21 September,2018

الهجوم على مصرف لبنان تغطية للفشل السياسي والاقتصادي المستمر منذ العام ٢٠٠٥!

 

بقلم خالد عوض

مجموعة الغافا

هناك مجموعة اقتصادية دولية جديدة لا حدود جغرافية لها ولا عرق أو دين أو نظام سياسياً. يسمونها <الغافا> لأنها ترمز إلى الأحرف الأولى لأربع شركات تكنولوجية عملاقة هي <غوغل> و<امازون> و<فايسبوك> و<أبل>، ويصبح اسم هذه المجموعة <الغامفا> عندما تضاف إليها شركة <مايكروسوفت>. ما هو اقتصاد <الغامفا> ولماذا أصبحت أوروبا ودول كثيرة في العالم تهابه وتحاول السيطرة عليه من خلال تغريمه الضرائب الخيالية؟

القيمة السوقية لـ<أبل> هي حوالى ٨٠٠ مليار دولار ولـ<غوغل> ٦٥٠ ملياراً وقيمة <مايكروسوفت> ٥٤٠ مليار دولار و<أمازون> ٤٥٥ مليار دولار و<فايسبوك> ٤٤٠ مليار دولار أي أن القيمة السوقية للشركات الخمس مجتمعة هي حوالى ٢٨٨٥ مليار دولار أي أنها أكبر من اقتصاد بريطانيا أو فرنسا. وفي سلم القوة المالية، أصبح اقتصاد <الغامفا> اليوم خامس اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة والصين واليابان وألمانيا.

إيرادات مجموعة <الغامفا> تناهز ٥٠٠ مليار دولار، وأرباحها السنوية أكثر من ٢٥ مليار دولار، كما تمتلك شركات <الغامفا> ما يقارب الـ٥٥٠ مليار دولار من الاحتياطات النقدية أي تقريباً ٢٠ بالمئة من كل احتياطي الصين وأكثر من كل الاحتياطي النقدي الحالي للمملكة العربية السعودية وما يقارب ٢٥ بالمئة من كل الأموال النقدية الموجودة في القطاع الخاص الأميركي. لكل هذه الأسباب تسعى أوروبا اليوم لأن تستهدف هذه الشركات بضرائب مستحدثة، ولا تعترض الولايات المتحدة لأنها يمكن أن تحذو حذو الأوروبيين إذا نجحوا في تحصيل أي شيء من الشركات العملاقة.

 

وقف لمد العولمة الرقمية أم تغطية لمشاكل مالية كبيرة؟

  

هل تنظر الدول إلى هذه المجموعات المالية الكبيرة كهدف ضريبي فقط لأنها <بيضة ذهب> يمكن أن تساعد العجز في موازنة الدول؟ أم ان هذا منحى جديد لتقييد القطاع التجاري المتعولم ووضع حدود لنموه المستمر غير الآبه بالحدود الجغرافية أو الجمركية؟ ما حصل اليوم في أوروبا ضد <الغافا>، بقيادة فرنسا خاصة، ينبئ بتغيير كبير في شكل العولمة الرقمية التي نشهدها، فإذا نجحت في تغريم <الغافا> بحجة أن هذه الشركات يجب أن تدفع ضرائب في المناطق الموجودة فيها وليس فقط في بلد الشركة الأم، يصبح بالإمكان لأي دولة في العالم أن تلزم أياً من شركات <الغافا> بدفع ضرائب محلية. بمعنى آخر، هذا يؤدي إلى فرض رياض سلامةقيود جمركية على كل شركات الإنترنت واستطرادا وضع حواجز جغرافية للإنترنت نفسه.

هل الذي يحصل هو محاولة لوقف العولمة الرقمية أم أنه فقط حاجة ملحة للحكومات الغربية لسد عجزها المتنامي عن طريق استحداث ضرائب جديدة على القطاع الخاص؟ من المؤكد أن معظم الحكومات الغربية، وخاصة فرنسا وإيطاليا وإسبانيا، تعاني من مشاكل مالية كبيرة ولا تستسيغ أن تبقى شركات التكنولوجيا الأميركية طليقة ضرائبيا في أراضي هذه الدول، وإذا استطاعت تحصيل بعض المليارات سنويا منها فانها ستتمكن من تحقيق ايرادات مهمة لموازنتها، إما تطفئ من خلالها بعضا من خدمة الدين المتزايدة أو تزيد بها حجم نفقاتها الإستثمارية، ما يعني أن الهجوم على <الغافا> هو إجراء لتخفيف الأعباء المالية الكبيرة التي تعاني منها بعض الدول الأوروبية.

 

الهجوم على مصرف لبنان… تمويه ووقاحة

الأمر نفسه نشهده اليوم في لبنان. هجوم على مصرف لبنان لتغطية العجز الفاضح في المالية العامة والدين العام المتعاظم. وبدل السؤال عن أسباب لجوء مصرف لبنان إلى الهندسات المالية والإقرار بأن البلد لم يعرف أي نمو اقتصادي حقيقي منذ ٢٠١١، نرى السهام تتجه إليه وكأنه سبب كل البلاء الاقتصادي والمالي الذي نحن فيه. المطلوب في الحقيقة لجنة تحقيق مع هؤلاء السياسيين الوقحين الذين ينكرون أن عجزهم السياسي وفشلهم في تقديم مصلحة البلد على أي اعتبار آخر، وإمعانهم في الهدر، وقتاً ومالاً، هو الذي سمح للبنك المركزي أن يأخذ زمام المبادرة ويقوم بما يحمي الاستقرار النقدي. ليس من الخطأ التحقيق مع مصرف لبنان، خاصة إذا حصل ذلك بعيدا عن أي هدف سياسي رخيص، ولكن الخطيئة هي في تبرئة النواب والوزراء وكل الطقم السياسي لبعضه البعض وكأنهم ليسوا مسؤولين عن كل الأعباء المالية التي ترتبت من جراء تقاعسهم وفسادهم.

 الأرقام المالية كلها تشير إلى ذلك: الدين العام سيتخطى رسميا هذا الشهر حاجز الثمانين مليار دولار أي ما يساوي ١٥٥ بالمئة من الناتج المحلي، وعجز الموازنة تخطى الخمسة مليارات دولار أي حوالى عشرة بالمئة من الناتج المحلي، وبدل أن نشكل هيئة تحقيق قضائية مالية مع كل من تسلم السلطة منذ خمس سنوات وحتى اليوم، إتجه النواب نحو مصرف لبنان للإلهاء والتمويه، ليس إلا.

الضغط على مصرف لبنان لن يغير في شكل العقوبات المالية الأميركية الآتية، والتي ربما تتمكن من ملاحقة بعض السياسيين الذين كانوا يظنون أنهم أعلى من أي محاسبة.