13 November,2019

الوزير والنائب السابق إدمون رزق: نعيش مسلسلاً من الفشل منذ ثلاثين عاماً!

 

بقلم كوزيت كرم الأندري

لم يُخيّل للوزير والنائب السابق المحامي إدمون رزق أن المذهبية والمحسوبية ستظلان تنهشان المادة 95 من الدستور اللبناني حتى أيامنا هذه، أي بعد ثلاثين سنة من تعديلها الذي رمى إلى العبور من الطائفية إلى <العلمنة المؤمنة>. فأين نحن اليوم من اتفاق الطائف؟ وأين نحن من قوانين ظلت حبراً على ورق لا سيما منها قانون الإثراء غير المشروع؟ هل تجوز المطالبة بـ<إسقاط النظام> وما الذي تعنيه هذه العبارة تحديداً؟ أسئلة حملتها <الأفكار> إلى رزق، صوت من أصوات العقل والحكمة في زمن الغوغائية…

ــ أستاذ إدمون، بعدما أمضيت عقوداً من العمل السياسي والتشريعي في مجلس النواب وفي أكثر من وزارة، كيف ترى المشهد اليوم من موقعك البعيد، نسبياً، عن <المعمعة> الداخلية؟

– أرى خللاً بنيوياً في الوضع اللبناني، وأرى أن الحكم في لبنان هو مسلسل من الفشل وتراكم خيبات الأمل. بدأ ذلك عام 1988 مع الارتكابات المباشرة بحق الدستور وبحق الوطن، من خلال تعطيل انتخابات رئاسة الجمهورية، آنذاك، وإقامة حكومتين منتقصتَي الشرعية. حكومتا أمر واقع قسّمتا البلد وفرزتا الشعب. وعندما برزت محاولة، بمبادرة عربية ورعاية دولية، لوضع اتفاق وفاقي بين اللبنانيين في مؤتمر الطائف، اُجهض هذا الاتفاق ولم يُنفذ لأن هناك من تمرّد عليه ومن تنكّر له.

ــ أليس، من الأسباب الرئيسة لمسلسل الفشل هذا، عدم تطبيق المادة 95 من الدستور اللبناني التي وضعتموها بهدف العبور من الحالة الطائفية، التي تحكم البلاد ولا تزال، إلى المواطنة التي نفتقدها حتى الآن؟

– المادة 95 هذه عدلناها في أيلول من العام 1990 إلا أنها لا تزال، منذ ذلك الحين، حبراً على ورق! تنص هذه المادة على أنه على المجلس النيابي المنتخب، على أساس المناصفة بين المسيحيين والمسلمين، أن يتخذ التدابير اللازمة لإلغاء الطائفية، بدءاً بتأليف هيئة تضم رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب ورئيس الحكومة وشخصيات فكرية واجتماعية، بهدف وضع برنامج لعبور لبنان إلى الدولة المدنية أي إلى <العلمنة المؤمنة> كما سمّيناها، والغاية منها فصل الدين عن الدولة.

ــ لكن يا أستاذ إدمون حكّامنا يعجزون عن الاتفاق على ملفّ واحد من الملفات الحياتية البديهية، فكيف تريدهم أن يتفقوا على موضوع حساس كهذا؟ أليس الأمر مستحيلاً؟

– <مش مستحيل أبداً!>. يصلون إلى اتفاق حين تضم هذه الهيئة شخصيات تتمتّع بفكر إنساني وفكر ديمقراطي، لديها تمرّس في الحرية وليست أسيرة أنانيتها وحزبيتها ومذهبيتها…

ــ وصفت ذات مرة التركيبة اللبنانية بـ<السّيبة> (السلّم)، وقلت <إذا وقعت ميلة من السّيبة بتوقع الميلة التانية>. لكن السيبة اللبنانية لديها <18 إجر>، وأنا شخصياً لم أرَ في ذلك مصدر غنى، كما يرددون باستمرار، بل للأسف مصدر مشاكل ومشاحنات ومعارك وحروب!

– الخصوصية اللبنانية تقوم على التعدد وفي ذلك ميزة لبنان. أما الحل فواحد يكمن في المواطنة والعلمنة، حيث الجميع متساوون ولا تمايز في ما بينهم، لذا نعود إلى ضرورة تطبيق المادة 95 من الدستور، من خلال إنشاء هيئة وطنية مؤهلة علمياً وأخلاقياً وتمثيلياً لتحقيق هذه الضرورة. هذا يعني أنه لا يجوز وجود أحزاب دينية تتعاطى السياسة في البلد، ولا أحزاب إلهيّة ولا أحزاب طائفية ولا أخويّات تتعاطى السياسة! لا بد من فصل السياسة عن الطائفية بشكلٍ كلّي. هذا لا يعني الإلحاد بل على العكس: الإيمان الحقيقي هو الذي لا يوظّف الدين في السياسة!

ــ أستاذ إدمون، قمت في مخيّلتي بجولة سريعة على الأحزاب اللبنانية وأنت تتحدث عن هذه النقطة، فلم أجد حزباً لبنانياً واحداً غير طائفي بكل معنى الكلمة. هل يوجد لدينا هكذا حزب؟

– <ما عنا حزب عابر للطوائف عنا شعب عابر للطوائف>، وقد أظهر ذلك في الانتفاضة الحالية التي تعبّر عن حقيقة هذا الشعب المتحرر من الطائفية والحزبية والزبائنية…

ــ ولكن هل شعبنا عابر فعلاً للطوائف؟ هل يكفي أن <نُلَولح> بالعلم اللبناني من الخارج لنتطهّر من طائفيتنا وحزبيتنا وتبعيّتنا من الداخل؟

– هناك رواسب طائفية عند الجميع، عند كل اللبنانيين، لكن ثمّة تطلّع من الجيل الجديد إلى التحرر من القيد الطائفي. الطائفية وثنية لا تنتمي إلى جوهر الأديان.

ــ هل يكفي إلغاء الطائفية السياسية؟ ألا ينبغي إلغاء الطائفية من النفوس أولاً؟ ثم إن الطائفية تُورّث. يكفي أن تسمع <خطابات> الأولاد في ساحات الحراك لتعرف ما أقول!

– طالبنا في المادة 95 من الدستور بضرورة إلغاء الطائفية، أولاً، كشرط لإلغاء الطائفية السياسية. هناك خريطة طريق لا بد من أن نتّبعها من خلال إنشاء الهيئة الوطنيّة التي تحدثت عنها، للتوصل تربوياً وبالتدرّج إلى تخطّي الطائفية. <هيدا مسار مش كبسة زر>. كان يجب إنشاء الهيئة المكلفة القيام بذلك سنة 1992 والعمل، منذ ذلك الحين، على إلغاء الطائفية بالفعل وليس بشعارات جوفاء.

القوانين الموجودة تكفي فلنطبّقها!

 

ــ برأيكم، هل نحن محكومون بصيغة لا غالب ولا مغلوب في بلدٍ كلبنان؟

– لا شيء يحكمنا سوى أمر واحد وهو وجوب الحفاظ على تعدديّتنا وعدم إلغاء الآخر. ثمة رعايا وثمة مواطنون. <نحنا مواطنين مش رعيّة لحدا>، والشباب الذين نزلوا إلى الشوارع شعروا بخطر على مستقبلهم في غياب الضمانات. فإما أن تكون رهينة لزعيم عائلي أو حزبي أو طائفي أو مذهبي أو بلوتوقراطي أي متموّل، <أو بتفلّ من البلد!>. يقول هؤلاء الشباب <لأ بدنا نبقى بالبلد> ولكن كمواطنين أحرار، ونريد أن نمارس حقوقنا الديمقراطية وأن نختار حكّامنا بموجب قوانين صحيحة. حين وضعنا وثيقة الوفاق الوطني عام 1989، المعروفة باتفاق الطائف، تطرقنا إلى ضرورة وضع قانون للانتخابات النيابية يؤمّن التمثيل الصحيح لشتى فئات الشعب وأجياله، أي أن يتمكّن اللبنانيون من اختيار نوابهم، لا أن يُفرض هؤلاء عليهم بشتى الوسائل: <ساعة بالمخابرات، ساعة بالمذهبية، ساعة بالأموال، ساعة بالتحزّب، ساعة بالوراثة العائلية…> لذا لا بد أن نعود ونمشي باتجاه الروحية اللي توصل إليها اتفاق الطائف. يطالبون بقوانين جديدة، لكن القوانين الموجودة تكفي. يبقى أن نطبّقها! أين نحن من قانون الإثراء غير المشروع؟ وقانون المحاسبة؟ وغيرها من القوانين التي ظلت حبراً على ورق؟

ــ لكن ماذا عن محاسبة الذات أيضاً؟ في مقابل <كلن يعني كلن>، ألا يتحمّل المواطن مسؤوليته في انتخاب المسارات عينها منذ سنوات؟

– على الشعب اللبناني، إذا أُعطيَ فرصة جديدة، ألاّ يكرّر أخطاءه وألا يُساق مجدّداً وراء الشعارات المذهبية والحزبية والدينية. عليه أن يختار بشرف واستقامة من يريد أن يمثّله. سنة 1992، 11% من اللبنانيين انتخبوا و89% قاطعوا. <إجا مجلس نواب نتيجة عدم الإنتخاب>. وفي الانتخابات النيابية الأخيرة تشكّل مجلس نواب نتيجة تواطؤات وتحالفات وضخ أموال من جهة، وغياب الوعي الكافي لدى الشعب من جهة أخرى. على الجميع أن يساهم في التغيير، وكما نزلوا إلى الشارع منذ أسبوعين، عليهم أن ينزلوا إلى صناديق الاقتراع ليغيّروا في المشهد السياسي. لا يجوز أن يبقى البلد وكأنه مستشفى ممتلئ بالحالات المستعصية من دون وجود ممرّض. <بدنا أطبّا مؤهلين ليعالجوا الأوضاع بالفعل مش بالحكي والخطابات>. الفوقية والتحدي والمواجهات في الشارع لا توصل إلى نتيجة.

ــ بما أنكم تتحدّثون عن المعالجة، يطالب المحتجون بحكومة تكنوقراط تتشكّل من أهل العلم والاختصاص، لكن هل ينجح التكنوقراطيّون في بلد تتحكم فيه السياسة بكل مفاصل الدولة؟

– لن أتحدث عن تكنوقراط ولا عن سياسيين. سأتحدث عن حكومة تتألف من أشخاص مؤهلين، يتمتعون بالصدقية والكفاءة العلمية والخبرة والتجربة، على أن توضع هذه الصفات في خدمة القيم والمبادئ الأساسية للكيان اللبناني التعددي. نحتاج إلى ناس <جايين يعطوا البلد مش ياخدوا منو!>.

ــ هل توافق على شعار <كلّن يعني كلّن> أم تراه ظالماً ويخلط الحابل بالنابل؟

– لا أريد أن أتوقف عند أشخاص. هم موجودون في المشهد السياسي أيا يكن رأيي الشخصي بهم، لكن ثمة مقياس للنجاح ومقياس للفشل. مضت سنوات ونحن نتخبّط من أزمة إلى أخرى. الفشل جماعي وكلٌ يرمي المسؤولية على الآخر. <بتنزّل مظاهرة بنزّل مظاهرتين. لأ مش هيك القصة!>. إستمرارنا وراء المتاريس يعني الاستمرار في الفشل الذي نشهده منذ ثلاثين عاماً! ثلاثون عاماً تمّت خلالها محاولات صغيرة لكنها أُجهضت، إما بالقتل وإما بالاغتيال وإما بالإقطاع… يحتجون على الفساد لكننا لم نسمع أحداً يقول إنه يريد تنفيذ قانون الإثراء غير المشروع الذي عمره عشرات السنين. <بيعملوا قانون وما بطّبقوه، بيعملوا حوار وما بنفّذوا نتيجتو، بيعملوا إتفاق وما بيمشوا فيه>. خذي، مثلاً، تأخّر الاستشارات النيابية الملزمة لتسمية رئيس جديد للحكومة. <ما في شي إسمو مشاورات>. الالتفاف على الاستشارات بما يُسمّى مشاورات ليس سوى بدعة جديد، وكل تأخير في الحلول هو تأكيد على العجز ومؤشر فشل يؤدي إلى المزيد من الإحباط وانعدام الثقة!

إسقاط النظام جريمة!

ــ تقول إن مسلسل الفشل عمره 30 عاماً. هذا يعني أنك لا تُحمّل الطبقة الحاكمة حالياً، بمفردها، الفساد المستشري في مختلف إدارات الدولة؟

– هي عملية تراكم نعم، لكن هناك أشخاص مسؤولون منذ بداية <المسلسل>. وبالمناسبة، أنا لا أبرّئ نفسي ولا أبرّئ تجربتي. لربما قمنا بخيارات خاطئة في بعض الأحيان، لكن نيّتنا كانت دائماً خدمة البلد. وحين ذهبنا إلى الطائف وعدّلنا الدستور، كانت نيّتنا تركيز البلد على أسس سليمة.

ــ سمعتك تقول، ذات مرة، إنه كان لموقع رئاسة الجمهورية في الماضي نوعاً من القدسية. ألا يزعجك، أو ربما يستفزّك، أن < تتبهدل> الرئاسة الأولى كما هي الحال في السنوات الأخيرة؟

– <أنا ما بدي إحكي عن أشخاص>، ولا أسمح لنفسي بأن أوجّه سهامي إلى أحدهم من منطلق شخصي. أنا أنظر إلى النتائج. القوة الحقيقية والنجاح يُترجمان من خلال إيجاد حلول للمشكلات وليس افتعال مشكلات إضافية. المطلوب اليوم، من أي طاقم موجود في السلطات الأولى والثانية والثالثة وفي أي قطاع من القطاعات، الكفاءة والأهلية لتولّي الملفات وإدارة الأزمات. <وين الحلول؟ وين الحلول؟؟ ما فيك تقول عطّلوني، وفشّلوني>. الدستور اللبناني أعطى صلاحيات أكثر من كافية، وأعرف تماماً عمّا أتحدث إذ وضعت تلك التعديلات الدستورية بنفسي. <ما حدا يتذرّع إنو ما عم يطلع بإيدو>.

ــ <الذريعة> الأساسية، والعبارة لك، هي تقلّص صلاحيات رئيس الجمهورية بعد اتفاق الطائف…

– فليقرأوا الاتفاق كما يجب وليقرأوا الدستور كما يجب. لرئيس الجمهورية كل الصلاحيات اللازمة لتولّي مسؤولياته، وأسوأ ما حصل تحول الرئيس الى صاحب حصة في السلطة بدلاً من أن يكون رمزاً لوحدة الوطن ومثالاً في التجرد. الرئيس هو الأب والقائد معاً. والرئاسة هي مقام ومرجع، ولا يجوز أن يحول شيء دون استعادة المبادرة على هذاالأساس..

ــ سؤالي الأخير يعود بنا إلى الأيام الأولى من الانتفاضة الشعبية، حيث ركّز المحتجّون على المطالبة بإسقاط النظام، اعتقاداً منهم أن ذلك يعني إسقاط الطبقة الحاكمة. فلنفسّر، لو سمحت، ما تعنيه عبارة <إسقاط النظام>…

– <إسقاط النظام> جريمة. الدستور اللبناني والميثاق الوطني هما أساس النظام. أن نطالب بالتغيير نعم، لكن بإسقاط النظام لا. ما نحتاج إليه هو التغيير إذ إن الإصلاح لم يعد يفيد. <إذا انكسرت الجرّة ما بصلّحوها، بجيبوا جرّة تانية>. لدى لبنان إمكانات هائلة للتخلص من الدين كي يعيش أهله بكرامة، لكن المسألة تحتاج إلى أهليّة. <ما فيكي تسلّمي خبزك إلا للخبّاز>. إعتماد الكفاءة والاختصاص، لا المذهبية والطائفية والحزبية والعائلية والمحسوبية والزبائنية، هو مفتاح الحل!