20 September,2018

الوزير السابق كريم بقرادوني في حوار حول الاستحقاق الرئاسي: جلسة الأربعاء الماضي كانت بروفة تجريبية لكنها كشفت موازين القوى وبعدها تبدأ المعركة الجدية!

88-(1)

مرّت الدورة الاولى لانتخاب رئيس جديد للجمهورية دون أن ينتخب النواب رئيساً، وكأنها <بروفة> لما ستكون عليه الجلسات الأخرى، إنما الاكيد انها كشفت مواقف كل الاطراف وحددت موازين القوى بانتظار التوافق على مرشح يجمع ويستطيع تأمين نصاب الثلثين من الحضور والاغلبية المطلقة في الدورة الثانية للفوز بمنصب الرئاسة. فمن هو هذا الشخص وكيف ينظر المعنيون الى هذا الاستحقاق ونتائجه؟

<الأفكار> استضافت في مكاتبها رئيس حزب الكتائب والوزير السابق كريم بقرادوني الذي رافق العديد من العهود واختبر حراس الرئاسة الأولى وحاورته في هذا الخضم، بالإضافة الى سرّ تحوّله الى اعلامي في قناة <الميادين> وإدارته لحوار رئاسي بدءاً من السؤال:

ــ ما قصة انضمامك الى قناة <الميادين> وإدارتك لحوار سياسي يتعلق بالاستحقاق الرئاسي؟

– هذه قصة طويلة، زرت الاستاذ غسان بن جدو ذات يوم وفاتحته في فكرة إقامة حوار رئاسي بالتزامن مع الاستحقاق الرئاسي، لاسيما وانني احبه وأحب توجه <الميادين>، فسألني عما يفعله في هذا الشأن، فقلت له ان يبدأ من شهر شباط/ فبراير باستضافة كل المرشحين للرئاسة، بالإضافة الى الفاعلين في الشأن الرئاسي لتسليط الضوء على هذا الاستحقاق ولكي يسمع الناس الحقيقة عن معركة الرئاسة، خاصة وان اللعبة في النهاية ستكون في غرفة ضيقة، فوافق على هذه الفكرة، إلا أنه بعد عشرة ايام اتصل بي وطلب أن نلتقي، فحصل ذلك، وإذ به يقول لي ان فكرتي ممتازة وقد تشاور بها مع زملائه، وأشار الى نية البدء بها فوراً، لكنه وضع شرطاً للسير بها هو أن أدير هذا الحوار، ففوجئت بالأمر وقلت له ان مجتمعنا تقليدي ولا يقبل بأن يتحول رئيس حزب ووزير سابق الى مذيع أو ما شابه، علماً أن هذه مهنة محترمة جداً، لكنني مع هذا وافقت بعدما اخذني على حين غرة، وحددنا توقيت انتهاء الحلقات في نهاية شهر أيار/ مايو المقبل مهما تكن الأمور.

ــ هل صحيح انه دفع لك 5 آلاف دولار على كل حلقة؟

– لا، إنما 4 آلاف والباقي تكاليف للطاقم الآخر.

ــ هل انت من انتقى السيدة سعاد قاروط العشي؟

– لا.. هو من اختارها بهدف التقديم والتعليق على تاريخ الشخص الذي نستضيفه وعن العهود السابقة.

السباق الرئاسي

ــ نأتي الى الاستحقاق الرئاسي ونسألك: لو كنت نائباً ماذا كنت فعلت في جلسة الاربعاء الماضي وكيف قاربت ما حصل فيها؟

– هذه جلسة تحضيرية وليست تقريرية، لا بل هي تجريبية في السباق الرئاسي لكنها ستكشف موازين القوى.

ــ 14 آذار أيدت سمير جعجع لكن هذا ليس معناه أنها تؤيده في الدورات اللاحقة حتى ان الرئيس امين الجميل مرشح أيضاً من دون إعلان وهو لن ينسحب لأحد. فما صحة ذلك؟

– هذا صحيح، فالرئيس الجميل مرشح بالتأكيد، و14 آذار لم تتخذ قراراً موحداً بترشيح جعجع، وهناك أيضاً بطرس حرب وروبير غانم، بل اتخذت القرارات بالمفرق.

ــ يقال ان تيار <المستقبل> أيّد جعجع في الدورة الاولى لانه يعرف ان أمله بالفوز ضئيل وبالتالي يسجل موقفاً لصالح وحدة 14 آذار ومن ثم يطلب منه التنحي لصالح مرشح آخر له أمل بالفوز. فهل هذا منطقي؟

– المشهد الحالي واضح بعد الدورة الأولى التي لم ينل فيها اي مرشح 86 صوتاً، وكانت الورقة البيضاء هي الملكة، وفي الدورة الثانية لن ينال أحد 65 صوتاً أي الأغلبية المطلقة، وبالتالي قد تخلط الأوراق من جديد بين الاطراف لاسيما وان 14 آذار لم تحسم ان لديها مرشحاً واحداً، وبالتالي ستتوزع أصواتها ولن ينجح أحد منها، وبالتالي ما حصل هو <بروفة> أو اختبار أولي لموازين القوى وتوزيعها على أن يبدأ الكلام الجدي من بعد الجلسة.

ــ البعض يقول ان ترشيح جعجع معناه أنه موجود ومرشح دائم للرئاسة وليس دوره الآن وأزال التحفظ الذي كان قائماً ضده. فكيف ترى ذلك؟

– هذا صحيح، فبترشحه طوى صفحة الماضي، وهو بذلك نجح بدون أن ينجح، حيث نجح بطي صفحة وفتح صفحة جديدة وأصبح مرشحاً رئاسياً دائماً، بعدما طهّر ماضيه وطواه وصار له وجه آخر هو وجه رجل الدولة المرشح ليكون رئيساً للجمهورية، وإذا لم يكن هذه المرة فيمكن في المرات الأخرى بانتظار ظروف أخرى.

ــ الرئيس بري يقول انه سيحاول جعل المعركة صناعة لبنانية. فهل يستطيع ذلك فعلاً؟

– لا شكّ أن الرئيس بري <بارومتر> حقيقي بمعنى أنه يقيس الرياح السياسية، ولذلك فاعتقادي انه عندما يقول هذا الكلام فيكون في ذهنه ان الهوى الخارجي مهتم بسوريا، ولبنان يأتي في مرتبة متأخرة عما يحصل في سوريا بصورة خاصة، لاسيما وان انتخابات سوريا آتية في حزيران/ يونيو، ولذلك فمن الطبيعي أن يستنتج أنه يمكن ان يكون الرئيس الآتي صناعة لبنانية على اعتبار أن التدخل الخارجي غير وارد، طالما ان الاهتمام الخارجي لا يضع لبنان في أولوياته حالياً، وبالتالي يمكن للبنانيين أن ينتهزوا الفرصة ويعملوا على <لبننة> هذا الاستحقاق. فهذا ما يفكر به الرئيس بري وهو يقيس جيداً ويشم جيداً أيضاً، اي انه رادار جيد، وبالتالي اقول ان هذه الانتخابات ستكون لبنانية خاصة إذا جرت خلال المهلة الدستورية.

ــ هل يمكن ذلك أم ان الفراغ وارد؟

– لا يمكن التنبؤ بذلك لأن الغموض يحيط بهذه المسألة، لكن فرصة ان يكون الاستحقاق لبنانياً بامتياز ويتم خلال المهلة الدستورية أمر وارد وحقيقي، لكن المدى الزمني لانتخاب رئيس من صناعة لبنانية ليس مفتوحاً وإذا حصلت الانتخابات ضمن المهلة الدستورية، فالكلام عن اللبننة وارد وصحيح.

ــ من تتوقع أن يصبح رئيساً؟

– لا أزال اتوقع مجيء العماد ميشال عون.

ــ كيف ولماذا؟

– لأن الخط مع تيار <المستقبل> لا يزال قائماً، وتيار <المستقبل> رغم تأييده لسمير جعجع فإنه خلال عدة دورات إذا لم يصل جعجع، يصبح في حل من الالتزام به وسيفتش عن كيفية الخروج من المأزق.

ــ هل يكون ذلك باختيار خصمه؟

– يكون ذلك لصالح الخصم، ويبدو أن توازن القوى بين الفريقين متساوٍ، وكل فريق لديه 57 صوتاً تقريباً، وهذه الاصوات لا تصنع رئيساً، وبالتالي لا بد من اختراق ما قد يحدث لانتخاب رئيس، وهذا الاختراق يكون باتجاه فتح الطريق الذي بدأ بين ميشال عون والرئيس سعد الحريري، وأهمية هذا الامر انه لا يصنع فقط رئيساً للجمهورية، بل بوصول رئيس يستطيع أن يحكم، فلدى الرئيس المقبل ست سنوات ليست سهلة في ظل اوضاع المنطقة، واعتقادي ان أفضل تركيبة للحكم المقبل هي ان يكون ميشال عون رئيساً للجمهورية ونبيه بري رئيساً للمجلس وسعد الحريري رئيساً للحكومة، حيث ان هذه السيبة تستطيع أن تحكم، وإلا إذا بقينا نتمسك بسيبة سنية من هنا ضد سيبة شيعية من هناك، والماروني سيكون شقفة من هنا وشقفة من هناك، فهذه سيبة غير قابلة للحكم، والدليل الحقيقي ان الحكومة الاخيرة استنفدت 11 شهراً لتأليفها، فكيف يمكن الحكم في بلد مركب كلبنان؟ فالجزء الجميل انه لا توجد تجمعات طائفية هنا وهناك، ولذلك نستبعد الحرب ولن تتكرر تجربة الجبهة اللبنانية مقابل الحركة الوطنية، لأن هناك مسيحيين مع السنة ومسيحيين آخرين مع الشيعة، وبالتالي فتركيبة 8 و14 آذار مريحة، لكن التوازن الذي خرج عنها لم يساعد على الحكم، وبالتالي لا بد من كسر هذه الحلقة، فإما ان يذهب سمير جعجع للاتفاق مع الشيعة وهذا غير وارد لا عنده ولا عند الشيعة، والاحتمال الاكثر حدوثاً، ان يصبح ميشال عون متناغماً مع السنّة ومتواصلاً معهم، وبالتالي فالخط المفتوح بين عون والحريري من الممكن ان يعطي هذه النتيجة، فيما خط جعجع مع الشيعة مغلق، وبالتالي لا بد من التفكير برئيس جديد يستطيع ان يحكم أيضاً.

لا مجال لتعديل الدستور

ــ يعني وصول رئيس على غرار الرئيس سليمان أمر غير وارد؟

– هناك شيء انتهى، وهو تعديل الدستور بعدما اتفق الجميع على ذلك، وبالتالي فلا تمديد ولا تعديل من أجل قائد الجيش العماد جان قهوجي أو حاكم مصرف لبنان الدكتور رياض سلامة أو أي شخص آخر.

ــ يقال ان الدكتور رياض سلامة لا يلزمه تعديل لأنه ليس من الفئة الاولى. هل هذا صحيح؟

– هناك دراسة كما قيل لي تؤكد ذلك، لكن في المطلق التعديل غير وارد وبالتالي فالانتخاب المباشر هو المخرج بحيث اذا لم تخرج من لبنان تركيبة حاكمة فلا نكون قد فعلنا شيئاً، ويأتي رئيس لا يستطيع حتى إدارة الازمة، فيما المطلوب وصول رئيس يصنع في لبنان، خاصة وان ادارة الأزمة في ظل الاوضاع القائمة أمر مهم ومن يستطع ذلك يكون رجلاً يتمتع بشخصية فذة، ولذلك فالمطلوب رئيس قوي بشعبية كصفة اولى مع اضافة صفة ثانية هو ان يكون الرئيس عاقلاً، وبالتالي فالرئيس القوي هو من تكون لديه شعبية حتى يحترمه الآخرون وان يكون عاقلاً كي يستطيع إدارة الأمور.

ــ كيف قرأت برنامج جعجع الانتخابي؟

– وجدت انه برنامج مشغول جيداً، وهذا موقف يريده مجمل المسيحيين، ولكن ما لفت نظري فيه مسألة فترة الحياد والتي يلزمها ان تدرس جيداً، وهو ليس الحياد عن الصراع العربي – الاسرائيلي، إنما الحياد عن صراع الدول العربية فيما بينها بما يقرب من فكرة النأي بالنفس، بالإضافة الى انه نسج برنامجاً لحكومته رغم أنه لا يستطيع ان يؤسس لبرنامج  حكم، لأن الرئيس بعد الطائف لم تعد له صلاحيات كبيرة تساعده على سن برنامج حكم، بل يستطيع إصدار طروحات للحكم بموافقة الشريك المسلم، بينما سمير جعجع طرح برنامجاً وفق زوايا متعددة، علماً انه لم يحصل نقاش حقيقي حول هذا البرنامج، وبالتالي قام جعجع بانتخابات على الطريقة الاوروبية من ترشيح الى طرح برنامج وارساله الى القيادات السياسية للنقاش. وفي رأيي انه لم يحدث ان كان هناك برنامج حكم في لبنان، بل كان لبنان يدار حسب الظروف الآتية عليه، ويكفي ان تكون لدى الرئيس رؤية معينة كحال فؤاد شهاب الذي كان افضل الرؤساء، ومع هذا لم يضع برنامج حكم، بل أراد تحديث الادارة وتأمين العدالة الاجتماعية والحفاظ على الوحدة الوطنية. وفي تقديري ان الرئيس يجب ان يكون رمزاً وطنياً يوحد اللبنانيين والباقي من التفاصيل، حتى ان السهر على الدستور مسألة تتعلق بالمجلس الدستوري، وكذلك بالنسبة للقوانين التي تنفذها الحكومة ولكن دور رئيس الجمهورية الاساسي هو الحفاظ على وحدة الوطن ويكون وطنياً حقيقياً وتوحيدياً فعلياً.

جان عبيد وحظوظه

ــ هل يمكن أن يأتي رئيس توافقي مثل الدكتور رياض سلامة أو جان عبيد؟

– سيحدث هذا الأمر بعد 25 أيار/ مايو وبعد استنفاد امكانية وصول أحد الأربعة الكبار أمين الجميل، ميشال عون، سليمان فرنجية وسمير جعجع)، علماً أن جان عبيد ذو نَفَس توحيدي وتركيبته هكذا ولديه ما يكفي من عقل ليجد المشترك بين الأطراف، وبالتالي يحكم بالمشترك وليس بالتفرّد. وجان عبيد قادر على ذلك، لكن حظه ضئيل طالما ان الاقطاب الاربعة لا يزالون مطروحين كمرشحين سواء له أو لغيره. حتى الآن يبدو لهذه الرباعية المارونية انها لن تتوافق فيما بينها حتى ان الاربعة لن يتفقوا على مرشح من خارجهم، ولذلك فعندما تنتهي محاولات هذه الرباعية يصبح الاتجاه منصباً على التفتيش عن مرشح خارجها وجان عبيد يأتي في المقدمة من دون شك، ويشبه وضعه حال السلحفاة والارنب، وصحيح ان جان عبيد سلحفاة، لكن من الممكن ان يسبق الارنب واسمه وارد ضمن التسويات.

ــ حظوظه أكثر من الدكتور رياض سلامة؟

– أكيد.. الدكتور سلامة أثبت من دون شك انه افضل انسان يدير النقد في أصعب الظروف وهذه ميزة لا تجدها عند كثيرين، حيث نجد الكثير من السياسيين، لكن لا نجد الكثيرين من أصحاب النقد. وانا أؤيد بقاء الدكتور رياض سلامة حاكماً لمصرف لبنان لأن بديله غير مضمون، بالإضافة الى ان من ينجح في النقد قدلا ينجح في السياسة، وهذا سؤال مطروح، لكن العكس ممكن إذا عمل السياسي على نفسه، فإنه يستطيع أن ينجح في الاقتصاد.

وأضاف:

– في تقديري ان رئيس الجمهورية من واجبه ان يعمد فوراً الى الاهتمام بمسألتين اثنتين: الاولى كيفية التعامل مع اكثر من مليون نازح سوري ومعرفة طريقة حل أزمتهم والتفاهم مع سوريا على هذا الامر كي لا يتحولوا مع الوقت الى فلسطينيين جدد، والثانية القضية الاجتماعية الاقتصادية، لأن الفقر في لبنان لم يعد يطاق، وهو يكبر كما الكفر يكبر. ولهذا السبب نجد من يشتري شخصاً بـ 500 دولار ليغتال أكبر شخص.. فهذا هو الفقر بحد ذاته وليس التعصب الديني فقط. ولذلك فأول مهمة لرئيس الجمهورية هي مواجهة مشكلة النازحين والأزمة المعيشية، وان يركب الحكومة على هذا الاساس، علماً ان رئيس الجمهورية لا يجب ان تكون له حصة وزارية، بل تكون الحكومة كلها له. فمن الخطأ ان يحصل الرئيس على حصة ما كحال أي حزب او كتلة نيابية لأنه ليس جزءاً من الحصص، بل هو الحصة كلها ويتدخل في اختيار كل وزير، وبالتالي إذا تحوّل الى فريق لديه حصة يسقط من رئيس جمهورية الى احد مكونات الحكومة.

ــ ماذا تتوقع يوم 3 حزيران/ يونيو موعد الانتخابات السورية؟

– الرئيس بشار الاسد سيفوز في الانتخابات وسيهنئ رئيس جمهورية لبنان، لأنه حسب تقديري سينتخب رئيساً لسوريا قبل انتخاب الرئيس اللبناني إذا تأخر عن الموعد يوم 25 أيار/ مايو المقبل. وأعتقد ان الاسد سيفوز بنسبة كبيرة تصل الى اكثر من 60 بالمئة من الاصوات، علماً أن الخارج كان يدعو في البداية الى إسقاط الاسد، وبعد ذلك طرح إمكانية السماح له أن يختار  بديلاً بنفسه كما حصل عندما طرح اسم فاروق الشرع، ومن ثم قال هذا الخارج ان لا مانع من عودة الاسد والكل اعترفوا بأن لا حل بدون بشار الاسد وبالتالي هو رئيس معترف به من الجميع، وكنت أتمنى لو ان المعارضة وحدت صفوفها حول مرشح واحد لإقامة التوازن والمساعدة في إنهاء الحرب ووقف الدمار والخراب والانصياع للعبة الديموقراطية، لكن المعارضة اصبحت معارضات، ولذلك فمن البديهي بالنسبة لي أن يكون الرئيس المقبل هو بشار الأسد.