20 November,2018

انتخــاب العمــاد عـون شكل اختراقــاً للحلقــة المفرغــــة وأثبت ان المطـبــخ اللبنانــي يمكنــه أن ينتــج رئيســاً!

 

بقلم هشام جابر

aoun-tree-1  

يقترب العام الجديد، ويسأل الكثيرون في لبنان والمنطقة، وربما في العالم: هل هنالك من جديد يحمله العام الجديد؟ أم أنه سيكون كالسنوات العجاف التي مرت؟ والجواب هو نعم بلا شك ولا ريب. فما حصل من تغييرات، سواء في التحالفات أو في التطورات، الميدانية في العراق وسوريا، وإنتخاب رئيس أميركي جديد هو <دونالد ترامب>، لم يكن في الحسبان، ورئيس جديد مرتقب في فرنسا يختلف كلياً عن سلفه في السياسة الخارجية، وتحديداً الشرق أوسطية. وانتخاب الرئيس ميشال عون بعد سنتين ونصف السنة من الفراغ الرئاسي، وهذا على سبيل المثال لا الحصر. أستقرئ بأن العام المقبل سيختلف عن ما سبقه.

بدايةً، من لبنان، حيث يجمع المراقبون بأن انتخاب الرئيس العماد ميشال عون، شكل اختراقاً، أو ما يُسمى بالإنكليزية <Break Through> لحلقة مفرغة.

إذ فجأة، حلت كافة العقد وأُثبت أن المطبخ السياسي اللبناني، يمكنه أن ينتج رئيساً. ولم يكن أمام الناخبين الإقليميين والدوليين، إلا المباركة، ووضع الملح والبهار على الطبخة اللبنانية. إلا أن الأيام التي تلت انتخاب رئيس الجمهورية، أثبتت أن ذلك ليس نهاية الأزمة، بل خطوة أولى على طريق الجلجلة، أو الجهاد الأكبر، الذي وصفه رئيس المجلس النيابي نبيه بري، بأنه تشكيل الحكومة. وكأنه يقول: <لقد عارضنا انتخاب الرئيس عون، إلا أننا لم نعطل الاستحقاق. فتفضلوا وشكلوا حكومة دون مشاركتنا أو إرضائنا>

 فدخل لبنان لجة إستحقاق آخر. والغريب أو المستغرب، أن الحكومة العتيدة التي قدر الجميع عمرها المرتقب، منذ تاريخ إنتخاب الرئيس بستة أشهر، خسرت من عمرها شهراً، وربما ستخسر شهراً آخراً، لأن ولادتها مستعصية، حتى بعملية قيصرية. فالتجاذب على الحقائب والحصص، غير منطقي، وغير مبرر في المنطق الوطني.إنما مفهوم في المنطق السياسي، لهذه الطبقة التي تحكم لبنان منذ الطائف، وتتقاسم الغُنم، دون الغبن، الذي تُرك حصة للشعب على اختلاف فئاته. فحصص الطوائف، هي لأمراء الطوائف، وليس لجمهورها.

 وبينما تبادل الاتهامات بالتعطيل، يطال الجميع ويذكر بكلام الفيلسوف البريطاني <برنارد شو> الذي قيل له إن إثنين من معارفه يتهمان بعضهما البعض بالفساد والسرقة فقال: <كلاهما على حق>!!!

فبعد أن تفكك ما سمي بـ14 آذار، وتصدع ما سمي بـ8 آذار، وبعد أن جير حزب الله موقفه الحكومي للرئيس بري، بعد أن كان الناخب الأول للعماد عون، نراه يُتهم مع رئيس المجلس بتعطيل مسيرة العهد. ويصبح المكون الشيعي، ربما لوحده في مواجهة الطائفة السنية، التي يمثلها الرئيس المكلف سعد الحريري، والمكون المسيحي الذي يمثل أغلبية جمهوره التحالف الماروني بين القوات والتيار الوطني الحر.

وتقول أوساط رئيس المجلس، <الناطق الرسمي> بإسم الثنائية الشيعية، إننا ولو قبلنا التساهل بالحصة العددية المنطقية، فعلى الأقل، يجب احترام حجمنا البرلماني، بنوعية الحقائب الوزارية.

عون-حريريويقول أحدهم متهكماً: <إذا كانت القوات اللبنانية، ولديها ثمانية نواب، تطالب بثلاثة وزراء، وبعملية حسابية بسيطة، وبالتوزيع العادل، ربما يلزمنا حكومة تحوي أكثر من 60 وزيراً>.

فهل ستبصر حكومة عتيدة إنتقالية النور قبل نهاية العام؟ سؤال وجيه. وماذا لو بقي التجاذب؟ فهل يقدم رئيس العهد ومعه الرئيس المكلف بإعلان حكومة بمن يرغب، وبمن حضر؟ فقطار العهد قارب على الإنطلاق، وربما تأخر، والمقاعد محجوزة للجميع. ومن رغب بالمشاركة في الرحلة، عليه الإسراع قبل إطلاق الصفارة، وإلا فسيبقى على رصيف المحطة.

وإذا كانت حكومة الأمر الواقع، وبمن حضر، تضم سياسيين يمثلون كتلاً، وتستبعد آخرين تطرحهم <الكتلة الممانعة>، فماذا عن حكومة تكنوقراطية، لا لون سياسياً لأعضائها، إنما هم محترمون في أوساط بيئتهم، ولا يمكن لأمراء طوائفهم نبذهم، أو إنكار إنتمائهم؟ ثم، ماذا عن حكومة عسكريين ربما، متقاعدين، ولمدة أربعة أو خمسة اشهر ينجز بها قانون انتخاب جديد، وتشرف على إنتخابات ديمقراطية، أكثر نزاهة، ثم ترحل؟

يعتقد بعض العارفين بمزايا ومزاج وخبرة الرئيس عون، أنه لن ينتظر نهاية العام. بل سيأتي كـ<بابا نويل> بهدية الميلاد للشعب اللبناني، وبحكومة شرعية، مهما كان شكلها ومحتواها.

ويرى أكثر المراقبين، ونحن منهم، بأن التجاذب، وعض الأصابع، والخلاف على اللحاف، وتقاسم الكعكة، سيقطع الأصابع، ويمزق اللحاف، ويفسد الكعكة، لأن تفشيل العهد الجديد قبل بدايته، هو تدمير للصيغة، وضرب لوثيقة الوفاق الوطني، ومعها اتفاق الطائف، الذي لا بديل عنه حتى الآن. وربما سيؤدي بالضرورة إلى مؤتمر تأسيسي يمكن أن ينتج مثالثة مرفوضة من الجميع حالياً، لأنها ستنتج لبناناً آخراً، يمكن أن يدمر الكيان بأسره، حيث لا عودة إلى الوراء مضمونة النتائج.

أمام العهد الجديد في العام الجديد، تحديات كبيرة لا يمكن حصرها. أولها الفساد، وإعادة بناء الدولة، وإحياء مؤسسات فؤاد شهاب، التي شلت واغتصبتها صناديق طائفية، مذهبية يلفها الفساد. ثم دعم وتجهيز المؤسسة العسكرية، لمواجهة التحديات الإقليمية وإستعادة ممتلكات الدولة وحقوقها إلخ..

وهذه لا يمكن تحقيقها إلا بقانون انتخاب عصري، وانتخابات نزيهة تنتج برلماناً أكثر تمثيلاً. تكون أولى مهامه إنتاج وإقرار وحماية سلطة قضائية مستقلة، تحاسب الكبير قبل الصغير.

وبالعودة إلى المؤسسة العسكرية، المؤسسة الوطنية ربما الوحيدة التي صمدت في مرحلة التفكك السياسي، دون إغفال المؤسسات العسكرية والأمنية الأخرى، يؤكد المقربون من رئيس الجمهورية، أنها ستكون من أولى إهتماماته، عديداً، وعتاداً، وتنظيماً. ونؤكد من معرفتنا الوثيقة بالرئيس عون، أنه سيسعى لدى المجلس الجديد، إلى إعادة قانون خدمة العلم. وبناء استراتيجية دفاعية، واضحة، يكون الجيش <القادر> نواتها.

وقد ذكرتُ أمامه مرة في لقاء خاص، أنه، وفي أيام المكتب الثاني في ستينات القرن الماضي، كان يؤخذ على الجيش تدخله في السياسة، فجاء الرئيس الراحل سليمان فرنجية، وقضى على المكتب الثاني، واستبدل الأمر والواقع بتدخل السياسة في الجيش، وهذا ما أدى إلى انهياره وتفككه، خلال الحرب الأهلية. لذا، فنعتقد أن الرئيس عون، لن يسمح لا بهذه ولا بتلك.

ولن يؤخذ باللوائح المقدمة من قبل السياسيين، لتزكية المرشحين لمدارس الضباط، كما يحصل حالياً، والحديث عن رشى تدفع وأسعار ترتفع.

وهنالك أكثر من خطة واستراتيجية، وبرامج لتجهيز الجيش، بميزانية وصندوق خاص، وقبول هبات، من أية دولة صديقة، دون شروط سياسية، كما حصل بالهبات السعودية، والإيرانية، والروسية التي لم تر النور أي منها.

وعلى صعيد المنطقة، مما لا شك فيه، بأن التقدم الميداني ضد الإرهاب، والمجموعات المسلحة، في كل من العراق وسوريا، ستظهر نتائجه على الأرض في العام القادم بصورة جلية. فإعادة شرقي حلب إلى سلطة الدولة السورية، المتوقع قبل مطلع العام المقبل، يعني الكثير . فأهمية حلب ليست عسكرية، أو إقتصادية، أو جغرافية، أو استراتيجية فقط، بل كل ما ورد أعلاه. لأنها أحد القوائم الثلاث، التي ترتكز عليها وحدة سوريا هي العاصمة، والساحل وحلب أياً كان النظام، فإذا بقيت هذه القوائم قائمة ولم تكسر إحداها، يصعب الحديث بعدها عن تقسيم سوريا.

وصحيح أن لا حل عسكرياً في المسألة السورية، وأن عقارب الساعة لن تعود إلى الوراء، إنما وقد تعب العالم الغربي من هذه الحرب، وبدأت تداعياتها تصل إلى داخله، إرهاباً ولاجئين، لا بد وأن يذهب الجميع إلى جنيف 4، بجدية وواقعية، أكثر من ما سبق. حيث هنالك تغيير الوفود، والمقاعد، والشروط، والعوائق.

أما في العراق، فتحرير <الموصل> و<نينوى> الآتي بلا ريب، سيدفع بتنظيم <داعش> إلى الإنسحاب إلى البادية السورية، موسعاً دولة <الخلافة> في الرقة.

وسيتحول من تبقى من <التنظيم> في العراق، إلى مجموعات إرهابية صغيرة، تعمل تحت الأرض، لإطلاق <الذئاب المنفردة>.

أما على الصعيد الدولي والإقليمي، فالمؤشرات تنبئ بأن هنالك تغييرات دراماتيكية مرتقبة في سياسات الدول المعنية، لا بد وأن تترجم تغييراً في الميدان العسكري والسياسي، سواء في سوريا أو العراق، مما سيظهر جلياً في العام القادم.

فالخلاف الروسي التركي الذي تحول إلى مصالحة، سيصل حتماً إلى حدود التحالف. ووصول الرئيس الأميركي <دونالد ترامب> إلى رئاسة الإدارة الأميركية، سينقل الدور الأميركي من سياسة المراوحة في عهد الرئيس الأميركي <باراك أوباما>، أو سياسة المجابهة مع موسكو، لو وصلت <هيلاري كلينتون>، إلى سياسة التفاهم مع موسكو التي أعلنها <ترامب> صراحة، وتعيين الجنرال <Flin> مستشاراً للأمن القومي، وهو المعروف بمعاداته للتنظيمات الإسلامية المتطرفة، وكان أُبعد عن منصبه السابق كرئيس للمخابرات العسكرية بسبب هذا الموقف، سينقل حتماً استراتيجية أميركا، وبالتالي التحالف الدولي اتجاه <داعش>، من خطة <الإحتواء> <to contain> إلى سياسة التدمير والاستئصال.

ثم إن توقع وصول <فرانسوا فيون> إلى الرئاسة الفرنسية في العام المقبل، يصب عملياً، وميدانياً، وإستراتيجياً، في المسار عينه.

وبالعودة إلى لبنان، صحيح أن العهد الجديد سيجد أمامه تحديات جمة لا حصر لها، داخلياً وخارجياً، إلا أن البدء بالعد العكسي للحرب السورية، بعد ست سنوات، سينعكس إيجاباً على الوضع اللبناني. فالكلام الجدي عن إعادة إعمار سوريا، والأرقام التي تصل إلى 400 مليار دولار، سيكون للإقتصاد اللبناني نصيبٌ منها. كون لبنان مع تركيا، يشكلان الجسر أو المعبر الإلزامي لمرور لوجستية إعادة الإعمار بين دول الجوار السوري.

وكي لا نقع في خطأ رفع سقف التفاؤل، سيبقى الإرهاب خطراً على لبنان، إلى حين استئصاله، وهذه عملية تتجاوز ربما العام المقبل. إلا أن التصدي الناجح له حتى الآن، سيزداد مناعة وقوة، مع عودة الدولة، ودعم مؤسساتها العسكرية، والأمنية، والتفاهم الدولي على عدم انزلاق لبنان إلى الهاوية.

وحيث أن السبب الأول لعدم انزلاق لبنان إلى الحروب الأهلية في السنوات الماضية، بات معروفاً، وهو أن كافة الدول المعنية بالشأن السوري، سواء مع النظام السوري، أو معادية له، كانت ولم تزل، تعتبر الساحة اللبنانية، قاعدة إنطلاق وتلقي سياسياً، ولوجستياً، واستخباراتياً، ومصرفياً، وإعلامياً، وأن دخول لبنان في الفوضى، سيفقدها هذه <القاعدة> التي لا بديل عنها، إقليمياً، وجغرافياً، وسياسياً.

ويتوقع المراقبون، أن يبقى هذا التفاهم قائماً في العام المقبل، بل سيزداد قناعة وإصراراً. وما يؤكد ذلك التفاهم الدولي، والإقليمي مؤخراً، على انتخاب الرئيس العماد عون رئيساً للجمهورية، بعد أن بات الفراغ الرئاسي يهدد الاستقرار المنشود.

هذا هو رأينا بكل بساطة، وإن غداً لناظره قريب.

وأخيراً، وليس آخراً، وبعودة إلى التجاذب السياسي حول الحقائب الوزارية، أذكر أنه، في نهاية سبعينات القرن الماضي، كتبنا مقالاً في مجلة <الجندي اللبناني>، بعنوان <الخلاف على اللحاف>، مستوحى من حكاية للراحل سلام الراسي، وهي أن أربعة أشخاص تاهوا في أحد الجبال في ليلة باردة جداً، فوجدوا غرفة لجأوا إليها، وبها لحاف قديم يمكنه تدفئتهم معاً، إلا أنهم باشروا بتجاذب أطراف اللحاف الذي تمزق إرباً.إنتهت الحكاية.

والمقصود القول، إن إقرار التجاذب يولد تعطيلاً، وبالتالي ربما تمزيق النسيج الوطني المهترئ أصلاً.

من يعرف العماد الرئيس ميشال عون، يعرف أنه رجل صبور.. <ومن صبر ظفر>.