23 March,2019

الواقـع المالــي والاقتصــادي للعام 2018 والتحديات المنتظرة مع السنة الجديدة!

 

بقلم طوني بشارة

ترافق تراجع النمو في لبنان مع تزايد ظاهرة البطالة واقفال العديد من المؤسسات مما جعل العديدين يفترضون ان الوضع في لبنان بات على شفير الانهيار، كما استرسل البعض الى التكهن بأن الوضع سيزداد سوءا في العام 2019 في ظل عدم وجود خطة اقتصادية للنهوض مع استمرار التراجع في القطاعات الصناعية والزراعية والتجارية، فما صحة هذه التكهنات، وهل تختلف تحديات اليوم عن تحديات الماضي؟ وما هي المتغيرات التي توحي بالتراجع؟ وهل من نية او من بصيص امل للتحرك؟

حمدان والشائعات!

<الأفكار> وللقيام بتحليل مالي اقتصادي موضوعي للبنان عام 2018 نقلت رأي الخبير الاقتصادي والمدير التنفيذي لمؤسسة البحوث والاستشارات الدكتور كمال حمدان حيث قال بأن المؤشرات الإحصائية التي تفيد بعدم قابلية الأوضاع الاقتصادية اللبنانية للاستدامة تتزايد، وهو يوصي الحكومة الجديدة بضرورة الاستثمار في اصلاح وتطوير المرفق العام، ومعالجة الضعف الاستثنائي وغير المسبوق في إنتاجية الانفاق العام، وإعادة هندسة خصائص النظام الضريبي.

ــ المتتبع للأوضاع الاقتصادية يلاحظ في الآونة الأخيرة كثرة الشائعات حول استدامة التردي في الوضع الاقتصادي، فكيف تختلف التحديات الاقتصادية التي يواجهها لبنان اليوم عن تحديات الماضي؟

– بالفعل تتزايد المؤشرات الإحصائية التي تفيد بعدم قابلية الأوضاع الاقتصادية اللبنانية للاستدامة اذا ما استمرت اتجاهات التطور الاقتصادي خاضعة لمنحاها الراهن. ومع استمرار تراجع معدلات نمو ودائع القطاع المصرفي، تتوطد القناعة بأن ما يدخل الى البلد من عملات صعبة سنويا عبر صادرات السلع والخدمات وتدفق التحويلات الخارجية والاستثمارات الأجنبية المباشرة والحركة الصافية لرؤوس الأموال، لم يعد يكفي لتلبية احتياجات القطاعين العام والخاص من هذه العملات، ويطرح هذا الواقع تساؤلات مشروعة حول مدى قدرة البلد على المضي في سياسة التثبيت النقدي المتواصلة منذ أواسط التسعينات والتي كانت موجات متلاحقة من التضخم المتفلت وتردي أسعار صرف العملة الوطنية قد فرضتها.

ونوه حمدان قائلا:

– ان التحديات الاقتصادية التي يواجهها لبنان راهنا باتت تختلف بشكل جذري عما سبقها من تحديات، بحسب ما تشير اليه العوامل الأساسية الآتية:

 أولا، تعاظم الخلل البنيوي في أداء النظام السياسي اللبناني الطائفي وطبقته السياسية التي انغلقت اكثر فأكثر على مفهوم ماضٍ ومتخلف لمقولة التوازن الطائفي، ثم جنحت مواقفها نحو سمات مذهبية اكثر تخلفا، مما عزز طغيان التحاصص والعلاقات الزبائنية على حساب مبادئ المواطنة واعاق بناء الدولة وتحديث وظائفها واستهدافاتها.

وثانيا: انعكاس حقبة الربيع العربي او بالأحرى الخريف العربي وما رافقها من حروب أهلية متنقلة ومن تفاقم تداعيات الصراع السعودي- الإيراني، في تغييرات كبيرة طالت خصائص المحيط العربي والإقليمي واولوياته وحولته الى حاضنة غير مؤاتية لنمو الاقتصاد اللبناني في الحقول التي تغطي عملية تبادل السلع والخدمات والاستثمارات ورؤوس الأموال واليد العاملة.

 وتابع حمدان قائلا:

– اما ثالثا فتمثل ببروز تحولات أساسية في المعطى الدولي، مع ازدياد نفوذ الحركات السياسية الشعبوية والمحافظة وبخاصة اثر وصول <ترامب> الى سدة الرئاسة الأميركية، حيث تراجعت مساحة الحوار والاعتدال والتوازن في العلاقات السياسية والاقتصادية الدولية، وغلبت لغة المجابهة والعسكرة وتعميم العقوبات والتراجع عن الانفاقات الدولية وإعادة اشعال فتيل السياسات التجارية الحمائية.

مؤشرات التراجع!

ــ  الازمة واقعة لا محالة ولكن استنادا الى أية مؤشرات يمكن قياسها وما هي المتغيرات التي تشير الى ذلك؟

– في المحصلة العامة هناك استمرار في استقرار معدلات النمو الاقتصادي على مستويات شديدة الانخفاض تقل عن سدس معدل النمو السنوي الوسطي المحقق بين عامي 2007 و2010، وعن نصف المعدل السنوي المسجل منذ عام 1993، وتبرز اهم المتغيرات الاقتصادية المعبّرة عن ازمة لبنان اليوم كالآتي:

أولا: استمرار المنحى التصاعدي في نسبة العجز المالي (مع تسجيل تفاقم إضافي في النصف الأول من عام 2018)، وتراجع قدرة المصارف على تمويل هذا العجز الإضافي بسبب انخفاض معدل نمو الودائع المصرفية وتزايد انكشاف المصارف إزاء القروض العقارية والسكنية، الامر الذي أدى الى ارتفاع معدلات الفائدة وتفاقم كلفة خدمة الدين العام ونسبة الدين الى الناتج المحلي.

وتابع حمدان قائلا:

– اما المتغير الثاني فهو ارتفاع الخلل في كافة حسابات لبنان الخارجية بحسب ما تعبّر عنه العجوزات التراكمية القياسية خصوصا في ميزان المدفوعات وكذلك في الحساب الجاري والميزان التجاري، وانسحاب هذه العجوزات سلبا على تقييم المخاطر السيادية التي تطال بشكل عضوي وفي الوقت ذاته كلاً من الدولة والقطاع المصرفي.

اما ثالثا فهو القدرة المتواضعة لمؤسسات القطاع الخاص على خلق فرص عمل لاسيما تلك الفرص اللائقة، في وقت تستمر التخمة في عروض العمل حيث يقدر عدد خريجي الجامعات سنويا بنحو 37 الف خريج ويضاف اليهم بضعة عشرات الالاف من خريجي التعليم المهني النظامي وغير النظامي، ناهيك عن الوف العاملين الذين فقدوا أعمالهم بفعل منافسة اليد العاملة غير اللبنانية الرخيصة.

حمدان ونقطة التحول!

ــ  متغيرات ومخاوف من جهة وبالمقابل لا تحرك سياسياً من جهة أخرى، فهل تعتقد ان القادة بانتظار نقطة تحول أساسية او تراجع ملحوظ من اجل التحرك للإصلاح، ام انه لا توجد نية للتحرك؟

– ان اكثر ما يعاني منه اللبنانيون في علاقتهم مع اطراف السلطة يكمن في ان هؤلاء لا يعيرون أي اهتمام لعامل الوقت او الزمن، وما يترتب عنه من منافع اقتصادية ومالية اذا ما أحسن استخدامه، او من تكاليف باهظة في حال حصول العكس، ولعل ابرز مثال على ذلك هو موضوع الكهرباء حيث لم تنفك الحكومات المتعاقبة منذ اكثر من عقدين عن ادعاء جهوزية المشاريع لتطوير هذا القطاع من دون ان يحصل أي تقدم فعلي في هذا المجال، مع العلم ان الدعم الرسمي لهذا القطاع يشكل وحده نحو 40 بالمئة من قيمة العجوزات السنوية المتراكمة في موازنات الدولة .

ــ  ماذا عن نقطة التحول المنتظرة؟

– لا يخفى على احد انه وفي ظل عدم اقتران نتائج الانتخابات النيابية الأخيرة ببروز تيار مدني ديمقراطي إصلاحي وغير طائفي يحتل موقعا مقررا داخل السلطة ويتولى تنفيذ الإصلاحات، فإن نقطة التحول التي يمكن ان تحصل بين اطراف الحكم – وتسهل الشروع في هذه الإصلاحات، تبقى مرهونة نظريا بواحدة او اكثر من الفرضيات الآتية: ان يبرز من داخل نظام التوازن الطائفي طرف إصلاحي مهيمن يكسر المعادلات الفوقية المتوارثة ويلعب دور المستبد العادل في محاكاة للتجربة الشهابية في الستينات، او ان تتزايد بصورة داهمة احتمالات سيناريو الانهيار المالي والاقتصادي، فتنشأ عندئذٍ تحت ضغط الشعب صدمة داخلية تحتم قيام كتلة إصلاحية مختلطة من داخل اطراف السلطة لتتولى الشروع في تنفيذ الإصلاحات، او ان تحصل انفراجات سياسية وامنية في الوضعين الإقليمي والعربي فتنعكس تحسنا في المناخ العام السياسي الداخلي وفي الفرص الاقتصادية المتاحة عربيا وإقليميا امام لبنان، مع العلم ان تعظيم حجم المنافع المرتقبة قد يفرض على الطرف اللبناني الالتزام بتنفيذ بعض الإصلاحات.

 

الفئات الأكثر تضررا والتوصيات الاقتصادية!

 

ــ  من هي الفئات الاجتماعية الأكثر تضررا من أي انفجار للوضع الاقتصادي؟

– شهد لبنان خلال الثمانينات واوائل التسعينات انهيارات نقدية متعاقبة بالتزامن مع موجات عاتية من التضخم المتفلت حيث ارتفع سعر صرف الدولار تجاه الليرة نحو الف ضعف ووصل المعدل الوسطي للتضخم الى 110 بالمئة سنويا بين عام 1984 وعام 1994، ومع استعادة الدروس المستخلصة من هذه الازمات يمكننا ترقب خارطة الفئات الاجتماعية الاكثر تضررا من أي انفجار محتمل للازمة كالآتي:

أولاً: انهيار القوة الشرائية للاجراء في القطاعين العام والخاص وبنسبة اكبر للاعداد المتزايدة من الاجراء غير النظاميين.

ثانيا: تبخر جزء أساسي من القيمة الفعلية لادخارات الاجراء المتراكمة بالعملة اللبنانية في فرع تعويضات نهاية الخدمة التابع للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، كونها محررة بالليرة اللبنانية ويجري استثمار غالبيتها في سندات الخزينة.

ثالثا: ازدياد استقطاب الفئات العليا من أصحاب العمل للفئات المتوسطة والدنيا، كنتيجة لتزايد سيطرة الاتجاهات الاحتكارية على بنية الأسواق المحلية، وهذه التداعيات سوف تؤدي الى تفاقم مظاهر عدم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي وبالتالي السياسي في البلد.

ــ  وفي حال توافرت الإرادة السياسية لمعالجة الازمة، هل من توصيات اقتصادية يفترض اتباعها؟

– في حال توافرت الإرادة السياسية – وهذا امر يحتاج الى نقاش طويل- فإنه يمكن تصور التوصيات الأهم التي ينبغي على الجهات المعنية ان تضعها موضع التنفيذ كالآتي:

أ – الاستثمار الحكومي في اصلاح وتطوير المرفق العام والخدمات العامة الأساسية كشرط موجب لتعزيز النمو والنشاطات الاقتصادية ذات القيمة المضافة العالية.

ب – إعادة هندسة خصائص النظام الضريبي في اتجاه يحقق قدرا اكبر من الفعالية والعدالة في بلد يتميز بأعلى مستويات التركز في الثروة والدخل بحسب ما تظهره المقارنات الدولية.

ج – الانكباب على المعالجة لاسيما معالجة الضعف الاستثنائي وغير المسبوق في إنتاجية الانفاق العام وما يتضمنه من تفشي مزاريب الهدر والفساد ذات الصلة بالطبيعة الطائفية للنظام السياسي وانعدام الحوكمة.