17 November,2018

الوحدة المصرية - السورية ما زالت حاضرة في الذاكرة في زمن يخيم فيه شبح التجزئة والتقسيم والتفكك على اكثر من دولة عربية

بقلم صبحي منذر ياغي

Asmaa100006

     كانت الوحدة العربية امل الجماهير العربية، وكان شعار <الوحدة طريق فلسطين> المنهج والعقيدة، لذا سعت الأحزاب والحركات القومية في الوطن العربي لتحقيق هذا الحلم، إلا انها كانت دوماً تصطدم بصعوبات وعراقيل داخلية وخارجية أجهضت هذه الأحلام، وكانت تجربة الوحدة السورية المصرية رغم كل شوائبها أملاً للعروبيين نحو الوحدة الشاملة، ولكن الانفصال حطم كل هذه الاماني والاحلام، فكيف في ظل هذا الزمن الذي يعيش فيه الوطن العربي خطر التقسيم والتجزئة وقيام الدويلات الطائفية؟

… <أيها المواطنون أعضاء مجلس الأمة…حين حصلت سوريا على استقلالها الكامل تطلعت إلى مصر، وحين حصلت مصر على استقلالها الكامل تطلعت إلى سوريا. ولقد كان التقارب، بل التوافق والتماثل، كاملاً. لقد كان في سوريا رد فعل لكل حركة في مصر، كما كانت أصداء الذي يحدث في دمشق تتجاوب في القاهرة. لقد مهدت عوامل كثيرة وكبيرة، نبيلة وعميقة لهذا الذي ربط بين مصر وسوريا، ولقد كان البشير بالفجر هو ذلك القرار الذي اتخذه مجلس النواب السوري واتخذه مجلسكم  بالعمل فوراً لتحقيق الوحدة بين مصر وسوريا>.

تلك كانت مقتطفات من خطاب الرئيس جمال عبد الناصر في مجلس الامة يوم 5/2/1958 بمناسبة إعلان أسس الوحدة بعد ذلك بين مصر وسوريا يوم 22 شباط/ فبراير من العام 1958.

لقد جرى إعلان الوحدة في أجواء حماسية عمت سوريا ومصر وأقطار العالم العربي كافة. وعلى الرغم من ان إعلان الوحدة أحدث جدلاً كبيراً في الاوساط السياسية العربية التي انقسمت بين مؤيد رأى فيها خطوة نحو الوحدة العربية الشاملة، ورافض اعتبار ان هذه الوحدة مجرد خطوة ارتجالية عاطفية، لم ترتكز على أسس منطقية وواقعية. إلا ان هذا الحدث التاريخي ما زال حاضراً في الذاكرة العربية بصورته البيضاء، خاصة في هذا الزمن الذي يخيم فيه شبح التجزئة والتقسيم والتفكك على أكثر من دولة عربية.

ويؤكد الباحث محمد بكري في حديث مع <الافكار> ان البعض اعتبر ان الوحدة المصرية – السورية التي أعلنت يوم 22 شباط/ فبراير من العام 1958 كانت نتيجة المطالبة الدائمة لمجموعة من الضباط السوريين، SL-54-01في وقت كان فيه قادة حزب البعث العربي الاشتراكي قد قاموا بحملة من اجل الاتحاد مع مصر.

ورأى النائب السوري السابق الدكتور جورج جبور: <انه منذ منتصف عام 1954، ومنذ مطلع عام 1955 خصوصاً، ابدت الجماهير في سوريا اهتماماً خاصاً بثورة مصر: اتفاقية القناة، مقاومة الاحلاف، بلورة الفكرة العربية لدى قادة ثورة مصر، الضغط الصهيوني على مصر متمثلاً في الحملة على غزة في مطلع عام 1955، مؤتمر <باندونغ>، صفقة الاسلحة، توضح الاتجاه الاجتماعي للثورة ومحاربتها الجدية للإقطاع… كل ذلك أكسب الثورة وقائدها احتراماً عظيماً في الاوساط التقدمية والديموقراطية في القطر العربي السوري، فإذا أضفنا الى كل ذلك الوزن الذي تمثله مصر في الوطن العربي: بشرياً وحضارياً وجغرافياً، اتضح لدينا ان استقطاب الزعامة الناصرية للجماهير العربية في النصف الثاني من الخمسينات كان امراً محتماً>.

وتابع جبور: <بدأت ملامح هذا الاستقطاب في سوريا عام 1955 حين طرحت حكومة الثورة في مصر مواجهة حلف بغداد شعار انتهاج سياسة عربية خارجية مستقلة، ضمن نطاق الجامعة العربية، وتقوية ميثاق الضمان الجماعي العربي. لقي هذا الشعار ما يستحقه من تقدير لدى القوى الوطنية في سوريا، فألفت حكومة جديدة ساهم فيها حزب البعث في الحكم، كذلك بدأت منذ تلك الفترة دعوة حزب البعث الى الاتحاد بين مصر وسوريا باعتبار انهما البلدان الاكثر تحرراً من البلدان العربية الاخرى>.

وقد عقدت الحكومة السورية في شهر تشرين الاول/ اكتوبر 1957 معاهدة للتعاون الاقتصادي مع الاتحاد السوفياتي. واجتمع في 18 تشرين الاول/ اكتوبر 1957 مجلس النواب السوري ومجلس النواب المصري في جلسة مشتركة واصدرا بالإجماع بياناًً تضمّن دعوة الى حكومتي البلدين للاجتماع وتقرير الاتحاد بين الدولتين. وفي هذا الاتجاه، اجتمع رئيسا البلدين وأركان حكومتيهما واصدرا بياناً في 22 شباط/ فبراير 1958 أعلنا فيه توحيد القطرين في دولة واحدة هي الجمهورية العربية المتحدة التي تقرر ان يكون نظامها رئاسياً ديموقراطياً. وبالفعل جرى استفتاء شعبي على الوحدة وتم انتخاب جمال عبد الناصر رئيساً للجمهورية العربية المتحدة.

 

الحلم العربي

المحامي غالب ياغي (الذي تولى في تلك الحقبة امانة سر القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي في لبنان) اعتبر في حديث مع <الافكار> ان الوحدة العربية كانت وما زالت حلماً بالنسبة الى العرب، وجاءت الوحدة المصرية السورية تلبية لرغبات الشعبين المصري والسوري، في إطار الجو الدولي الضاغط، والاحداث التي شهدها الوطن العربي من تأميم قناة السويس، والعدوان الثلاثي على مصر، والحشودات التركية على الحدود السورية وصولاً الى قيام حلف بغداد بالمؤامرات والدسائس… ومنذ أيام إنشاء حكومة صبري العسلي في سوريا، أصرّ ميشال عفلق على ان يتضمن البيان الوزاري للحكومة الدعوة الى الوحدة السورية المصرية، وقد لاقت هذه الدعوة تأييد مجلس الشعب السوري. وقد قام عدد من قادة الألوية في الجيش السوري بمفاوضة الحكومة المصرية حول الوحدة، وكان من بين هؤلاء عبد الغني قنوت، وأمين الحافظ، عبد-الحميد-السراجوصلاح جديد، ومصطفى حمدون… وأعلنت الوحدة، ومنح الرئيس السوري شكري القوتلي لقب <المواطن العربي الاول>.

وفي لقاء مع النائب السابق اللواء سامي الخطيب الذي عايش تلك الفترة من موقعه كضابط أمني في الشعبة الثانية (الاستخبارات اللبنانية)، اعتبر ان <الوحدة المصرية السورية كانت نتيجة لتطلعات الشعوب العربية وامانيها في التوحد، وكانت جزءاً من احلامنا وتطلعاتنا>.

وفي رأي غالب ياغي ان الوحدة بين مصر وسوريا <أعطت الأمل للمواطن العربي بإمكان السعي الى الوحدة الشاملة، وكانت في تلك الفترة الرد الحاسم على المؤامرات التي كانت تستهدف سوريا ومصر ولبنان وبقية الدول العربية>.

ممارسات ديكتاتورية

في المقابل، أكد المعارضون لمشروع الوحدة والمتابعين لهذه الفترة التاريخية انه منذ قيام الجمهورية العربية المتحدة، بدأت الممارسات الديكتاتورية من جانب الرئيس عبد الناصر، بحيث عمد الى اقتلاع أحشاء السياسة السورية، وكان قد وضع شرطين لقيام هذه الوحدة، أولهما ان يمتنع الضباط عن ممارسة العمل السياسي، وحلّ الاحزاب في سوريا ومن بينها حزب البعث، وهذا ما أثار نقمة عدد كبير من البعثيين الذين لم يتوقعوا استبعادهم من الوحدة وهم من صانعيها.

السياسة المتبعة تجاه سوريا أفقدتها سيطرتها على شؤونها الداخلية والخارجية، وانعدمت الحياة السياسية فيها، لتنحصر في أيدي المسؤولين المصريين، ولم تعد دمشق سوى مركز محافظة، وأنشأ عبد الناصر حكومة مركزية ضمت: اكرم الحوراني، وصلاح الدين البيطار، وكانت الشؤون المصرية والسورية من اختصاص مجلسين تنفيذيين محليين. وفي تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1959، ارسل الرئيس جمال عبد الناصر أبرز مساعديه المشير عبد الحكيم عامر ليتولى حكم سوريا التي أطلق عليها اسم الاقليم الشمالي، اما مصر فكانت الاقليم الجنوبي.

ولأن الوحدة لم تأتِ وفق ما تمناه السوريون، فقد بدأ عدد منهم بالتعبير عن رفضه ومشاعره، وخصوصاً بسبب التدخلات المصرية في الشاردة والواردة، وبسبب تهميش دور الزعماء والقادة السوريين، حتى أولئك جمال-عبد-الناصر-يعلن-الوحدة-في-سورياالذين كانوا في المناصب الحكومية، ومنهم اكرم الحوراني.

وأشار المحامي غالب ياغي الى ان اكرم الحوراني ابلغه في بيروت ان الاختلاف بينه وبين عبد الناصر كان سببه الرئيسي موضوع تحويل الاسرائيليين لنهر الاردن، وهذا ما دفعه الى تقديم استقالته من منصب نيابة الرئاسة ومن وزارة العدل في الحكومة المركزية، وأصدر الحوراني بياناً في 13 حزيران/ يونيو 1963 بعد انفصال سوريا عن مصر تحدث فيه عما جرى في جلسة الوزارة المركزية في القاهرة بتاريخ 29 تشرني الثاني/ نوفمبر 1959 (وقد ذكر الحوراني ذلك في مذكراته الصادرة عن مكتبة مدبولي في القاهرة عام 2000).

اضطهاد المعارضين

ويذكر الذين عايشوا تلك الفترة كيف بدأت عملية ضرب المعارضين من الشيوعيين في الدرجة الاولى لتطول بعدها البعثيين، ولعب المقدم عبد الحميد السراج دور الجلاد، فزجّ عدداً من المعارضين في غياهب السجون وفي الاقبية السود، وتعرض الكثير من هؤلاء لأبشع أنواع التعذيب الجسدي والنفسي وبأساليب وحشية. وكان من أبرز ضحاياه المناضل الشيوعي فرج الله الحلو.

ورأى غسان زكريا (عديل عبد الحميد السراج): <… ان السراج حوّل سوريا في زمانه الى سجن كبير، اختفت فيه كل مظاهر الديموقراطية وشكلياتها، وضرب فيه وعذب وزراء ونواباً وأطباء ومحامين وصحافيين ورجال أعمال ومهندسين ونساء ورجال دين، وهو ما لم يجرؤ الاستعمار الفرنسي على مدى ربع قرن على فعله وهو يحتل الشام ولبنان بمئة ألف جندي>..

مكتب امني خاص للشؤون اللبنانية

عندما تولى عبد الحميد السراج وزارة الداخلية والمسؤولية الامنية في عهد الوحدة السورية – المصرية، عمد الى إنشاء مكتب أمني خاص للشؤون اللبنانية، مركزه عند منطقة الحواكير في دمشق، وتولى مسؤولية هذا عفلق-مع-عبد-الناصر-وصلاح-البيطار-عام-1958المكتب الضابط السوري برهان أدهم (ابو ابراهيم).

تصرفات السراج ، والممارسات السياسية الخاطئة التي انتهجها الضباط والمسؤولون المصريون والسوريون ، فضلاً عن التدخلات الخارجية والدسائس كلها شكلت عوامل لانهيار الوحدة، واعتبر البعض ان عبد الحميد السراج كان من أبرز الضباط الذين أساؤوا فعلاً للوحدة وساهم من خلال ممارساته القمعية بنفور الناس ومطالبتهم بحل هذا الترابط ما بين مصر وسوريا.

هدى جمال عبد الناصر

وفي اتصال مع <الافكار>، مع السيدة هدى جمال عبد الناصر (كريمة الرئيس الراحل) حول تصرفات السراج ومدى مسؤوليته عن انهيار الوحدة، اعترفت بدوره في حدوث الانفصال من جراء ممارساته وتصرفاته، وأكدت انه تمت دعوة السراج الى الندوة التي عقدتها جريدة <الاهرام> حوالى عام 2004 في مصر، عن الوحدة المصرية – السورية للمساهمة والمشاركة، إلا ان السراج لم يحضر ولم يشارك، وتمنع حتى عن الإجابة او الرد على الكثير من الاستفسارات والاسئلة، واتهموه صراحة في الندوة بأنه من المسؤولين عن الانفصال، وأشارت السيدة هدى عبد الناصر الى ان لديها رسائل متبادلة بين الرئيس عبد الناصر والمشير عبد الحكيم عامر تشير الى الصراع الذي كان دائراً بين عامر والسراج حول أمور كثيرة.

هدى-جمال-عبد-الناصرالنحلاوي قائد الانفصال

 

وتحقق ما كان متوقعاً، ففي 28 ايلول/ سبتمبر 1961، قامت مجموعة من الضباط السوريين بقيادة المقدم عبد الكريم النحلاوي (مدير مكتب عبد الحكيم عامر)، وبدعم عربي وبمؤازرة من رجال الاعمال السوريين الساخطين بسبب قرارات التأميم، بانقلاب عسكري في أجواء متأزمة من  النواحي كافة. وفوجىء الرئيس عبد الناصر بأنباء التمرد السوري لكنه رفض سحق هذا الانفصال بالقوة تجنباً لإراقة الدماء العربية، فتصرف بعقلية الحاكم الوطني والمسؤول. وغادر عبد الحكيم عامر دمشق الى القاهرة، فيما أيد صلاح البيطار وأكرم الحوراني الانفصال وكانا من بين السياسيين السوريين الموقعين على الوثيقة الانفصالية في 2 تشرين الاول/ اكتوبر 1961.

 ولا ينفي النائب سامي الخطيب في اتصال مع <الافكار> ان تكون الاسباب الداخلية قد لعبت دورها في حصول الانفصال، إضافة الى الدور الذي لعبته السفارات الغربية التي كانت منذ الأساس ضد هذه الوحدة..

انهارت الوحدة المصرية – السورية وانهارت معها آمال الجماهير بوحدة عربية تمتد من المحيط الى الخليج، كما انهار من بعدها الميثاق القومي المشترك ما بين سوريا والعراق عام 1979، وكأنه مكتوب على العرب الا يتحدوا وألا يلتقوا إلا في قاعة الجامعة العربية ومؤتمرات القمم العربية التي صارت بدورها شاهد زور في هذا الزمن الذي تتكالب فيه دول الارض على الوطن العربي الذي يسبح فوق بركة من الدماء والعنف والقهر.