24 September,2018

انتهى عصر الاقتصاد الريعي في لبنان!

 

بقلم خالد عوض

alain-hakim  

العلاقات اللبنانية – الخليجية في العناية الفائقة وربما بحاجة إلى تدخل جراحي سياسي داخلي في لبنان، ولا أحد يعتقد أن البلد وأطيافه السياسية يمكن أن يتحملوه.

المالية اللبنانية يجب أن تدرس كل الإحتمالات، بما فيها مزيد من التدهور في العلاقات مع الخليج واستمرار الحال كذلك لمدة غير قصيرة. هناك ثلاثة موارد أساسية من الخليج تأثرت أساسا بانخفاض أسعار النفط وستتأثر بازدياد مع استمرار حالة <الزعل> الخليجي:

التحويلات المالية من اللبنانيين العاملين في الدول الست والاستثمارات الخليجية المباشرة وغير المباشرة وأخيرا الإنفاق الخليجي في لبنان. التحويلات بدأت بالتراجع منذ سنة وهي تتراجع أساسا بسبب انخفاض أسعار النفط، ولذلك يجب التعامل مع العجز الناتج في ميزان المدفوعات من جراء هذا التراجع بغض النظر عما ستؤول عليه العلاقات اللبنانية – الخليجية. أما بالنسبة لتضاؤل الاستثمارات الخليجية والإنفاق في القطاع السياحي فقد امتصه الاقتصاد إلى حد كبير خلال السنة الماضية.

باختصار، ميزان المدفوعات يمكن أن يشهد عجزاً بأكثر من ٥ مليار دولار هذه السنة مما يعني ضغطا كبيرا على الليرة اللبنانية. ولكن الإحتياطي المالي لمصرف لبنان قادر على التصدي لهذا العجز لعدة سنوات، ولذلك فرغم الضغط الكبير الذي سنشهده، ليس هناك خطر وشيك، ولكن هناك تبعات أخرى لكل ذلك يجب التنبه لها. في المقام الأول هناك إمكانية لارتفاع نسبة البطالة بسبب شح فرص العمل في الخليج للخريجين الجدد وعودة بعض اللبنانيين من هناك، وهذا سيشكل عبئاً كبيراً على الاقتصاد سيكون من الصعب التعامل معه.

يُضاف إلى ذلك صعوبة نمو الودائع المالية في المصارف اللبنانية مما سيؤثر على قدرتها التمويلية للدولة. هذا يعني أن الحكومة يجب أن تبدأ بالبحث عن مصادر خارجية لتمويل خدمة الدين وعجز الخزينة، مع كل ما سيواكب ذلك من شروط قاسية وفرض إصلاحات هيكلية على الإدارة العامة.

يجب الإقرار أن المشكلة مع دول الخليج ليست هي اصل البلاء الاقتصادي الذي يعاني منه البلد منذ <الطائف>، لا بل يجب الاعتراف أن مكارم دول الخليج وتحويلات اللبنانيين سمحت لنا بالاستهتار اقتصادياً وعدم بناء اقتصاد قادر على النهوض بنفسه. صحيح أن البلد يفتقد الموارد الطبيعية كما يقول زياد الرحباني في مسرحيته <بالنسبة لبكرا… شو؟>، ولكن هناك أمثلة اقتصادية كثيرة تذكرنا بالتقصير الفادح الذي ارتكبته الحكومات المتعاقبة منذ <اتفاق الطائف> وحتى قبل الحرب اللبنانية عام riad-salameh١٩٧٥.

التفكير السائد على الدوام كان بأن نحول لبنان إلى <كازينو الشرق> وبلد السياحة والانشراح ونصدر طاقاته إلى الخارج. ومع تراجع أسعار النفط، وظهور ملامح جدية لفترة مقاطعة اقتصادية خليجية يمكن أن تأخذ عدة أشكال كما يمكن أن تطول، لا بد من إعادة النظر في الهيكلية الاقتصادية للبلد والبحث في خطة عشرية تنقلنا من الاقتصاد الريعي المعتمد على الخارج إلى الاقتصاد الذاتي القائم على الكفاءات البشرية اللبنانية. يمكن أن يقال أن هذا الكلام نظري ولا يمكن تطبيقه، ولكن يكفي النظر إلى دول مثل سنغافورة التي تبلغ مساحتها أقل من ٨٠٠ كيلومتر مربع ولا يزيد عدد سكانها عن الخمسة ملايين ونصف المليون نسمة، للاقتناع أنه يمكن للبلد أن يتمتع باقتصاد ديناميكي مكتفي ذاتياً. والدليل بالأرقام أن الناتج المحلي لسنغافورة التي تشكّل ٨ بالمئة من مساحة لبنان يناهز الـ٣٠٠ مليار دولار أي أكثر من سبعة أضعاف ناتج لبنان. صحيح أن سنغافورة كان لديها قياديون ذوو رؤية واعتبرت الفساد العدو الوطني الأول وعرفت كيف تنأى بنفسها عن الصراعات، بينما كل ذلك غير متوفر في لبنان، ولكن الخطر الاقتصادي يجتمع اليوم مع الخطر الأمني والفشل السياسي والدستوري لتشكيل فرصة لبناء لبنان مختلف اقتصادياً، وبالتأكيد أفضل مما كنا نريد تحقيقه.

لــــيس الــــوقـت وقـــــت تحـــــسر عــلى عقود من الاستهتار الاقتصادي ومن الاعتماد على الغير، إنه وقت التخطيط للمستقبل في ظل أزمة لا يمكن التعامل معها بالكسل نفسه الذي اعتدنا عليه.