20 November,2018

انتخابات الجنوب: حيوية سياسية ولا مفاجآت والاقتراع تراجع عن 2010

ارسلان جتبلاط
لم تحمل العملية الانتخابية في الجنوب الأحد الماضي مفاجآت غير متوقعة، سواء في دوائر محافظة الجنوب، أو في دوائر محافظة النبطية، وأتت نتائج الانتخابات البلدية والاختيارية على نحو ما كان متوقعاً باستثناء بعض المفاجآت في عدد من البلدات والقرى، والخروقات التي أصابت اللوائح المدعومة من الأحزاب، أو تلك التي تدعمها العائلات والزعامات التقليدية. ولعلّ الميزة الأبرز التي طبعت العملية الانتخابية جنوباً هي حيويتها السياسية على رغم وجود <لوائح – محادل> خصوصاً في البلدات التي يغلب عليها الطابع الشيعي، إذ ظهرت <الثنائية الشيعية> بين حزب الله وحركة <أمل> متماسكة في غالبية هذه القرى، وإن حصلت استثناءات في بلدات تقدّم فيها حزب الله على <شريكته> حركة <أمل> التي نجحت هي الأخرى في تجاوز الحزب في بلدات معينة، فإن هذا الأمر لم يؤثر على التنسيق الذي قام بين الحزب والحركة في أكثر من مدينة وبلدة، خصوصاً أن التزكية شملت 43 بلدة وقرية شيعية (من أصل 178 بلدية) وامتدّت <عدوى> التزكية الى نحو 15 بلدة غالبية سكانها إما من المسيحيين أو من الدروز. لكن ذلك التنسيق لم يحل دون تعبير كثيرين عن <انزعاجهم> من الصيغ المعلبة للوائح، فسجلت حركة تشطيب لافتة.

أما لدى الطائفة السنية، فقد بدا واضحاً منذ البداية أن معركة صيدا هي <ام المعارك> حيث بلغ التنافس أشدّه بين اللائحة المدعومة من تيار <المستقبل> واللائحة المدعومة من <التنظيم الشعبي الناصري>، لتحمل الصناديق في ساعة متقدمة من الليل نبأ فوز لائحة الحريري بهية<المستقبل> برئاسة محمد السعودي على اللائحة المنافسة، ما كرّس مرة أخرى حضور <التيار الأزرق> والنائب السيدة بهية الحريري، في وقت غاب الرئيس سعد الحريري عن المدينة قُبيل العملية الانتخابية وخلالها ليحضر ليلاً ويهنئ الفائزين ويعد بزيارة أخرى مطوّلة تعوّض عن غيابه. ويمكن القول أن صيدا هي الآن عاصمة تيار <المستقبل>.

في المقابل، لم تتمكن <الثنائية الدرزية> التي أنتجت توافقاً في بعض قرى جبل لبنان أن تعمم هذه الظاهرة، إذ دخلت حاصبيا وقراها الدرزية في تنافس انتخابي حاد تمكّن فيه الحزب التقدمي الاشتراكي من تسجيل تقدّم على الحزب الديموقراطي اللبناني في حاصبيا، فيما تقدّم الأخير في عين قنيا وأسقط لائحة الاشتراكي. وأظهر مسار المواجهة بين الجنبلاطيين والارسلانيين أن ذيول المواجهة التي حصلت في بلدة الشويفات قبل أسبوعين تفاعلت في حاصبيا، خصوصاً بعد انسحاب مرشحي الحزب الديموقراطي ودعم أنصاره للائحة المستقلين والعائلات التي خرقت اللائحة المدعومة اشتراكياً بعضو واحد.

جزين.. نيابة وبلديات

أما على الجبهة المسيحية، فإن تحالف الأحزاب المسيحية بين التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية والكتائب وأنصار الوزير السابق ادمون رزق، فقد خاض منافسة قوية على محورين: الأول المقعد النيابي الماروني الذي شغر بوفاة النائب ميشال الحلو، والثاني المجلس البلدي في عاصمة القضاء. وإذا كانت التوقعات صحت بفوز مرشح <التيار> المدعوم من الأحزاب (أمل أبو زيد) بالمقعد النيابي، ليكمل بذلك عدد أعضاء مجلس النواب الـ128 ويكون النائب الوحيد المنتخب، فيما الـ127 الآخرون استمروا في مواقعهم النيابية بفعل التمديد، فإن ما دار بهية الحريريحول انتخابات المجلس البلدي من مواجهات حادة، أدى الى حدوث خرق رباعي للائحة المدعومة من الأحزاب، وأبرز الخاسرين كان رئيس اللائحة والرئيس السابق لبلدية جزين خليل حرفوش الذي أظهرت الأرقام خسارته على صوتين. وبذلك كرّس رئيس تكتل التغيير والإصلاح العماد ميشال عون زعامته الجزينية مدعوماً من القوات اللبنانية من دون أن يحجب زعامة شابة يمثلها المرشح إبراهيم عازار نجل النائب السابق سمير عازار الذي أثبت حضوره في صناديق الاقتراع على المقعد النيابي الشاغر، وفي أقلام الاقتراع للمجلس البلدي في المدينة على الرغم من افتقاده لدعم الأحزاب المسيحية من جهة، ولدعم معلن من الرئيس نبيه بري الذي أعطى الحرية للناخبين الشيعة في خياراتهم من جهة ثانية، أما في القرى الجزينية الأخرى، فكان للعائلات التي حظيت بدعم من الأحزاب، التأثير المباشر في نتائج الانتخابات. وهذا الواقع انسحب أيضاً على القرى المسيحية في قضاء الزهراني، لاسيما مغدوشة التي نافست لائحة الأحزاب، لائحة العائلات على نحو حاد.

وتُظهر قراءة أولية للانتخابات البلدية والاختيارية في الجنوب، أن التنافس الذي ظهر في عدد من القرى والبلدات جعل نسبة الاقتراع مقبولة، إذ بلغت 48,15 بالمئة (في مقابل 52 بالمئة في الانتخابات البلدية العام 2010)، والنسب الأعلى سُجّلت في قضاء قرى صيدا – الزهراني إذ بلغت 57,50 بالمئة، يليه قضاء جزين 53 بالمئة، وقضاء صور 49 بالمئة، وقضاء النبطية 49 بالمئة، وقضاء حاصبيا 47 بالمئة. أما النسب الأقل فقد سُجلت في صيدا 44 بالمئة، وقضاء بنت جبيل 43,50 بالمئة، وقضاء مرجعيون 43,20 بالمئة. ويتضح أن النسب الأعلى سُجلت في البلدات والقرى التي تضم غالبية سكان من المسيحيين، في حين ان النسب المتدنية سُجلت في البلدات والقرى الشيعية. إلا أن واقع التصويت في أقلام الاقتراع وتوزعه طائفياً ومذهبياً والذي تصدره وزارة الداخلية لاحقاً، سيظهر توزع أصوات المقترعين ويقدّم صورة أدق لخيارات الناخب الجنـــــوبي مـــن مختلــــــف الطوائف.

 

<الثنائية الشيعية>… توحّدت وافترقت

علي بزيوتعيد مصادر معنية تراجع نسبة الاقتراع في القرى والبلدات الشيعية الى القرار السياسي الذي اتخذته <الثنائية الشيعية> بالائتلاف في غالبية المناطق الجنوبية التي يملكان فيها نفوذاً وازناً، خصوصاً أن الجنوب أخذ وقته في إنضاج اللوائح أكثر مما كان عليه الوضع في البقاع، وإن كان هذا الائتلاف <تعثر> في عدد من القرى الجنوبية خصوصاً في إقليم التفاح، ورغم تنامي ظاهرة التشطيب في ما وُصف بـ<تمرّد> لعدد من المعترضين إما على تركيب اللوائح، وإما على تجاهل عائلات وقيادات محلية كما حصل في جويا والبازورية. كذلك بقيت قرى خارج <التحالف الشيعي> وتواجه فيها أنصار حزب الله وحركة <أمل> مثل زبقين وحاريص وتبنين. إلا أن الثابت أنه على رغم تراجع نسبة الاقتراع الشيعي، فإن معظم القديم بقي على قدمه في غالبية البلدات الشيعية مع فارق بتغييب مرشحين لمصلحة آخرين من دون  أن يدخل معترضون على نهج المقاومة على أي من البلديات. وثمة من يرى من المراقبين أن الالتزام بخط المقاومة كان بادياً بقوة حتى بين المتنافسين في مختلف البلدات، لأن الخلافات السياسية لا تطاول الموقف الثابت والمؤيد للمقاومة.

الأحزاب اليسارية موجودة

وفي هذا السياق، تقول مصادر متابعة للعملية الانتخابية، ان جميع الذين اقترعوا يوم الأحد الماضي من مؤيدين للوائح <الثنائية الشيعية> أو معترضين عليها، ظلوا تحت سقف المقاومة، لاسيما لوائح الأحزاب اليسارية التي نشطت في المعركة بشكل لافت، لاسيما الحزب الشيوعي، وبعض هذه الأحزاب اليسارية تحالف مع أحد طرفي <الثنائية الشيعية> لأسباب محلية بحتة كما حصل مثلاً في عيترون وطيردبا ومعروب وغيرها، فيما خاض التحالف اليساري الانتخابات في مواجهة <الثنائية> محمد السعوديفي نحو 18 بلدة. واللافت في هذا المجال، أن الحزب الشيوعي اللبناني لعب دوراً مزدوجاً، فهو واجه <المحادل> في قرى، وتحالف مع بعضها في قرى أخرى، وأفسح في المجال أمام تبادل أصوات عندما أبقى بعض لوائحه غير مكتملة، فضلاً عن <تعاون> في بلدات أخرى ولو على مستوى فردي أحياناً. وتعتقد المصادر نفسها أن مجريات انتخابات الأحد الماضي الجنوبية أثبتت حضوراً لمحازبين من خارج <الثنائية الشيعية> كان لهم تأثيرهم في الخيارات الشعبية وبعضهم <خرق> لوائح عدة لـ<الثنائية> المدعوة في نظر هذه المصادر، الى أخذ العبر من تأثير وجود حزبيين على الأرض والتعاطي معهم، عوضاً عن تصويرهم كـ<خصوم> للمقاومة، وهذا الأمر لا يتناغم مع حقيقة توجهات هؤلاء وقناعاتهم. ولعل الدعوة التي وجهها الأمين العام الجديد للحزب الشيوعي حنا غريب للمقاومة بأن تُقرن مواجهتها للخطرين الإسرائيلي والتكفيري بمحاربة الفساد والفاسدين، الدليل على رغبة الحزب الشيوعي في أن يمكّنه الواقع الراهن جنوباً والحضور الأبرز لـ<الثنائية الشيعية> في أن يشارك في مقاومة إنمائية واقتصادية واجتماعية وثقافية تتكامل مع المقاومة المسلحة للعدو الاسرائيلي، خصوصاً أن الأحزاب اليسارية في الجنوب لا تشكّل خطراً على <الثنائية الشيعية> التي تستقطب غالبية القواعد الشعبية.

وسجلت المصادر أيضاً في سياق قراءتها لمجريات اليوم الانتخابي الطويل، <انفتاحاً> مارسه حزب الله وحركة <أمل> حيال حركة الاحزاب الأخرى لاسيما تيار <المستقبل> والقوات اللبنانية والكتائب التي تنقل أنصارها والعاملون في ماكيناتها الانتخابية بسهولة من دون أي إشكال يُذكر، ويعود ذلك ايضاً الى الإجراءات الأمنية التي نفذها الجيش والقوى الأمنية تحت إدارة وزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق الذي تنقل في الأقضية الجنوبية كافة وتصرف كوزير للداخلية وليس كعضو في تيار <المستقبل>. ولم تسجل التقارير الأمنية حوادث أساسية باستثناء ما يحصل دائماً من عمليات رشى وشراء أصوات ظلت كلها في نطاق ضيق.

 

<تفاهم معراب> صمد جنوباً

 

وترى المصادر نفسها أنه إذا كان على حركة <أمل> وحزب الله أن يجريا تقييماً موضوعياً لما أفرزته انتخابات الجنوب، فإن الأمر نفسه ينسحب على الأحزاب المسيحية عموماً والتيار الوطني الحر خصوصاً، وذلك جزين 2أن صمود <تفاهم معراب> في مختلف الترشيحات التي قُدّمت في بلدات وقرى مسيحية، لاسيما في جزين وقرى القضاء وقرى في الزهراني وشرق صيدا، حقق نتائج لم تكن لتتحقق لولا إصرار رئيس تكتل التغيير والإصلاح العماد ميشال عون ورئيس القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع على تجاوز <الثغرات> التي حصلت في جبل لبنان، ولاسيما في قضاء كسروان، والتمسك بتفاصيل <تفاهم معراب> وخوض الانتخابات البلدية <يداً بيد>، ما يعني أن ما حصل في جبل لبنان لم يؤثر على انتخابات الجنوب، ولن يؤثر حتماً على انتخابات محافظة الشمال الاحد المقبل، لاسيما في القرى التي تشهد مواجهة حادة في البترون والكورة وعكار. وفي هذا المجال، تؤكد مصادر الرابية أن التوافق مع <القوات> في انتخابات الجنوب لم يهتز في أي بلدة خاض فيها الحزبان الانتخابات بلوائح مشتركة، أو دعما لوائح تمثل العائلات، ما يعني أن القاعدة الشعبية <مرتاحة> لـ<تفاهم معراب> وأصبحت تتكيّف معه من دون أي إشكال.

إلا أن المصادر نفسها ترى في المقابل أن ما حصل في جزين وقبله في جبل لبنان وبيروت من <ظاهرة التمرّد> على القرارات الحزبية من داخل مناصري التيار الوطني الحر، يحتم إجراء مراجعة على مستوى القيادة الجديدة لـ<التيار> التي أخفقت في معالجة الاسباب التي أدّت الى تنامي <التمرّد> واتساعه من منطقة الى أخرى، والذي كاد أن يتسبب بتداعيات خطيرة لولا التدخلات المتتالية للعماد عون في المحطات الانتخابية الثلاث عبر وسائل الإعلام حيناً، والزيارات الميدانية أحياناً والاتصالات المباشرة أحياناً أخرى، واعتبرت المصادر أن على رئيس <التيار> الوزير جبران باسيل أن يقيّم بموضوعية وقائع العمليات الانتخابية والثغرات التي ظهرت فيها وردود الفعل التي طاولت مواقف مسؤولين في <التيار> في مقدمهم الوزير باسيل نفسه، لتفادي أي <زلات> في انتخابات محافظتي الشمال وعكار، لأن أصداء ما حصل في بيروت والمتن وبعض كسروان لا تزال تتردد وتلقى ردود فعل مختلفة حيالها.

وتعتبر المصادر أن تيار <المستقبل> مدعو أيضاً لتقييم نتائج انتخابات صيدا التي وإن أعطت اللائحة المدعومة من <المستقبل> فوزاً <نظيفاً> على حنا غريب 1اللائحة التي دعمها رئيس <التنظيم الشعبي الناصري> النائب السابق أسامة سعد، واللائحة التي ترأسها القيادي السابق في <الجماعة الإسلامية> في صيدا علي الشيخ عمّار، لاسيما وأن نسبة الاقتراع لم تكن مرتفعة، والأرقـــــام أظهـــــرت تقلصاً في الفارق بين اللائحة الفائزة واللائحتين الأخريين، بعد توزع أصوات الناخبين الذين لم يتجاوز عددهم 26 ألفاً (29 ألف ناخب صوّتـــــوا عام 2010)، علماً أن ارتفاعاً سُجل في عــــــدد مـــــن يحـــــق لهــــم التصـــــويت الى أكثر من 60 ألفاً.

أما بالنسبة الى <الثنائية الدرزية>، فإن ثمة من يعتبر أن مفاعيل الفوز الذي حققه الحزب التقدمي الاشتراكي في منطقة حاصبيا ستبقى موضعية ولن تتمدّد سلبياتها الى مناطق اخرى، لأن النائب وليد جنبلاط تفاهم مع الأمير طلال أرسلان على ألا تترك ملابسات الانتخابات البلدية أي تأثير سلبي على العلاقة بينهما، علماً أن جنبلاط لا يخفي <انزعاجه> من تحالفات أجراها ارسلان مع أحزاب أخرى من دون أن يعطي الأولوية لتفاهم المرجعيتين الدرزيتين قبل أي خطوة في سياق العملية الانتخابية. إلا أن التصريحات التي أدلى بها الوزير وائل أبو فاعور حول <احترام خيارات الناس> وانتقاده لـ<المستقلين> و<المجتمع المدني>، تركت مضاعفات انعكست تراجعاً في حركة الاقتراع التي لم تتجاوز 47 بالمئة، في حين كانت في العام 2010 ما نسبته 55 بالمئة.

ومع انقضاء اليوم الانتخابي الطويل في الجنوب، لا بدّ من تسجيل ظاهرة لم تسجل في بيروت والبقاع وجبل لبنان، هي ظاهرة استقدام مغتربين للاقتراع في عدد من البلدات الجنوبية، ما أظهر أن العصب العائلي يلعب دوره في الانتخابات البلدية. وهذا ما يجب أن تدركه الأحزاب السياسية التي سعت الى التقليل من أهمية العائلات وتأثيرها، فأتت نتائج بعض بلدات الجنوب لتؤكد عكس ذلك، وهذا التأكيد سيتكرر شمالاً أيضاً.

امل ابو زيد 2شربل نحاسانتخابات الجنوب 12