21 March,2019

النجم العربي دريد لحام: الفيلم حلم تحقق... وأرغب بتجسيد شخصية مهاجر يشقى بعيداً عن بلده لكسب لقمة الخبز!

 

بقلم عبير انطون

في لبنان احتفل الممثل السوري القدير دريد لحام ومن شاركوه <العمل – الحلم> كما وصفه، بافتتاح فيلمه الجديد <دمشق – حلب> الذي ينضم الى قائمة مسيرته الفنية الحافلة على الجبهات الثلاث: المسرح، السينما والتلفزيون. فنجم <كفرون> ،و<الحدود> و<عقد اللولو> و<غرام في اسطنبول> و<لقاء في تدمر> وغيرها العديد، والذي له في ذمة السينما العربية أكثر من خمسة وثلاثين فيلما، ابتعد عن الشاشة الكبيرة حوالى العشر سنوات بعد أن قدم فيلم <سيلينا> مع الفنانة اللبنانية ميريام فارس عن مسرحية <هالة والملك> للأخوين رحباني مع المخرج حاتم علي، ليعود اليوم بدعوة الى الأمل والخروج من النفق المظلم للحرب في بلده. <دمشق – حلب> هو من انتاج المؤسسة العامة للسينما في سوريا التي استعادت دورة النشاط اللافت في مشاريعها من خلال إنجاز فيلم يُصور واقع الناس بعد تحرير حلب.

فماذا في تفاصيل الفيلم وصعوباته، كيف التم شمل باقة النجوم المخضرمين والشباب وما الذي جرى ما بين دمشق وحلب؟

 

 استشراف مرحلة…!

على شاشة لبنانية، جاء الفيلم السوري ليعكس مرحلة صعبة سببتها الحرب السورية لأبنائها، مترجما عبر الصورة الفنية الحلوة للمخرج باسل الخطيب واقع المجتمع السوري من خلال رحلةِ حافلة تنتقل من دمشق إلى حلب، وتحمل كل محطة من محطات هذه الرحلة رسائل عدة، بحيث يجعل المخرج من الأزمة التي يعيشها ركاب الحافلة جسر عبور بين ذكريات اعلامي اسمه <عيسى عبد الله> واستشراف مرحلة ما بعد الحرب. انها باختصار مقاربة لترددات الأزمة السورية دون الدخول بتفاصيلها، مع عرض لقضية المفقودين والتقاليد الاجتماعية المتزمتة وصراع الأجيال انتهاء بتحدي <عيسى> لخطر الألغام التي سيتجاوزها، وليتحول اللقاء مع من يحبهم إلى بداية مشوار جديد.

 من خلال نص لتليد الخطيب، يعكس السيناريو الوجه الحقيقي للشعب السوري، ويحاكي معاناته التي ترصدها بدقة كاميرا المخرج باسل الخطيب، مع باقة من ممثلين معروفين على رأسهم دريد لحام وسلمى المصري وعبد المنعم العمايري وصباح الجزائري وشكران مرتجى وكندة حنا وناظلي الرواس وغيرهم…

<عيسى عبد الله> هو الشخصية التي يجسدها دريد لحام. هو مذيع متقاعد في دمشق يعيش منعزلا عن أحداث الحرب ووحيداً بعدما فقد معظم أصدقائه. يقرر زيارة ابنته المقيمة في مدينة حلب (كندة حنا) بعدما فقدت زوجها في حادثة خطف مجهولة، ويستقل باصاً متنوع الركاب يمثلون أطياف المجتمع السوري، لتدور بينهم نقاشات تعكس واقع الحال الذي يعيشه السوريون هذه الأيام. تبدأ الرحلة في الحافلة الحاملة لثلة من الناس المختلفي التوجهات والأعمار والأهواء، ما يشكل صورة مصغرة عن المجتمع السوري، بما يحمله من تنوع وتعدد في طيف بنيته الاجتماعية. وبأسلوب الكوميديا الساخرة يسير الفيلم في خطاه كاشفاً إيجابيات وسلبيات تعتري بعض تصرفات هؤلاء.

 <انا سعيد بإطلاق الفيلم من بيروت، من لبنان، لبنان الصغير بجغرافيته والعظيم بقدراته>، يقول دريد لحام. يقع هذا العمل لي بمنزلة الحلم. كنت أرغب منذ فترة كبيرة تقديم عمل إنساني يتناول المشاكل السورية الإنسانية، والتي تمس طبقات ونماذج عمرية واجتماعية مختلفة. ولقد سعدت بالتعامل مع المخرج باسل الخطيب وطاقم الممثلين.

 ــ هل كانوا جميعهم بمستوى هذا الحلم؟

 – نعم <يا قلبي>، يرد لحام، ولقد تصرفوا بمسؤولية واحتراف تحت ادارة <المخرج الصامت> كما يحلو لي أن أسمي باسل الخطيب. فغالبية من عملوا فيه، هم خريجو معهد الفنون، صقلوا موهبتهم بالخبرة، وفي النهاية المخرج هو قبطان العمل. باسل <يصرخ بصمت>، لم نسمع صوته، ولم تحدث معه اية اشكالات، وهو لم يكن اصلا بحاجة الى ذلك لان كل من شارك في العمل يعرف ما يتوجب عليه، وقد قدم كل منهم دوره على أكمل وجه سواء الوجوه الشابة والجديدة أو فنانو سوريا الكبار. وانتم عندما تخرجون من مشاهدة الفيلم لا تتذكرون دريد لحام فقط بل جميع المشاركين حتى من له مشاهد مختصرة الى واحد او اثنين… التفاعل بين الطاقم كان ممتازا خاصة وان مصائرنا كركاب للحافلة تتضافر. وعلى الرغم من صعوبة الرحلة، فانها ليست سوداوية، على العكس نجدها تشبه اهل سوريا وشعبها الذين يجتمعون على الخير ويلتقون على المشاعر الانسانية التي تشكل الجامع الأكبر لهم على الرغم من اختلافاتهم وتوجهاتهم وآرائهم. فتكاتفهم في النهاية أوصلهم الى بر الامان لينتهي بهم الأمر في آخر الرحلة في حلب كعائلة واحدة ومجتمع واحد. الفيلم بذلك يترجم الوجه الحقيقي لهذا البلد خصوصاً لجهة التلاحم والتعاون السائديـــن بين أبنائه حتى في أحلك الظروف التي عبر بها، والتي لم تستطع النيل من إرادة العيش فيه، والوحدة والتواصل بين أبناء الشعب السوري الذي أدرك معنى الالتفاف والتعاضد في تخطي أعتى المصاعب والأزمات.

أمـــــــل…!

في الفيلم دعوة الى الحلم والأمل يقول لحام: الأمل بالغد الآتي وبأنه سيكون دائما أفضل. أكد ذلك، ودعا الى ترك المتاريس من أي نوع كانت والتسلح بالتفاؤل اذ لا حياة مع اليأس. الفيلم يقول لحام، هو رسالة لكل الناس خاصة للشعب السوري، فالخير معدٍ، والناس <يعدون> بعضهم البعض للقيام بالمواقف الخيرة.

وعن المخضرمة صباح الجزائري (وهي طليقته بحيث تزوجها لستين يوما فقط) رفيقة الدرب الفني في أكثر من عمل ناجح لعل ابرزها مسرحية <كاسك يا وطن> منذ أربعين عاما قال النجم السوري: <الترشيح جاء من باسل، وأنا بالطبع أثنيت على التسمية الممتازة، ووجودها مكسب تحقق>.

وماذا عن حلم سينمائي جديد لـ<صانع المطر> (مسرحيته في العام 1992)، ابن الخامسة والثمانين، الذي حقق حلمه الحالي عبر <دمشق – حلب>؟ يجيب لحام:

– الاحلام لا تنتهي… لا اريد ان اشعر يوما بانني انتهيت لذلك اجد نفسي لا زلت في الخطوة الأولى. أحب ان أجسد يوما شخصية مهاجر. يوجعني ما اراه لما ارى شخصا من بنغلادش او سيريلانكا او غيرها من أصقاع الأرض يترك اهله ووطنه لكسب لقمة الخبز. يستهويني لعب شخصية مماثلة…

 

تتكلم عن نفسها…!

 

الممثلة صباح الجزائري التي تطل علينا في كل عام بدور <ام عصام> في سلسلة <باب الحارة> اعتبرت من ناحيتها، وبكلام مقتضب، الفيلم تحفة: <كنت سعيدة حقا وحملني باسل المسؤولية والفخر باختياره لي. النص والسيناريو محبوكان بشكل جميل وقد تركت فيّ شخصية <رفاه> التي اجسدها أثرا كبيرا، كذلك الذي ستتركه في نفوس المشاهدين، فهي تحمل خطا انسانيا مهماً، دخل بي الى الاعماق. لا احب ان اتكلم عن ادواري، أفضّل ان اتركها تحكي عن نفسها>.

 <دمشق – حلب> هو الفيلم السوري الاول الذي يفتتح الدورة الـ34 من <مهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط>، ونال جائزة أفضل فيلم عربي في <مهرجان الإسكندرية السينمائي الدولي> عام 2018 مع جائزة التمثيل الكبرى للفنان دريد لحام. المخرج باسل الخطيب اعتبرها فاتحة خير للسينما السورية واعتبر ان الفيلم هو فيلم دريد لحام بامتياز، بإبداعه وانسانيته: <لقد اعتبرت جميع أفلامي في كفة وهذا الفيلم في كفة أخرى، فهو مختلف عن كل ما قدمته لأنه يشبه الحياة بكل تناقضاتها>. ويشير الخطيب إلى أن الفيلم كُتب خصيصا لدريد لحام والذي وصفه بـ<تعويذة حظ> للعمل.

في ذلك يقول:

 – الاستاذ دريد وأنا نعرف بعضنا البعض منذ مدة طويلة. لقد شببت على أعماله وكنا لما نلتقي نسأل بعضنا: متى يتم التعاون بيننا؟ الى ان جاء الفيلم، وقد حمل التعاون معه قيمة كبيرة. لقد وضعت روحي وقلبي في الفيلم الذي شكل لحظة مفصلية تعني لي كثيرا على المستوى المهني والشخصي. صدقوني انني في كل مرة أشاهد فيها <دمشق – حلب> أتأثر، ودريد لحام، قبل أن يكون فناناً كبيراً، هو إنسان كبير بمسؤوليته والتزامه. لم يكن مجرد بطل للفيلم، بل كان شريكاً أيضاً، يتابع عن كثب كل التحضيرات خطوة بخطوة، وقد قدم اقتراحات عدة ومهمة بغية إضافتها إلى السيناريو، بعدما اشتغلنا عليه قرابة 3 أشهر، قبل انطلاق التصوير.

صعوبات العمل كمنت في تصوير الأحداث بسبب طبيعة التصوير المختلفة التي كانت معظمها داخل سيارة أو كانت على مسافة سفر طويلة من دمشق إلى حلب، ولكن العناية الإلهية وحدها سهلت العملية لنخرج بفيلم جميل، يقول الخطيب، والذي يرفض رفضا قاطعا ما صنف به البعض العمل على انه كوميدي، ويوضح ما هو بالغ الأهمية بالنسبة اليه: صحيح ان الفيلم قائم على مجموعة من المفارقات الغرائبية، بمعنى أنه من الممكن أن يرى المشاهد موقفاً مبكياً وبعد لحظة يقابل موقفاً مُضحكاً، لكن لا يمكن تصنيفه في خانة الكوميديا. فقد عملت جاهداً على أن يكون هذا الفيلم مرآة للواقع السوري الذي نعيشه كل يوم، وبالتالي حاولنا نقل التكوين الموجود في الحياة عبر الفيلم، الذي تختلط فيه الدموع بالضحكات ويُعد مزيجاً بين الفرح والحزن. العمل عبارة عن خليط من المشاعر، وليس لأنه من بطولة الفنان دريد لحام معناه أن الفيلم كوميدي.

 

 <كرمالي… تعِب>…

 

الممثلة كندة حنا التي تخطت نسبة <فيديو> مشاهدتها وهي تتعثر بفستانها الطويل وتلامس الأرض لمرتين في <مهرجان الاسكندرية> أثناء الاحتفال بعرض الفيلم عتبة المليون متابع، تستذكر الامر بضحكة وتقول: <ما حدا مسك بيدي… الله يسامحهم…>! وهي وصفت تجربتها في <دمشق – حلب> بالغنية والصعبة بالوقت نفسه:

– لقد عشت في بلدي فترة الازمة وكنا يوميا نتساءل: هل من الممكن أن يعود اولادنا من المدارس سالمين؟ هل نبقى على قيد الحياة؟ طوال ثماني سنوات أشخاص وعائلات تعذبت، ومنهم من خسروا بيوتهم وارزاقهم واولادهم ومنهم من احتجزوا او اختطفوا، وفي ظل ذلك كله كانت النساء السوريات جبارات قويات. أجسد في الفيلم دور امرأة عاشت في مكان معزول لا تصل لشيء حتى الى لقمة العيش، وانا اوصلت صوتها بحساسية عالية. أعتقد أننا اوصلنا من خلال الفيلم ما يجب أن يصل من اصوات السوريين، النساء بشكل خاص. التجربة صعبة والنجاح للفيلم جميل وقد لمسناه من كل من شاهده.

وعن تجسيدها لدور ابنة الفنان دريد لحام في الفيلم ووقوفها امامه، لم تخف كندا توترها قائلة:

– كنت خائفة ومتوترة ولو انني بأيد أمينة. الأستاذ دريد قوة كبيرة. كنت قلقة بأن لا اكون على قدر المسؤولية امام امبراطور الفن بكل ما للكلمة من معنى. ليتنا نستلهم جميعا من محبته والتزامه وبسمته المرسومة دوما على وجهه حتى مع صعوبات التصوير العديدة.

في النهاية تقول كندا مبتسمة:

– <هو قام بالمشوار من دمشق الى حلب كرمالي>. كذلك أشكر الاستاذ باسل الذي تعاطى معنا بحرفية عالية وعمل على ان نكون على استعداد كامل لإداء الأفضل مع وقوفه عند ادق التفاصيل. فمشهد النهاية مثلا صورناه على مدى اربعة أيام، ولكم أن تتصوروا كم تتطلب الأمر من جهد جسديا ونفسيا في <الراكورات> على اختلافها، الا ان النتيجة جاءت مرضية للجميع.