21 November,2018

انتخابات لبنان النيابية تحدد وجه مستقبل المنطقة!

 

بقلم خالد عوض

saad

الإشارات الآتية من منتدى <دافوس> تفيد أننا مقبلون عام ٢٠١٨ على نمو اقتصادي عالمي قياسي. الأسباب التي يذكرها الخبراء الاقتصاديون وحتى السياسيون كثيرة. منهم من يعزو النمو إلى إرتفاع سعر النفط الذي ناهز السبعين دولاراً للبرميل لأول مرة منذ ثلاث سنوات. والبعض يقول أن النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة سيزداد زخما مع سياسة تخفيض الضرائب التي اقرها الكونغرس منذ اسابيع. كما يفسر البعض الآخر ما يحصل باستمرار البنك المركزي الأوروبي في سياسة التحفيز الكمي. آخرون يدلون على النمو العالي والمستقر في الصين وآسيا بشكل عام. ولكن الكل مجمع أن السبب الأول للنمو المستمر هو المستوى المنخفض للفوائد أو ما يسمى بالسياسة النقدية المرنة. وحسب المؤشرات الأولى للتضخم في الولايات المتحدة التي تظهر أنه على إرتفاع، يبدو أن رفع الفوائد على الدولار سيستمر هذه السنة، كما أكد رئيس الإحتياطي الفيدرالي الأميركي المعين جديدا <جيروم باول>. اذاً سيكون عام ٢٠١٨ عام رفع الفوائد بامتياز.

 

لبنان… الأزمة و… الطوفان

هذا المنحى النقدي هو أسوأ خبر بالنسبة الى لبنان، فبالإضافة إلى زيادة الفاتورة النفطية وبالتالي الإرتفاع الكبير المتوقع في عجز مؤسسة الكهرباء، هناك عجز الموازنة المنتفخ أساساً بسبب زيادة الإنفاق كما هناك تسارع في وتيرة نمو الدين العام بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ لبنان. وفي ظل استمرار التواضع في النمو الاقتصادي، والذي لا أفق لإرتفاعه مع الأزمات السياسية المتتابعة ومع الضبابية الملازمة للانتخابات النيابية، يدخل البلد في أزمة مالية خطيرة فالدين العام سيتجاوز قريبا الثمانين مليار دولار ويبدو أنه سينهي ٢٠١٨ بأعلى من خمس وثمانين مليار دولار أي بزيادة حوالى سبعة مليارات دولار عن سنة ٢٠١٧. آخر ما كان ينقص البلد هو إجراءات جديدة من الأميركيين ضد حزب الله ستهدد بعض المصارف اللبنانية وتؤثر على تصنيف لبنان السيادي. المشكلة أن الوعي السياسي لكل ذلك شبه معدوم، وتصرف السياسيين عندنا – كلهم بلا إستثناء – يؤكد أن قناعتهم <الوطنية> الأولى هي <أنا و…بعدي الطوفان>. في وضع مالي كالذي يمر به لبنان، المفروض أن نشهد حالة طوارئ اقتصادية وليس ملهاة دستورية مضحكة مبكية كل هدفها شد العصب الانتخابي.

الشمعة في النفق

 

رغم كل ذلك تؤكد الأحداث حول لبنان أن النموذج اللبناني التعددي وغير القمعي لا يزال أصلح مثل تعايش في المنطقة العربية لا بل في الشرق الأوسط. هذا لا يعني أن النظام السياسي في لبنان ناجح أو صالح للتعميم ولكن النسيج الإجتماعي والتمسك الشعبي الكامل بالحريات يجعل البلد في حالة استقرار نسبي يمكن البناء عليه وإصلاح العيوب الكثيرة التي تشوبه، خاصة إذا جرت الانتخابات النيابية وتمكنت من إنتاج بعض التغيير في الوجوه، والعقول، الحاكمة حاليا. فتركيا <اردوغان> في حالة سياسية لا تحسد عليها، متوغلة في الحرب السورية، ومتخبطة في تحالفاتها الخارجية، وقلقة داخليا بسبب موجات التذمر المتزايدة من <الأحادية الأردوغانية> في الحكم ومن القمع المتأتي منها. الرئيس المصري السيسي لا يريد منافسة في الانتخابات الرئاسية المصرية ومصير المرشحين ضده السجن أو المنفى. الحرب في سوريا تدخل عامها السابع من دون أفق للحل. العراق في زوبعة سياسية داخلية من الصعب أن تنهيها الانتخابات النيابية المقبلة. الحرب في اليمن لا زالت تستنزف الجميع في دول الخليج. إيران تواجه أزمة داخلية كبيرة رغم نجاح النظام في ضبط الشارع. المثل الوحيد الموجود لتعددية حقيقية تتجذر فيها الحريات العامة هو لبنان. إنه الضوء الوحيد في الظلام السياسي والاقتصادي المحيط بنا من كل حدب aounوصوب. هل يكفي ذلك لبناء وطن بنظام مستدام؟ من الأرجح لا، ولكن حجر الأساس لهكذا وطن، أي الحرية والتعددية، موجود فقط في لبنان.

الانتخابات: بداية أو نهاية أو تجديد… للموجود؟

الكل ينظر إلى الانتخابات النيابية في ٦ ايار (مايو) المقبل على أنها محطة مهمة على طريق التغيير والإصلاح و…التجديد. البعض يؤمن أنها ستشكل بداية حقبة سياسية جديدة لأن الناس ستقترع للتغيير. هناك من يعتقد أنها ستكون نهاية لبعض الزعامات التقليدية لأن حجمها السياسي سيتقلص. ولكن هناك إحتمال كبير بأن تذهب الناس للخيار الأسهل أي الإنجرار وراء المنطلقات المذهبية والمناطقية بعيداً عن الاعتبارات الوطنية، فتجدد للطبقة السياسية الحالية التي لا زالت تحكم وتتحكم بالناس منذ أربعين سنة فيما لم تأت إلا بثمانين مليار دولار من الديون وبالظلمة والنفايات والفروقات الطبقية القياسية. ولكن البعد الأكبر للانتخابات اللبنانية هو إقليمي، فإذا نجح اللبنانيون في إنتاج بعض التغيير وتمكنوا من الخروج من القمقم الطائفي والإقطاعي، فإنهم سيخطون بذلك رسالة مهمة إلى باقي الشعوب العربية ويمكن أن تبدأ كرة التغيير الحقيقي من عندنا.

المجتمع الدولي سيراقب الانتخابات النيابية اللبنانية عن كثب لأنها ستؤكد له إن كان هناك أمل ممكن في شعوب المنطقة أم أنها تستأهل كل مصائبها السياسية والاقتصادية طالما أنها لا تعرف تحديد مصلحتها وأولوياتها الوطنية ولا تملك بوصلة للمستقبل…

إذا جدد اللبنانيون، أعلام الحرية والتعددية في المنطقة، لمن اوصلهم إلى أسفل مستوى اقتصادي على مدى أربعين عاما، فعلى لبنان والعالم العربي السلام!