20 November,2018

الى أين ستصل المواجهة غير المسبوقة بين رئيس التفتيش المركزي ومدير المناقصات؟

جان عليةيبدو ان المواجهات التي كانت تدور بين الوزراء مع بعضهم البعض، أو بين وزراء ونواب، قد انتقلت الى موظفي الفئة الأولى ولو كانوا في ادارة واحدة! هذا الواقع عكسته <المناوشات> القائمة منذ مدة بين رئيس هيئة التفتيش المركزي القاضي جورج عطية، والمدير العام لإدارة المناقصات جان العلية والتي خرجت الى العلن بعدما كانت تدور في أروقة التفتيش المركزي وإدارة المناقصات في المبنى نفسه في أول شارع فردان.

وإذا كان عنوان هذه <المناوشات> تحديد الصلاحيات الادارية لكل من رئيس التفتيش ورئيس ادارة المناقصات بعدما افاض العلية في اطلالات اعلامية على خلفية تلزيم بواخر انتاج الكهرباء، من دون اذن من رؤسائه المباشرين (أي القاضي عطية) وغير المباشرين (أي رئيس مجلس الوزراء)، فإن المعطيات المتوافرة حول أسباب هذا الجدال، تشير الى ان ملف تلزيم بواخر الكهرباء هو الذي أحدث التوتر الذي يتفاعل يوماً بعد يوم نتيجة اصرار العلية على حقه في التحدث عن عمله في ادارة المناقصات، ورفض عطية الموافقة على أن يدلي رئيس المناقصات بمعلومات عن طبيعة عمله يفترض أن تبقى من أسرار الوظيفة التي أقسم العلية على عدم الاعلان عنها عملاً بالقوانين والأنظمة المرعية الاجراء.

وفيما يرى العلية ان الحديث عن عمله في ادارة المناقصات يندرج في إطار حق الوصول الى المعلومات الذي تكرس في قانون أقره مجلس النواب قبل انتهاء ولايته بأشهر، يعتبر عطية ان حق الوصول الى المعلومات شيء، والبوح بالأسرار المهنية وأسباب الاجراءات التي تتخذها الادارة، شيء آخر، ولذلك فهو لفت العلية أكثر من مرة بموجب مراسلات خطية وأخرى شفهية الى ضرورة التزام القانون، من دون أن يلقى أي تجاوب من مدير المناقصات الذي حاول من خلال المواقف الاعلامية التي أطلقها، تبرير الاجراءات التي اتخذها في ما يخص صفقة تلزيم البواخر التي أحدثت ولا تزال ضجة في الأوساط السياسية والادارية. وقد بلغت <المواجهة> بين الرجلين الى حدٍ طلب فيه رئيس التفتيش من الوكالة الوطنية للإعلام عدم نشر بيان أصدره العلية يشرح فيه أسباب القرار الذي اتخذه بتأجيل جلسات لفض العروض، على أساس ان مثل هذه الأسباب تدخل ضمن العمل الوظيفي الذي لا يجوز أن تنشر في وسائل الإعلام. غير ان العلية اعتبر ان من حقه اصدار البيان فكتب الى وزير الإعلام ملحم رياشي مطالباً بإعادة نشر بيان الذي حجبه تدبير عطية الذي رأى بدوره ان مخاطبة الوزير مباشرة من دون المرور بالرئيس المباشر ــ أي رئيس التفتيش ــ مخالفة جديدة تدرج في سجل <مخالفات> العلية، خصوصاً ان ادارة المناقصات ــ حسب رئيس ديوان المحاسبة القاضي احمد حمدان ــ هي مديرية من المديريات التابعة للتفتيش المركزي، ورئيس هيئة التفتيش هو رئيسها الأعلى وتخضع له حسب التراتبية.

القاضي جورج عطية  

نقاش في مجلس الوزراء

هذا الجدال الاداري الذي طغى على السطح، حجب عملياً أسباباً أخرى للمطالبة بـ<ضبط> مدير المناقصات، حسب ما يقول وزير في الحكومة الذي أضاف ان المسألة تعود الى الملابسات التي رافقت صفقة تلزيم بواخر انتاج الكهرباء التي لم يوافق عليها العلية وأعادها ثلاث مرات، لكنه في كل مرة كان يواكب قراراته بحملة اعلامية أظهر نفسه فيها وكأنه يكافح الفساد ويمنع المخالفات وينظم عمليات التلزيم في الادارات. وقد استغلت مراجع سياسية وحزبية قرارات العلية لاطلاق حملات استهدفت الحكومة وأداء بعض الوزراء وأفسحت في المجال أمام الحديث عن <صفقات> تلوح في أفق البواخر الى درجة ان بعض السياسيين تحدث عن أرباح تفوق 800 مليون دولار من <صفقة> استقدام البواخر التركية. وطاولت الاتهامات وزراء في <التيار الوطني الحر> ومسؤولين في تيار <المستقبل> كون وكيل هذه البواخر في لبنان أحد المسؤولين البارزين في <التيار الأزرق> النقيب سمير ضوميط.

ويكشف وزير <مشاكس> ان نقاشاً دار في مجلس الوزراء ما قبل الأخير الذي انعقد في قصر بعبدا، حول دور مدير المناقصات في توزيع انطباعات عن وجود <صفقة مشبوهة> من خلال تلزيم البواخر التركية من خلال التصريحات التي كان يدلي بها من حين الى آخر ومن دون إذن مسبق من رؤسائه، حتى ان الرئيس الحريري استدعى العلية الى السرايا الكبير ولفته الى ضرورة <التحفظ> الذي تفرضه القوانين، إلا ان ذلك لم يمنعه من الاستمرار في الادلاء بتصريحات من حين الى آخر وإجراء مقابلات في وسائل الإعلام. وقد تحدث عدد من الوزراء ــ وفقاً لرواية الوزير نفسه ــ في تأثير مواقف العلية على هيبة الدولة ومؤسساتها مطالبين باتخاذ اجراءات بحق العلية لاسيما وان موظفين آخرين بدأوا يحذون حذوه في الادلاء بأحاديث اعلامية من دون موافقة وزرائهم. ويروي الوزير أيضاً ان الرئيس الحريري كان أكثر <المنزعجين> من مواقف العلية، وانه قال إما يتوقف مدير المناقصات عن الادلاء بتصريحات صحافية ويتجاوز القواعد، واما يُطلق العنان لكل المديرين العامين بالتصرف مثله مع ما يعني ذلك من مضاعفات في مجال ضبط الأداء الاداري <الفلتان> أصلاً.

وسط هذه الأجواء يبدو ان المواجهة بين رئيس التفتيش المركزي ورئيس ادارة المناقصات ستأخذ منحاً تصاعدياً، فهل يؤدي ذلك الى اجراءات تأديبية أخرى بحق مدير المناقصات وما ستكون انعكاساتها السياسية مع وجود تضامن مع العلية من قيادات حزبية وسياسية؟