24 October,2017

النازحـــون السياسيـــون يبقــــون الـى حيــن تحـقـيــق الـمـصـالحـــات و”المستفيدون“ من تقديمات المنظمات الدولية يعودون تدريجاً!

 

عون-غوتيريسيؤكد رئيس الجمهورية العماد ميشال عون أن ارتفاع صوته بالدعوة الى عودة النازحين السوريين تدريجاً الى أراضيهم وممتلكاتهم، لا ينطلق من اعتبارات أو حسابات شخصية أو شعبوية، ولا يُعتبر خصوصاً مادة للاستهلاك السياسي مع اقتراب موعد الانتخابات النيابية، ولا هو أيضاً رسالة في أي اتجاه  كان… ذلك أن مطالبة الرئيس عون بعودة النازحين السوريين لها ما يبررها بعدما بلغ عدد هؤلاء مليون و750 ألف نازح يضاف إليهم نحو 500 ألف لاجئ فلسطيني، ما يشكّل مجموعهم نصف عدد سكان لبنان البالغ زهاء 4 ملايين نسمة مع ما يعني ذلك من تداعيات سياسية وأمنية واقتصادية وتربوية واجتماعية. انطلاقاً من هذه المعطيات حمل الرئيس عون في رحلتيه الى نيويورك وفرنسا ملف عودة النازحين كأولوية من دون أي خلفية سياسية أو <عصبية> وبصرف النظر عما هي عليه ردود فعل القيادات السياسية التي تتناقض مع بعضها البعض حيال مقاربة هذا الموضوع الحساس.

ولم يخفِ الرئيس عون خلال لقاءاته مسألة التواصل مع السوريين لمعالجة هذا الملف، لا بل أكد أن الاتصالات قائمة مع دمشق من أجل إيجاد حلول تؤمن عودة مجموعات النازحين تباعاً الى اراضيهم، خصوصاً في المناطق التي استعادت قوات النظام السيطرة عليها مباشرة أو عبر الحلفاء والتي قدرتها القيادة العسكرية في موسكو بـ85 بالمئة من مجمل الأراضي السورية.

خطة متكاملة تصنف النازحين

 

وكشفت مصادر مطلعة أن رئيس الجمهورية يعمل على وضع خطة متكاملة تضمن بداية عودة النازحين السوريين بعد توزيعهم على تصنيفين: الأول يتناول النازحين السياسيين أي الذين تركوا الأراضي السورية نتيجة الخلاف مع النظام السوري، وهؤلاء لن يكونوا في عداد العائدين في المرحلة الراهنة الى حين تحقيق الحل السياسي واستكمال المصالحات التي بدأت منذ أشهر، والثاني يتناول النازحين لأسباب اقتصادية أي الذين يعملون في لبنان ويستفيدون في آن من تقديمات المنظمات الدولية العينية والإنسانية، لاسيما وان حركة العبور بين الاراضي اللبنانية والاراضي السورية تسجل نشاطاً في صفوف هؤلاء ذهاباً وإياباً الى سوريا لاسيما خلال عطل الأعياد أو نهاية الأسبوع. وفي هذا الإطار، أكد مصدر رسمي أن مجموعات من النازحين تذهب أسبوعياً الى سوريا حيث تمارس عملها وتعود مع نهاية الاسبوع للاستفادة من المساعدات العينية التي تقدمها المنظمات الدولية، وغالباً ما يقوم هؤلاء النازحون ببيع هذه المساعدات ويعودون ثانية الى سوريا، ويتكرر المشهد شهرياً وأحياناً أسبوعياً.

وفي الاقتراح اللبناني أن يصار الى تأمين عودة النازحين للأسباب الاقتصادية الى سوريا بالتنسيق مع المنظمات الدولية المعنية والنظام السوري، خصوصاً وأنه اتضح أن أعداداً كبيرة من هؤلاء النازحين تقيم في مناطق آمنة أو استعادتها الدولة السورية من سيطرة التنظيمات الإرهابية.

لبنان غير ملزم تطبيق <اتفاقية جنيف>

 

ويؤكد المصدر الرسمي نفسه ان الرئيس عون ليس في وارد الضغط لعودة النازحين لأسباب سياسية ما لم تتحقق المصالحات التي تتم تباعاً بين النظام السوري والمجموعات السياسية التي شاركت في القتال ضده، بدليل أن الذين أخرجوا من لبنان مؤخراً بعد تحرير الجرود الشرقية انقسموا الى قسمين: فريق التحق بما تبقى من أراضٍ يسيطر عليها تنظيم <داعش>، وفريق دخل مناطق تحت إشراف النظام السوري بعد مصالحات تمت مع المسؤولين المحليين في هذه المناطق. وإذا كان الرئيس عون، ومعه الحكومة، أكدا مراراً بأن لا قبول بتوطين النازحين السوريين او غيرهم من اللاجئين الفلسطينيين، كما ألمح الى ذلك الرئيس الأميركي <دونالد ترامب> في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، فإن لبنان يستعد لتوجيه مراسلة موثقة الى الامم المتحدة ودول القرار يؤكد فيها انه غير ملزم بتطبيق <اتفاقية جنيف> الخاصة باللاجئين لأنها تتعارض في بعض نصوصها مع الدستور اللبناني ومقدمته الميثاقية وهو غير موقع عليها، إضافة الى أنه ليس <بلد لجوء> ولا يمكنه منح اللاجئين حقوقهم الطبيعية كافة، ولاسيما البند الذي ينص على انه <لا يجوز للدولة الموقعة على الاتفاقية أن تطرد لاجئاً أو ترده بأي صورة من الصور الى حدود الأقاليم التي تكون حياته أو حريته مهددتين بسبب عرقه أو دينه أو جنسيته أو انتمائه الى فئة اجتماعية معينة أو بسبب آرائه السياسية>.

وفي هذا السياق يؤكد المصدر الرسمي أن لبنان لم يلجأ ولا مرة الى ممارسة حق الطرد او الإبعاد، إلا إذا ارتكب اللاجئ أو النازح جرائم أو تورط في اعتداءات تستهدف أمن الدولة والاستقرار العام. والدليل على ذلك أن الفلسطينيين الذين مضى على وجودهم <المؤقت> في لبنان أكثر من 69 عاماً لم يتعرضوا لأي تدبير إبعادي الى ديارهم الأصلية لأن لا إمكانية لعودتهم من جهة، إضافة الى أن سلامتهم قد تكون بخطر إن هم عادوا الى أراضٍ تحتلها إسرائيل، أو حتى الى الأراضي التي تسيطر عليها السلطة الفلسطينية، ما لم يرغب العائدون هم بذلك.

وشدد المصدر أن الاستراتيجية التي يعتمدها رئيس الجمهورية في طرحه لموضوع النازحين تقوم على التمييز بين <النازح> و<اللاجئ> لاسيما وأن ظروف النازحين السوريين تختلف عن ظروف اللاجئين الفلسطينيين، كما تختلف أسباب نزوح أو لجوء السوريين عن تلك التي تسببت بلجوء الفلسطينيين.

 

أرقام مقلقة!

 

إلا أن الوجه الآخر للأسباب التي دفعت الرئيس عون الى المطالبة بحل سريع لوضع النازحين السوريين، فقد عرضه رئيس الجمهورية أمام مجلس الوزراء في الجلسة التي انعقدت الأسبوع الماضي في قصر بعبدا، وذلك من خلال تقريرين موثقين: الأول يتناول النزلاء السوريين في السجون اللبنانية والجرائم التي ارتكبوها، والثاني يعرض لأبرز تداعيات وجود النازحين على الحياة الاجتماعية والاقتصادية والصحية والمهنية في البلاد.

وتظهر الأرقام الواردة في التقرير الأول أن عدد السوريين الذين كانوا في السجون اللبنانية بلغ في العام 2011 ما مجموعه 446 سجيناً بجرائم مختلفة تراوح بين السرقة والتزوير والدخول خلسة ونقل أسلحة وترويج مخدرات. ومع بداية الأحداث في سوريا، صار العدد يرتفع فوصل في العام 2012 الى 895 سجيناً سورياً بينهم 325 ينتمون الى منظمات ارهابية أو خلايا نائمة. وبلغ العدد في العام 2013 نحو 1159 سجيناً في جرائم مماثلة بينهم 56 سجيناً ارتكبوا جرائم القتل المتعمد. أما في العام 2014 فارتفع العدد بشكل قياسي إذ بلغ 2046 سجيناً بينهم من ينتمي الى تنظيمات ارهابية، ثم تراجع العدد في العام 2015 الى 1471 بعد الافراج عن عدد من السجناء لانتهاء مدة محكوميتهم أو ترحيلهم الى دول أخرى، ليعود فيرتفع الى 1778 سجيناً في العام 2016 بينهم 316 سجيناً ينتمون الى منظمات ارهابية. ويشير التقرير الى أن عدد السجناء السوريين بلغ حتى 31 آب/ اغسطس الماضي 1004 سجناء والعدد الى ارتفاع…

 

السوريون 40 بالمئة من

مجموع اللبنانيين!

 

أما التقرير الثاني فأورد سلسلة أرقام أبرزها أن عدد النازحين السوريين أصبح 40 بالمئة من عدد الشعب اللبناني من دون احتساب الولادات، وأن أزمة البطالة في لبنان ارتفعت من 11 بالمئة الى 30 بالمئة بينها نسبة 35 بالمئة في صفوف الشباب نتيجة استيلاء نازحين سوريين على فرص العمل التي كانت متوافرة للبنانيين، خصوصاً ان عدد العاملين السوريين الذين تفوق أعمارهم الـ15 سنة أي في سن العمل بلغ 920 ألف سوري أي ما نسبته 62 بالمئة من النازحين، بينهم 350 ألف عامل في قطاع البناء والبنى التحتية، و404 آلاف في قطاع الزراعة. ويلفت التقرير الى أن ثمة نازحين سوريين يعملون في مهن يحظر القانون اللبناني عمل غير اللبنانيين فيها إلا بموجب إجازات عمل، مثل الأطباء والمهندسين والمساحين وغيرهم… ويورد التقرير أيضاً أن مجموعات من السوريين فتحوا مطاعم ومقاهي حيث أحصى في البقاع فقط 380 مطعماً لسوريين. وبلغت التكلفة المالية لتداعيات الازمة السورية على الخدمات العامة من إنفاق صحي وتعليمي وما شابه 650 مليون دولار، في حين بلغت فاتورة الكهرباء للنازحين السوريين نحو 100 مليون دولار فيما يشتري لبنان شهرياً من سوريا كهرباء بقيمة 35 مليون دولار، ويستهلك السوريون حوالى 600 ميغاوات من الطاقة الكهربائية المنتجة.

ويتحدث التقرير عن الانعكاسات على الوضع الاقتصادي ككل فيشير الى تراجع القطاع العقاري والبناء بنحو 30 بالمئة، وكذلك تراجع السياحة البرية التي كانت تؤمن نحو 500 ألف سائح فانخفض العدد الى الصفر، كما ارتفع عجز المالية العامة من 5,7 بالمئة من الناتج المحلي الى أكثر من 8 بالمئة، وتحول ميزان المدفوعات من فائض بقيمة 3,3 مليارات دولار الى عجز يقارب الـ 5,1 مليارات دولار، ويحتاج لبنان سنوياً الى 35 فرصة عمل لا يتوافر منها سوى 12 ألف في أحسن الأحوال ينافس السوريون اللبنانيين على معظمها.. ويشير التقرير الى انخفاض الاستثمارات الأجنبية المباشرة نحو 45 بالمئة كما تراجع النمو من 9 بالمئة الى صفر، وارتفعت نسبة اللبنانيين الذين يعيشون تحت خط الفقر الى 32 بالمئــــــة أي مليــــــون و280 ألـــف لبناني ويوجد 60 بالمئة من هؤلاء في المناطق ذات الكثافة الاسلامية مثل منطقة عكار والبقاع الشمالي.

وأشارت مصادر مطلعة الى أن مضمون التقريرين سيصل الى السفارات العربية والاجنبية والبعثات الدولية في لبنان لتفهم حقيقة الاسباب التي تدفع الرئيس عون الى التمسك بإعادة مجموعات من السوريين ولو على دفعات الى بلادهم بعد زوال أسباب نزوحهم!