15 November,2018

اليــد الإيرانيــة على سوريــا لـغــم ضــد الاستـقـــرار العربــي!

 

بقلم وليد عوض

الحريري-محمد-بن-سلمان 

لا يستطيع لبنان أن يعيش بدون عنصر المفاجأة الذي صار جزءاً من سياسته. ففي عام 1959 قدم العميد ريمون اده استقالته من حكومة رشيد كرامي، وقدم استقالته مرة ثانية بعد الغارة الاسرائيلية على مطار بيروت في العام 1968. وفي عام 1973 قدم الرئيس صائب سلام استقالته من رئاسة الحكومة لأنه عجز عن دفع قائد الجيش اللواء اسكندر غانم الى الاستقالة بعد اغتيال اسرائيل للقادة الفلسطينيين الثلاثة كمال عدوان وكمال ناصر وأبو يوسف النجار. وفي السبعينات قدم وزير الصحة هنري اده استقالته من وزارة الصحة لأنه اكتشف عجزه عن اجراء أي تغيير في مناصب الوزارة.

ولأن الاستقالة آخر سلاح في كنانة المسؤول اللبناني، فإن الرئيس سعد الحريري لم يقدم استقالته من الرياض ظهر السبت الماضي، إلا بعدما استهلك كل وسائل الصبر والصمود أمام ما سماه هجمة إيران على السلم الأهلي في البلدان العربية، دون أن يورد المسميات، ولكن بات واضحاً ان التدخل الإيراني وصل الى قلب اليمن، بعد مملكة البحرين.

ووضع المسؤول اللبناني يشبه الجسد الذي يعتريه المرض أو تهزه النكبات، ولكن الجسد في النتيجة يداري نفسه وما الأدوية والعلاجات إلا أدوات مرحلية.

وكذلك لا يملك المواطن السوري إلا أن يحلم من جديد بعد تحديد الخسائر، وأن يحكم على نفسه بأنه يولد من جديد، وان النزوح القهري الى لبنان أو الأردن ما هو إلا مرحلة وتنقضي.

ولهفي على المواطن العراقي الذي كان يتغنى بنهر الفرات، ويرسل الزفرات وراء هياكل تدمر وأميرتها زنوبيا، ويفتتن بقلعة حلب متذكراً سيف الدولة والشاعر أبو الطيب المتنبي والأمير الشاعر أبو فراس الحمداني، فيكون له الماضي متعة الذكريات، ومنهل البحث عن يوم أفضل.

وليس هذا كل شيء.

فالعالم كله، بدءاً من الولايات المتحدة وبلجيكا وفرنسا، واقع في شبكة الارهاب، ويعدد كل يوم الحوادث الارهابية الطارئة ولا يملك الحاكم إلا أن يرد الكارثة الى الارهاب الدولي.

ولأن الله منّ على الأخوة الفلسطينين بنعمة المصالحة بين <فتح> و<حماس> فإن المعاناة الفلسطينية بدأت تبرد شيئاً فشيئاً، وإن كنا نراهن على ان اسرائيل تكمن لأهالي فلسطين، والقدس بصورة خاصة، وتنغص عيشهم بين وقت وآخر.

ولماذا من الكوارث نختصر؟

فنحن منذ العام 1917 نعاني من ضياع فرص إقامة دولة فلسطينية، ولم نستطع أن نمحو <وعد بلفور>، حتى اضطر الرئيس الفلسطيني محمود عباس يوم الخميس الماضي الى تحريك دعوى قضائية ضد بريطانيا بشكل فوري بسبب <الجريمة السياسية> التي ارتكبتها ضد الشعب الفلسطيني من خلال <وعد بلفور> وزير الخارجية البريطاني وحلت منذ أيام ذكراه المئوية. منذ سنة من عمر <وعد بلفور> والفلسطينيون ضيوف على المخيمات والتشرد في دول العالم.

وقد أعلن محمود العالول نائب الرئيس الفلسطيني في حركة <فتح> بأن السلطة الفلسطينية ستقاضي الحكومة البريطانية على جريمة <وعد بلفور> أمام القضاء البريطاني ثم القضاء الدولي.

 

كلام الشعراء

ونعود الى المشهد اللبناني.

صحيح ان إقرار الموازنة وقطع الحساب انجاز تاريخي مهم، وأن الاصرار على اجراء انتخابات أيار (مايو) المقبل صار جزءاً من كرامة الحكم، ولأن <وعد بلفور> يغطي أفق الأحداث، فالسؤال الذي يحلو طرحه هذه الأيام هو: أين روزنامة الشعراء؟! أي القصائد المفعمة بالتحريض القومي؟ أين الشعر الثائر الذي يواجه تقصير الحكام في طرح مشكلة <وعد بلفور>؟ أين أمير الشعراء أحمد شوقي يستخرج من بحيرة جنيف لهب القصائد، ويقول: <وما استعصى على قوم منال/ إذا الإقدام كان لهم ركابا>؟! أين الأمير عبد الله الفيصل يطعم أسماك بحيرة <ليمان> ويقول: أكاد أشك في نفسي لأني أكاد أشك فيك وأنت مني؟! وقول الشاعر عمر الخيام بلسان المتحير مع صروف الحياة وغدر الزمان فيقول: <لا تحسبوا أني أخاف الزمان/ أو أرهب الموت إذا الموت حان/ الموت الحريري-علي-اكبر-ولايتيحق لست أخشى الردى/ وإنما أخشى فوات الأوان>.

وصروف الزمان هي الآن الى جانب لبنان برغم استقالة الحريري، فالتحالف والتنسيق قائمان بين الرئيس سعد الحريري وولي عهد السعودية الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، والمخاوف من اللعبة الإيرانية في لبنان بددتها زيارة <علي أكبر ولايتي> مستشار المرشد الإيراني السيد <علي خامنئي> للبنان حاملاً مساندة الجمهورية الاسلامية الإيرانية ودعمها شعباً ودولة للبنان، مع التنبه الى عودة رئيس وزراء لبنان من جديد الى الرياض، ولا يمكن تفسير هاتين الزيارتين في أسبوع واحد بعبارات روتينية بسيطة. فلا بد أن تكون للزيارة الحريرية الثانية للعاصمة السعودية معان جديدة وخلايا نائمة بقيت وراء الستار، وخارج كل غموض، وإن كان الغرض من الزيارة الحريرية الثانية كانت لتوطيد الاستقرار في لبنان، واستجلاب كل وسائل التهدئة الكفيلة بفتح الباب واسعاً أمام الانتخابات النيابية في أيار (مايو) المقبلة، وعدم التأثر بالأزمات التي تعصف بالدول المجاورة.

وفي معلوماتنا ان الأمير محمد بن سلمان بشّر الرئيس الحريري بمستقبل سياسي واعد في معزل عن أي تدخل سياسي إيراني، رغم شائعات الإقامة الجبرية، وألمح الى الزيارة التي سيقوم بها الرئيس الأميركي <دونالد ترامب> للمنطقة، ويخص لبنان بيوم استثنائي في هذه الزيارة. وخلاصة الكلام ان إيران تعهدت بعدم التدخل في لبنان أو غيره في المنطقة وتسعى الى توطيد استقراره ووجوده السياسي ودوره الطليعي في خريطة الشرق الأوسط.

 

<دونالد ترامب> عندنا..

 

وما يعزز الانسحاب الإيراني من أي محاولة تدخل في لبنان، أن <دونالد ترامب> متحالف على طول الخط مع المملكة السعودية في توطيد استقرار لبنان، وحمايته بالتدابير الكفيلة بالوصول الى هذا الاستقرار. كما هناك توقعات بأن يكون لزيارة سيد البيت الأبيض جانب عسكري، بمعنى أن يقدم الكونغرس الى لبنان معدات عسكرية تسد ما يعانيه من نقص، وينأى به عن أي لعبة عسكرية مثل <وعد بلفور> الذي أنشأ دولاً جديدة في المنطقة بدءاً من لبنان وشرقي الأردن، والزيارة الأميركية تدعم حضور دولة <لبنان الكبير> التي جمعت بين الجبل والساحل.

وصهوة الحصان الأميركي هي الطائرة الجديدة <سوبرتوكانو> التي استوردها الرئيس عون من الولايات المتحدة، وأوصى قائد الجيش العماد جوزف عون على تجهيزاتها العسكرية. وليس هذا السلاح هو الوتر الأميركي الوحيد الذي سيعزف في السماء عسكرياً، ويسود الحديث عنها في المؤتمرات الدولية، كالمؤتمر الذي دعا إليه الرئيس الروسي <فلاديمير بوتين> في منتجع <سوتشي> الروسي خلال النصف الثاني من كانون الأول (ديسمبر) المقبل مبدئياً، ووجه فيه الدعوة الى 38 دولة وستكون سوريا هي عاصمة الوتر، بحيث يكون هناك قرار نهائي في أمر الحشود العسكرية شمالي سوريا، ودور قوات التحالف في توجيه المعركة.

كذلك سيتطرق المؤتمر الى مؤتمري <جنيف> و<الاستانة>، والنتائج التي حصلت عليها المعارضة السورية، لأن على المكاسب التي ستسجلها هذه المعارضة يتوقف مصير هذه المؤتمرات، فهل تكون أواخر سنة 2017 هي مركز ولادة الحل السوري؟! وإذا كان هناك حل، فهل هو حل بمباركة سورية ــ أميركية ــ فرنسية ــ ألمانية، أم هو حل سوري أولاً وأخيراً؟

لقد كان للبنانيين أن يخلعوا عنهم ثوب اليأس، ويرتدوا لباس التفاؤل بالغد، وتصميم ملابس مستقبلية تستوعب أشواق كل اللبنانيين، ولسان حال وزير الخارجية جبران باسيل عبر مشروعه لاسترجاع اللبنانيين من الخارج، ولاسيما في أميركا اللاتينية، هو شعر أمير الشعراء أحمد شوقي الذي يقول: ردت الروح على المضنى معك/ أسعد الأيام يوم أرجعك!

وكلنا في استقالة الحريري… ندور!