18 November,2018

"معرض الكتاب الفرنسي" يفتح صفحاته للأفكار

بقلم عبير انطون

5-(34)  الدورة الثانية والعشرون من معرض الكتاب الفرنسي في لبنان مخصصة للكتب الحرة <Livres Libres>، فالكتاب بحسب ما اعلن <جيرار لارشيه> رئيس مجلس الشيوخ الفرنسي في حفلة الافتتاح <هو مساحة حرية للمؤلف والقارىء والمجتمع… ولأن لبنان بلد حر، فالعيش فيه ممكن جداً بمساحة من الحرية التي لا توجد في مكان آخر على مستوى المنطقة.. وهذا المعرض هو رد على الارهابيين الذين يشعلون المنطقة، ولا يمكن فصل الكتاب عن الحرية والديموقراطية وهو رسالة>.

بهذه الروح الحرة، افتُتح معرض الكتاب الفرنسي في لبنان، و<الافكار> المثابرة سنوياً على هذا الحدث تقاربه في هذه السطور مع ثلاثة ضيوف، هم من الوجوه الفرنكوفونية البارزة..

مخيبر..والمحكمة العسكرية!

 

عريس المجلس النيابي الجديد النائب غسان مخيبر هو من رواد المعرض المواظبين، شرح اهمية انعقاده السنوي في لقائه مع <الافكار> وقال:

أرتاد بشكل دائم هذا المعرض الذي اعتبره ومعرض الكتاب العربي محطتين رئيسيتين تذكّران لبنان بدوره. فلبنان يتميّز بالبعد الثقافي. والثقافة والكتاب ليسا بريئين من تطوير نفس الحرية التي يتميّز بها لبنان واللبنانيون. هو تذكير بانفتاح لبنان على العالم وعلى ثقافاته، ويركّز على دور اللغة الفرنسية كوسيلة من وسائل نقل الثقافة والحرية. فالقيم الفرنكوفونية لم تعد ملكاً لفرنسا بل للانسانية جمعاء، والثورة الفرنسية التي حملت الروح الأولى للثورات في العالم اطلقت شعار <الحرية والمساواة والأخوة> فكانت هذه الثلاثية التي أشارت 5-(48)لحقوق الانسان والديمقراطية وضرورة تعزيزها، ليس في فرنسا فحسب انما اصبح حلم جميع الدول ان تحذو حذو الدولة الفرنسية.

وحول امكانية تأثير الموقف السياسي على الموقف الثقافي، وفي جانب الثامن من آذار من يناهضون السياسة الفرنسية في الشرق الاوسط، رد مخيبر جازماً: لست ضمن 8 آذار ودائماً ما أرفض أن أوسم بهذه التسمية، أُذكّر بأن هذه التسمية اعتُمدت لمن طالب ببقاء الجيش السوري في لبنان وانا كنت مع عمي الدكتور البير مخيبر من اوائل من طالبوا بجلاء هذا الجيش عن لبنان. هناك تبسيط في السياسة، وفي النهاية أقول ان هذه القيم يتشارك بها اللبنانيون بمن فيهم <تكتل الاصلاح والتغيير> الذي أنتمي اليه، وانا فخور شخصياً كما زملائي بثقافتنا الفرنكوفونية والبعض منهم يحمل الجنسية الفرنسية. انا لا امتلك سوى الجنسية اللبنانية ولن اتوسل جنسية أخرى، حتى أنني تقدمت باقتراح قانون لتعديل قانون الانتخابات ليمنع الترشح الى عضوية مجلس النواب كل من يحمل جنسية غير الجنسية اللبنانية.

 وحول آخر القوانين الفرنسية التي طوّرها المجلس اللبناني النيابي حين كان فاعلاً، اجاب مخيبر بأن لبنان لا يزال يستقي من القانون الفرنسي القانون المقارن، ذلك انه في العمل التشريعي الجزء الأساسي من تحليل المشاكل هو وطني محض انما اجتراح الحلول فانما يبدأ بأفكار لبنانية وينتقل حكماً الى القانون المقارن، والقانون الفرنسي هو مصدر أساسي من مصادر القانون المقارن في لبنان، بالنظر لتشابه البنوّة اللبنانية مع القوانين الفرنسية.

 وبمقارنة الفارق بين تطوير القوانين في فرنسا وتلك الموجودة في لبنان والمأخوذة عنها، يشير مخيبر الى ان تطوّر القانون الفرنسي يسبق لبنان بمئات السنوات الضوئية، ونحن للأسف الى تقهقر في جودة القوانين وتطويرها بحسب الحاجة، مشيراً الى سعيٍ حالي لتطوير العديد من القوانين في استلهام من القانون الفرنسي بينها قانون المعاملات الالكترونية حيث استقطب عالم في القانون الفرنسي متخصص في قانون المعاملات الالكترونية لصياغة مسوّدة لهذا المشروع.

وحول الاحتجاجات التي علت من قبل شبان في القاعة مع خطاب رئيس مجلس الشيوخ الفرنسي هاتفين باطلاق سراح الناشط جورج عبدالله وتم اخراجهم بالقوة، قال مخيبر: هذا جمال لبنان، حرية الرأي فيه مقدسة وأهمية حرية الرأي ان يستمع الانسان فرنسياً كان او لبنانياً لكل الآراء أياً كان موقفها بمعزل عن الشكل طالما أن لا عنف فيها، وفي هذا السياق يقول الاديب الفرنسي <فولتير> ابي حرية الرأي: <قد اختلف معك في الرأي لكنني سوف أستميت دفاعاً عن حقك في أن يكون لك حق ابداء الرأي>، وعن رأيه كقانوني متميز في أسوأ قانون لبناني اقتبسناه عن 5-(51)الفرنسيين يؤكد مخيبر انه قانون المحكمة العسكرية!

 

سميدا: <ديغول>، <سيمون فيل> و.. <استريكس>!

السيدة باتريسيا سميدا عادت الى وطنها الأم منذ عام ونصف العام بعدما عاشت في فرنسا لاعوام طويلة. هي السيدة الوحيدة التي ترشحت العام الماضي لتكون عضواً في البرلمان الفرنسي عن الفرنسيين في لبنان وافريقيا والشرق الاوسط مع الاشارة الى ان العدد الاكبر للفرنسيين في الشرق الاوسط هو في لبنان اذ يصل مجموعهم الى 23 الفا.

 تؤكد سميدا ان لـ<صالون الكتاب> الفرنسي اهمية كبيرة، وله الأولوية في الشرق الاوسط لانه يناهض الجهل والظلم ويقف سداً امام الرجوع الى الوراء. هو باختصار دفاع عن الحريات والثقافة والنظرة الى المستقبل. وتقول سميدا:

 انه الحضارة التي نحن بحاجة لها، وقد ذكر السفير الفرنسي <ايمانويل بون> ان هذا الصالون في لبنان هو الثالث من نوعه في العالم، وبالتالي فاهميته قصوى. ووجود <جيرار لارشيه> اليوم، وهو رئيس مجلس الشيوخ الفرنسي أي الرجل الثاني في الدولة الفرنسية بعد رئيس الجمهورية، انما هو للدلالة على أهميّة لبنان بالنسبة الى الفرنسييين.. كذلك فإن السفير <بون> كان مستشار الرئيس الفرنسي <فرانسوا هولاند>، وقد عيّنه 5-(37)سفيراً للدلالة على ايلاء فرنسا للبنان الدور المميز في الشرق الاوسط واوروبا أيضاً.

وحول رواد المعرض وثبات زواره الدائمين دون الكثير من الوجوه الجديدة تؤكد سميدا أنه في كل سنة جديد في المعرض  يجذب المزيد من الزوار، كمثل هذا العام حيث الكتاب المهم جداً عن علاقة <ديغول> بلبنان: <ديغول ولبنان> تعبيراً عن محبة الجنرال لبلد الارز… وهناك كتاب لصديقتها الكاتبة <سارة بريان> عن <سيمون فيل Simone Weil> الوزيرة الفرنسية السابقة لشؤون المرأة. وفي مجال شؤون المرأة، أشارت سميدا الى ان جمعيتها <غد لبنان> التي تُعنى بحقوق الانسان والمرأة والطفل، تطالب بإنشاء وزارة لشؤون المرأة في لبنان. وبناءً على طلب من الأمم المتحدة، أعدت سميدا تقريراً حول ولوج المرأة للمحاكم اللبنانية، وذلك بالتعاون مع نقابة محاميي بيروت من خلال استمارة أُرسلت الى كل محام في لبنان وبحسب اجاباتهم تم استخلاص التقرير، وسوف تتوجه سميدا في التاسع والعشرين من الشهر الجاري الى الأمم المتحدة لعرض التقرير والدفاع عنه.

ولدى سؤالنا سميدا عن واقع اللغة الفرنسية في لبنان وكيف تقيّمه بالمقارنة مع اجتياح اللغة الانكليزية لمختلف نواحي الحياة، اجابت بالاسف لتراجع اللغة الفرنسية تراجعاً كبيراً، واشارت الى انها حاولت التحدث حول هذا الأمر مع السفير الفرنسي السابق في لبنان ولم يستمع اليها، وهي لا تزال تحاول مناقشة المسألة مع السفير الفرنسي الحالي. فالثقافة الفرنسية لا يمكن ان تتقدمها اية لغة أخرى، وبرأيها تكمن الحلول بالحضور اكثر على الارض، ومن خلال وسائل الاعلام مشيرة الى مرافقتها لسيناتور فرنسي الى لبنان زارت معه مختلف المدارس اللبنانية، فما كان طلبه من المدارس سوى تبادل للطلاب بين فرنسا ولبنان ما يولّد حب الثقافة الفرنسية ويعزّزها، كما ان للسينما الفرنسية الترفيهية والهادفة في آن دوراً في هذا المجال..

وعن اختيارها لثلاثة كتب تحملها معها من المعرض لدى مغادرتها اياه، تجيب سميدا بانها سبق واشارت الى اثنين منهما حول <ديغول> و<سيمون فيل> اما الثالث فسيكون لاولادها عن <استريكس>.. الجديد..

نجار: رؤساء ومحامون بالفرنسية !

المحامي والروائي الفرنكوفوني والمستشار السابق لوزارة الثقافة الكسندر نجار تحدث الى <الأفكار> مستهلاً الكلام عن علاقته باللغة الفرنسية التي يصفها بـ<علاقة غرام مع امرأة صعبة الاطباع الا انها جميلة وروحها جميلة، وتحمل تاريخاً مرتبطاً بالحريات منذ الثورة الفرنسية>. ويشرح المزيد:

– مع تمسكنا بلغتنا وحضارتنا العربية، تبقى اللغة الفرنسية مصدر غنى لنا لانها جسر بين الحضارتين الغربية والشرقية، وهذا ما يميّز لبنان عن الكثير من الشعوب العربية الأخرى.هذا المعرض هو نافذة على الغرب ونغني ثقافتنا بعطاءات الآخرين. ونلمس ذلك مع ادباء النهضة اللبنانيين الذين تأثروا بالادب الفرنسي وبالحداثة في الشعر مع مجلة <شعر> وغيرها. فقد اعطتنا الثقافة الفرنسية الكثير في عدة مجالات، من هنا احترامنا لها.انا كمحام اكتب وارافع باللغة العربية الا ان لغة كتاباتي اخترتها فرنسية انطلاقا من شغفي بها.

 وحول تطور الكتابة بالفرنسية عند الكتاب اللبنانيين تحديداً، يقول نجار ان الادب اللبناني باللغة الفرنسية هو نوعاً ما حديث العهد بدأ في اوائل القرن الماضي، وما من شك انه بدأ مع الانتداب الفرنسي وعلا شأنه مع عدة اشخاص بينهم شارل قرم الذي لعب دوراً مهماً في مجلة <La Revue Phoenicienne> (المجلة الفينيقية) رغم قلة اصداراتها، الا انها شكلت حالة في زمانها، وبعدها بدأ لبنانيون في فرنسا بالكتابة الى ان برز جورج شحادة واندريه شديد وفينوس خوري غاتا وصلاح ستيتيه وغيرهم، وعلى صعيد الرواية فقد لعب فرج الله حايك دوراً مهماً جداً أيضاً.

5-(46)ويضيف المستشار السابق لوزارة الثقافة:

– اعتقد ان النقلة النوعية جاءت مع جائزة <غونكور> التي فاز بها أمين معلوف، وأذكر انني لما بدأت الكتابة باللغة الفرنسية كنت دائماً ما أُسأل عن أسباب كتابتي بها وكأنني في قفص الاتهام. بعد هذه الجائزة شعرت بانه ترسخت لدى النقاد والمثقفين اللبنانيين فكرة ان هذا الادب جزء أيضاً من ثقافتنا، من لبناننا، الذي كثيراً ما تناولناه في ادبنا انا وشريف مجدلاني وامين معلوف، فعندما كتبت <رواية بيروت> او <سيرة جبران> وعندما وضعت <معجم عاشق لبنان>، كنت اعرّف بلبنان بلغة يفهمها الغرب إذ كنت قد لمست أن حركة الترجمة من العربية الى الفرنسية ضعيفة لقلة الاهتمام، فجاءت كتاباتنا بلغة يفهمونها لنخترق حاجز اللغة.

أنا ومجدلاني

 ويزيد <عاشق بيروت>:

– كتابتنا كلبنانيين باللغة الفرنسية في تطور طبعا. هناك جيل جديد وشباب يبدأون بنجاح بينهم على سبيل المثال أذكر لميا زيادة التي الّفت كتاباً جميلاً بلغة عصرية بعيدة عن الكلاسيكية، كذلك ديان مظلوم، وفي الشعر هيام يارد وغيرهم. في المعرض هذا، يوجد 40 كاتباً لبنانياً جديداً لهذا العام. التجارب قد لا تنجح جميعها انما هي دليل على ان هذه اللغة تجذب الكتّاب، وبعدها يغربل النُقاد والقُرّاء.

 وعما اذا كانوا ككتّاب لبنانيين باللغة الفرنسية معروفين في فرنسا على نطاق واسع، يشير نجار انه ما من شك بأن الكتّاب اللبنانيين الموجودين في فرنسا معروفون على نطاق اوسع لانهم على تواصل دائم مع النقاد والصحف والمؤتمرات مثل معلوف وغاتا وستيتيه وحضورهم قوي جداً، الا انه تفاجأ ان اسمه والروائي شريف مجدلاني (الحاصل لهذا العام على جائزة « جان جيونو الكبرى> عن روايته <فيلا النساء>) معروفان في الاوساط الفرنسية ايضا.

وعمن الافضل بينهما، مجدلاني أم هو، يبتسم نجار شارحاً:

– الاختلاف بين الاسلوبين كبير. فعند شريف، الجملة طويلة شبيهة بجمل الكاتب الفرنسي المعروف <مارسيل بروست> مع عبارات متقونة جداً، وقصصه تتناول عائلات لبنانية وتفاعلها مع المجتمع اللبناني، فيما يرتكز اسلوبي على النمط السينمائي المتجه نحو اللوحات السريعة حيث الجمل قصيرة والمواضيع ليست محض لبنانية. فأنا كتبت عن <برلين 36> وكيف حوّل <هتلر> الالعاب الفرنكوفونية من حدث رياضي الى حدث سياسي ليهيمن على الالمان والاجانب، و<الفلكي> عن لقاء <غاليلي> بالأمير فخر الدين في <توسكانا>، و< دروب الهجرة> حول الشعب الشركسي وكيف جاء من القوقاز الى الاردن وسوريا وهم معروفون 5-(47)بجمال نسائهم وتاريخهم العريق، و<رواية بيروت> عن قصة لبنانية.

اما اسلوب امين معلوف فهو برأي نجار اسلوب روائي بمعنى ان هناك سرداً للاحداث حيث يخبر القصة بطريقة مشوقة خاصة في <ليون الافريقي> او <صخرة طانيوس>.

وعما اذا كان يمكن الحديث عن مدرسة فرنكوفونية في الادب، أجاب نجار:

– السؤال عينه طرحته على امين معلوف وكنت يومئذ اقابله كصحافي، فاجابني بانه لا يمكن الحديث عن مدرسة فرنكوفونية لان لكل شخص اسلوبه. هي ليست موجة كـ<السوريالية> او <الواقعية> او غيرها.. لكل خصائصه، ونحن نشكل مجموعة الكتّاب باللغة الفرنسية. قد تتشابه المواضيع، فأنا مثلاً تناولت مسألة الهجرة في <دروب الهجرة> وامين معلوف كتبها في كتابيه <Origines> و<Les Desorientes>، كذلك تناولتها فينوس خوري غاتا الا ان الاساليب مختلفة جداً..

 لنجار ثلاثون كتاباً باللغة الفرنسية. لا يوقّع جديداً هذا العام انما يشارك في محاضرات، كما تولى مع نقابة المحامين في لبنان المشاركة في المعرض للمرة الاولى اذ تبين ان هناك مئة محام كتبوا كتباً باللغة الفرنسية، تسعون بالمئة منها قانونية وما تبقى في الادب.

وقد نال اربعة محامين جائزة الاكاديمية الفرنسية، وهم كميل ابو صوان، فرنسوا ابو حرفوش، هيام ملاط في جائزتين مختلفتين، ونجار نفسه.

وينوّه نجار أن ثلاثة رؤساء للجمهورية اللبنانية كتبوا باللغة الفرنسية وهم شارل الحلو، كميل شمعون وأمين الجميّل.

وعن سؤاله عن امله في تحويل احد كتبه الى فيلم سينمائي على غرار ما يُعدّ لجعل كتاب <صخرة طانيوس> فيلماً سينمائياً، يجيب نجار:

– لي سيناريو بين يدي المخرج ايلي خليفة من النوع الكوميدي الساخر يحمل النقد الاجتماعي فضلاً عن مسرحية كتبتها بالفرنسية. لا انتظر ان يحولوا كتابي الى فيلم فبامكاني كتابة السيناريو مباشرة. ومن <مدرسة الحرب> سيقوم مخرج فرنسي من اصل لبناني بتحويل فصلين الى فيلم كرتوني قصير، وقد سبق وكتبت رباعية عن جبران خليل جبران اخرجها سمير حبشي، وآمل ان تزداد موازنة وزارة الثقافة لانتاج افلام سينمائية، فهي افضل السبل لتصدير ثقافتنا الى العالم.