعادة انتشار حزب الله عمل إيجابي وخطوة ذكية لأن المجتمع الدولي يطالب حزب الله بالانسحاب وهو اليوم ينسحب من هذه المناطق ويسلمها للجيش اللبناني.

وعما إذا يمكن لإسرائيل شن حرب بإيعاز من الإدارة الأميركية الجديدة التي تميل الى هذا الاحتمال وتغطي العدوان. قال:

– صحيح ان سياسة <ترامب> هجومية، لكن روسيا والمجتمع الدولي يريدان محاربة <داعش>، وبالتالي أي حرب في المنطقة ستتحول الى حرب اقليمية تشمل سوريا وحزب الله، وبالتالي لا مصلحة للمجتمع الدولي في نشوب حرب إقليمية طالما ان الهدف هو قتال <داعش> لأن المستفيد من هذه الحرب ستكون التنظيمات الارهابية. أضف الى ذلك أن حرب 2006 كانت حرب اميركية بأدوات اسرائيلية وانتهت بالفشل واسرائيل تعلمت الدرس ولن تكرر هذه التجربة، وستطلب الثمن أو انها لن تستمع الى الإدارة الأميركية إذا طالبتها بشن عدوان، وبالتالي فالحرب غير واردة وحزب الله أساساً مستعد لها وهو موجود في الجنوب دون أي ظهور، ولم يخرق القرار 1701 التي تخرقه إسرائيل على مدار الساعة، ولا يحتاج الى عناصر اضافية لسحبها من سوريا لمواجهة هذا التهديد.

2

فرحات يشرح الدوافع

أما العميد فرحات فقال بداية:

– لكي نفهم خطوة حزب الله بتفكيك مراكزه في الجانب اللبناني في السلسلة الشرقية في جبال القلمون، يجب أن نفهم لماذا دخل حزب الله الى هذه المنطقة عام 2013، بعدما سيطر تنظيم <القاعدة> في بلاد الشام <جبهة النصرة> على الجانب السوري من الحدود اللبنانية – السورية من القلمون وفي غربي حمص، ما شكل خطراً كبيراً على لبنان يماثل الذي مثلته <داعش> فيما بعد عند دخولها محافظات العراق، وذلك لكي يمنع تنظيم <النصرة> أو ما يسمى اليوم <فتح الشام> من الدخول الى سهلي البقاع وعكار، كما دخل <داعش> الى سهلي الأنبار ونينوى في العراق، وجرى قتال كبير ضد هذا التنظيم الذي طرده حزب الله من غربي حمص ومن مناطق أخرى في جبال القلمون، الى أن حصلت المصالحة الأخيرة في مضايا والزبداني وكفريا والفوعة والتي تم بموجبها إعلان السلطات السورية أن منطقة مضايا والزبداني أصبحتا منطقتين آمنتين من المسلحين، وبالتالي لم تعد هناك ضرورة عسكرية لوجود حزب الله في الجانب اللبناني. ولذلك قام حزب الله بسحب عناصره من هناك واحتفظ ببعض القوات في الجانب السوري للتثبت من عدم حدوث أي تسلل من التنظيمات الإرهابية تجاه لبنان.

وعما إذا كان الامر مرتبطاً باتخاذ قرار بحسم معركة عرسال وجوارها قال:

– منطقة عرسال تضم جروداً من جهة الشمال باتجاه قارة والجيراجير ورأس بعلبك والقاع ينتشر فيها تنظيم <داعش> وباتجاه جرود عرسال ينتشر تنظيم <القاعدة> في بلاد الشام والمنطقة ينتشر فيها الجيش اللبناني عسكرياً ويشرف على كل التلال الحاكمة ويشاغل بالنار الارهابيين بين فترة وأخرى، وهذه المهمة يقوم بها الجيش لوحده، ولذلك أعتقد أن الجيش مسيطر عسكرياً، لكنه من الناحية الأمنية غير مسيطر تماماً، لا في مدينة عرسال ولا في مخيمات النازحين وعددها 16 مخيماً تضم حوالى مئة ألف نازح وهم خارج سلطة الدولة اللبنانية. وبالتالي فالجيش يقوم بواجبه على أكمل وجه بالإمساك عسكرياً بالمنطقة ويتطلب جهوداً من قبل قوى الأمن والمجتمع المدني من أجل إحباط عمليات إرهابية في تلك المنطقة.

وعما إذا كان الجيش قادراً على الإمساك بكل الجرود الشرقية بعد تسلمه مراكز حزب الله قال:

– طبعاً، فهذه المهمة ليست خطيرة، بل هي مهمة حراسة عادية ليس كما الوضع في عرسال حيث تنشب اشتباكات يومية بين الجيش والارهابيين.

وعن مبادرة حزب الله بانسحاب المسلحين من جرود عرسال والجوار قال:

– انسحاب حزب الله هو نوع من نموذج المصالحة الذي اعتمدته السلطات السورية، لاسيما في وادي بردى  والزبداني ومناطق أخرى، وهو يعرض اليوم على المسلحين المنتشرين في الأراضي اللبنانية بأن يغادروا المنطقة بسلاحهم الى إدلب وتعود المنطقة الى سلطة الدولة، والسيد حسن نصر الله عرض الأمر لتفادي القتال، وهذا العرض من الممكن أن يلاقي الصدى المطلوب لأن المنطقة أصحبت محاصرة و<داعش> و<النصرة> تحت الحصار ولا امل لهما بالقتال ومراكزهم بعيدة عن محافظة حمص وبادية الشام ولا أمل لهم بتحقيق أي تقدم عسكري.

وعما إذا كان انسحاب حزب الله مرتبط باحتمال حصول عدوان اسرائيلي على لبنان قال بالتزامن مع فتح الجبهة الأردنية كما أوحى البعض وقيام الرئيس الاميركي <دونالد ترامب> بزيارة السعودية لتجييش العرب ضد حزب الله ورفع الغطاء عنه وإعطاء ضوء أخضر بالعدوان قال:

– الغطاء مرفوع عن حزب الله منذ زمان، والعدوان الاسرائيلي غير وارد بسبب الردع المتبادل بين اسرائيل وحزب الله، وإذا شنت اسرائيل عدواناً على لبنان تدرك تماماً أنها ستخسر كثيراً، ولذلك فهذا الردع هو الذي يمنع العدوان وليس شيئاً آخر.

وختم قائلاً:

– السبب الأساسي هو عدم الحاجة لهذه القوات في تلك المنطقة، ويمكن استثمار هذه القوات والاستفادة منها في تعزيز القوات لردع أي عدوان اسرائيلي أو تعزيز القوات في مكان آخر أو لاستراحة المحاربين، ويمكن لحزب الله حسب الأولويات التي يراها أن يستعمل هذه القوات التي أخليت من تلك المنطقة.