23 March,2019

الولايات المتحدة باقية في سوريا... حتى إشعار آخر!

 

بقلم خالد عوض

 

هل ستنسحب الولايات المتحدة من سوريا أم أن تغريدة <ترامب> حول الانسحاب كانت هفوة ساعتها؟ وهل هي فعلا تعاقب إيران أم تتفاوض معها عبر وسطاء متعددين على مواضيع كثيرة من بينها أفغانستان؟ وهل فعلا بدأت الصين تتنازل تجاريا أم أن <ترامب> لا يريد تأثر الإقتصاد الأميركي أكثر جراء الحرب التجارية معها رغم أن الصين تعاني هي أيضا وأكثر من الولايات المتحدة؟ اسئلة كثيرة محيرة والجواب عليها مرهون بفهم الرئيس الأميركي وعلاقة تصريحاته الإرتجالية في كثير من الأحيان بالسياسة الأميركية الحقيقية وليس فقط بمزاجه المتطير.

 

سوريا… من فاز بنفط الجولان؟!

بعد إعلان الرئيس الأميركي عن الانسحاب من سوريا وإستقالة وزير دفاعه <جايمس ماتيس> عقب ذلك مباشرة، بدأ مستشاره للأمن القومي <جون بولتون> يدلي بتصريحات تنم عن تراجع في قرار <ترامب>. حاول <بولتون> أولا أن يطمئن إسرائيل خلال اجتماعه برئيس الوزراء <بنيامين نتنياهو> في تل أبيب منذ أيام وأن يجس نبضه حول إمكانية الانكفاء الأميركي من سوريا، فوجد موافقة إسرائيلية مشروطة بثلاثة أمور. الأول أن يبقى الأميركيون في قاعدة <التنف> حتى يتمكنوا من مراقبة السلاح الإيراني ومنع دخوله من العراق إلى سوريا ومنها إلى حزب الله في لبنان. والثاني دعم إسرائيل دوليا والسماح لها بإستباحة الأجواء السورية (واللبنانية) متى تشاء وضمان وقوف روسيا على الحياد في هذه المسألة. الأمر الثالث هو تسهيل ضم الجولان التي لم تكن تقبل بها حتى اليوم الولايات المتحدة وكانت تمتنع عن التصويت على قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بإدانة إسرائيل لاحتلالها هضبة الجولان. إسرائيل تطالب بأن تضع الولايات المتحدة الفيتو ضد أي قرار يتعلق برفض سلطتها على الجولان وتعتبر أن دخول إيران عسكريا إلى سوريا وتمركزها على مسافة أقل من ٦٠ كيلومتراً من الجولان يعطيها الحق في الإحتفاظ بهذه الهضبة <للدفاع عن النفس>! ويبدو أن هذا هو ما يهم الإسرائيليين أكثر من أي شيء آخر. فشركة <جيني> الأميركية للنفط لا زالت تستكشف سرا كمية النفط المتوافرة في هضبة الجولان والتي ربما تفوق كل التقديرات الأولية. الإستكشاف كان المقصود منه في البداية الوصول إلى المياه ولكن تبين خلال الحفر وجود نفط وبكميات كبيرة، وتقوم حاليا شركة <أفيك> التابعة لـ<جيني> بحفر عشرة آبار في الجولان… ويبدو من خلال ما بدر عن <بولتون> أن الأميركيين وافقوا على الطلبات الإسرائيلية الثلاثة.

 

تركيا: صعوبة فك العلاقة الأميركية الكردية!

 

بعد إسرائيل توجه <بولتون> إلى أنقرة لمقابلة الرئيس التركي <رجب طيب اردوغان> ولكن الأخير رفض استقباله بسبب تصريح <بولتون> أن الولايات المتحدة تريد ضمانات من تركيا بأنها لن تهاجم الأكراد في حال انسحب الأميركيون من سوريا. استفز هذا التصريح <اردوغان> وعاد الكلام التركي عن هجوم <كاسح ماسح> ينوون القيام به ضد الأكراد بعدما ساد الاعتقاد أن هذه الجبهة على تهدئة. الأميركيون يعتبرون أن الأكراد اصبحوا قادرين، من خلال التدريب الذي حصلوا عليه وحجم الأسلحة التي بحوزتهم، على القيام بالدور المفترض أن يقوم به الجيش الأميركي في سوريا، وهذا يسمح بسحب القوة البرية الأميركية أي تنفيذ كلام <ترامب> و> إرضائه>، ولكن إصرار تركيا على محاربة الأكراد وانهائهم يتعارض مع التوجه الأميركي بالانسحاب، وهذه العقدة تخلط كل الأوراق على الأرض السورية وتقرب تركيا من المعسكر الروسي ومن الرئيس السوري بشار الأسد. عاد <بولتون> من تركيا بالخلاصة نفسها التي وصل إليها في إسرائيل: يجب تأجيل الانسحاب الأميركي من سوريا عدة أشهر على الأقل.

 

إيران: مفاوضة <طالبان> على ماذا؟!

 

الاختلاف الايديولوجي عميق جدا بين حركة <طالبان> السنية المتشددة وبين نظام الثورة الشيعي الإيراني، ولكن زيارة وفد <طالبان> إلى إيران وبدء جولة مفاوضات هناك نتيجة براغماتية لكلام <ترامب> عن انسحاب وشيك من أفغانستان.  إيران لها مصالح حيوية في أفغانستان ولا تريد أي مشاكل على حدودها الشرقية كما أنها تخشى النفوذ الإماراتي السعودي المتصاعد مع <طالبان> ولذلك فتحت ابوابها للحركة حتى تستطيع ضمان إستقرار أمني على حدودها. ويبدو أن هناك سباقاً إقليمياً على إستمالة <طالبان> فالذي يحظى بذلك سيتمكن من مفاوضة الولايات المتحدة على انسحابها من أفغانستان. ومهما نفى الطرفان أصبح شبه مؤكد أن هناك مفاوضات أميركية إيرانية غير مباشرة تجري منذ مدة حول عدة مسائل، من بينها العراق وأفغانستان الساحتان اللتان بقيتا مكان تلاق بينهما. وأكبر دليل على وجود شكل من أشكال التفاوض الإيراني الأميركي، إستمرار <ترامب> بمنح الضوء الأخضر لثماني دول لإستيراد النفط الإيراني وكأن ليس هناك عقوبات. المصالح المشتركة بين إيران والولايات المتحدة تفرض ذلك، وخوف <ترامب> من ارتفاع أسعار النفط وتأثير ذلك على الإقتصاد الأميركي يجبره على التعامل مع إيران عكس تصريحاته النارية ضدها.

المعايير الإقتصادية هي التي تحرك تغريدات الرئيس الأميركي وقراراته وليس أي شيء آخر. الدين العام المتصاعد يجبره على تخفيف وجوده العسكري في سوريا وأفغانستان. الخوف من سعر النفط يفرض عليه التعامل مع إيران بواقعية. حتى مسألة الحائط التي تشل الحكومة الفيديرالية في الولايات المتحدة حاليا هي في اساسها إقتصادية لأن الرئيس يعتبر أن كلفة الهجرة غير الشرعية لا يمكن التعايش معها. <ترامب> يعلم أن الأميركيين سيحكمون على نجاحه من خلال الإقتصاد، ومن خلال الإقتصاد فقط، وكل مواقفه الإرتجالية يجب قراءتها من هذه الزاوية.