21 March,2019

الموقف البريطاني المستجد بتصنيف ”جناحي“ حزب الله أسبابــه داخلـيــــة وتأثـيـــره محـــدود لبنانيـــاً وأوروبـيـــاً!

على عجل حضر السفير البريطاني في بيروت <كريس رامبلنغ> الى قصر بعبدا في الأسبوع الماضي حاملاً معه رسالة من الادارة البريطانية سلّمها الى رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وغادر على عجل أيضاً إذ لم يستغرق اللقاء أكثر من عشر دقائق…

وعلى عجل أيضاً نزل السفير <رامبلنغ> الى عين التينة حاملاً رسالة مماثلة الى رئيس مجلس النواب نبيه بري، ومثلها الى رئيس الحكومة سعد الحريري. النص واحد والشكل واحد والقرار واحد: بريطانيا لم تعد تميز بين الجناح العسكري لحزب الله والجناح السياسي، والحزب بجناحيه صُنّف حزباً ارهابياً من قبل السلطات البريطانية!

في الشكل، استبق السفير  <رامبلنغ> تصويت مجلس العموم البريطاني على الاقتراح الحكومي، وحمله – كقرار بريطاني – الى المسؤولين اللبنانيين الذين فوجئوا بالموقف المستجد من المملكة المتحدة التي لطالما ميّزت بين جناحي حزب الله، فتعاطت مع السياسي ودانت العسكري ووصفته إرهابياً، وهو الموقف نفسه الذي اعتُمد اوروبياً كمخرج للوضع الخاص لحزب الله في علاقاته الخارجية. إلا أن لندن أرادت على ما يبدو أن تتماهى مع الموقف الاميركي ومع عدد من الدول لاسيما تلك القريبة سياسياً مع اسرائيل فأعلنت حكومتها الموقف قبل أن يقره مجلس العموم بعد ساعات من انتهاء مؤتمر القمة العربية – الأوروبية الذي انعقد في شرم الشيخ، وشاركت فيه رئيسة وزراء بريطانيا <تيريزا ماي> التي أرادت من خلال الإسراع في إعلان جناحي حزب الله في صف إرهابي واحد أن تبدّل دفعة واحدة سياسة مغايرة اعتمدتها منذ سنوات من خلال التأكيد على قدرتها على التواصل مع الجميع بحيث تُبقي الشعرة قائمة مع كل الجهات ولا تكسر نهائياً أو تقفل الأبواب كما يفعل الأميركيون خصوصاً في ظل إدارة الرئيس <دونالد ترامب>… والذي رافق الأداء الديبلوماسي البريطاني في لبنان يذكر كيف أن التواصل البريطاني مع الجناح السياسي لحزب الله كان قائماً وثمة محطات حوارية عقدت بين الطرفين من دون أن تحقق إنجازات تذكر…

والسؤال الذي راود الأوساط السياسية المتابعة تمحور حول الأسباب التي دفعت بريطانيا الى هذه الخطوة. صحيح أن السفير <رامبلنغ> لم يعط أجوبة <خارج المألوف> وقد ظلت في العموميات رداً عن أسئلة الرؤساء عون وبري والحريري، إلا أن الصحيح أيضاً أن رأس الديبلوماسية البريطانية في لبنان حرص في المقرات الرئاسية الثلاثة على التأكيد بأن قرار مملكته لن يؤثر على العلاقات اللبنانية – البريطانية التي ستبقى مع الجهات الرسمية والسياسية اللبنانية، ما عدا حزب الله. وبدا وكأن السفير <رامبلنغ> أدرك أن مهمته <مستغربة> من المسؤولين اللبنانيين، في الشكل والمضمون، فاكتفى بتكرار ما سمعه من مسؤولين في الخارجية البريطانية تولوا إبلاغه القرار والطلب منه نقله الى القيادات اللبنانية المعنية. ولم تخرج الحجج التي أوردها السفير البريطاني في معرض <تبريره> للقرار عن الذرائع المستعملة بريطانياً وأميركياً في توصيف حزب الله وإلباسه التهم <الإرهابية> إياها، ناهيك عن تدخله عسكرياً في الأوضاع الداخلية لدول عدة أبرزها سوريا والعراق واليمن. وعندما لفت المسؤولون اللبنانيون السفير الى تماهي القرار البريطاني مع القرارات الأميركية في هذا الصدد، كانت أجوبته <ديبلوماسية جداً> – على حد تعبير احد الرؤساء الثلاثة الذين التقوا السفير – حيث بدا غير راغب في الاستفاضة إما لعدم معرفته بالأسباب الحقيقية لقرار حكومة بلاده، وإما لعدم اقتناعه هو بأن ما يقوم به هو فعلاً لصالح بريطانيا التي رفضت حتى الأمس القريب <مسايرة> الولايات المتحدة الاميركية في نظرتها الى الأحداث الدولية والى علاقاتها مع بقية الدول وأحزابها السياسية.

 

تداعيات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي!

إلا أن مصادر مطلعة ربطت بين التقييم السياسي والديبلوماسي للخطوة البريطانية، وبين خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وما يمكن أن يرتبه هذا الخروج من أعباء يفترض أن تستعين لندن بالولايات المتحدة الاميركية لمواجهتها، وبعدد من الدول التي تمتلك القدرة على المساعدة في تعويض الخسائر التي ستترتب عن خروجها من الاتحاد الأوروبي، علماً أن ثمة من يقدّر أن الخسائر التي ستُمنى بها لندن ستتركز في الناحية الاقتصادية، وهو ما قد يكون السبب الذي دفع لندن الى التعويض سياسياً عن الخسائر الاقتصادية الواقعة لا محالة. المصادر نفسها لفتت الى الأسباب السياسية الداخلية التي أملت على حزب المحافظين اتخاذ هذا القرار في وقت يبلغ فيه التوتر في العلاقة مع حزب العمال المعارض منسوباً عالياً، وهو ما كانت صحيفة <التايمز> اللندنية المشهورة بصدقيتها ورصانتها قد أشارت اليه. ولم يتأخر تأكيد المحافظين لما ذهبت اليه <التايمز> إذ أعلن وزير الداخلية البريطانية <ساجد جاويد> أن القصد من القرار البريطاني تسليط الضوء على تعاطف رئيس حزب العمال المعارض <جيرمي كوربين> مع <الجماعات المعادية> لإسرائيل، لاسيما وان <كوربين> سبق أن وصف حزب الله في العام 2015 بـ<الصديق>. واللافت في هذا السياق أن حزب العمال طالب وزير الداخلية البريطاني بتقديم أدلة تبرر قرار حكومته توسيع حظر حزب الله ليشمل جناحه السياسي وتصنيفه كمنظمة إرهابية!

 

في أي حال، القرار الحكومي البريطاني لم يترك مضاعفات داخلية لأن قيادة حزب الله – التي دانته – أكدت بالتزامن أن لا تأثير له على وضع الحزب المطوّق دولياً، وموقف من هنا أو موقف من هناك لن يغيرا في الواقع القائم الذي يمكن أن يصبح <مزعجاً> أكثر في ما لو تبنت دول أوروبية التقييم نفسه، وهو أمر لن يحصل على ما يبدو إذ سرعان ما أعلن الرئيس الفرنسي <ايمانويل ماكرون> خلال لقائه الرئيس العراقي برهم صالح أن موقف بلاده خصوصاً ومواقف دول أوروبية أخرى لا تزال على حالها لجهة التمييز بين الشقين العسكري والسياسي لحزب الله، والاستمرار في التواصل مع الشق السياسي خصوصاً مع وجود وزراء في الحكومة اللبنانية ونواب في مجلس النواب اللبناني ينتمون الى حزب الله. وعليه لم تتوقع المصادر الديبلوماسية أن يفتح الموقف البريطاني الباب أمام دول أوروبية أخرى لاتخاذ موقف مماثل للموقف البريطاني، مع إقرار هذه المصادر بأن الضغط الأميركي على عدد من الدول الاوروبية ليس سهلاً، لاسيما وأن النوايا الاميركية واضحة وكذلك المبادرات التي تطلقها واشنطن ضد ايران وما تصفه بـ<اذرعتها> العسكرية في المنطقة وفي مقدمها حزب الله. من هنا فإن المصادر تؤكد أن محاولات واشنطن المضي في شق وحدة الصف الأوروبي لن تتوقف بدليل ما حصل في مؤتمر <وارسو> بهدف الحد من النشاط الإيراني وبغية حمل هذه الدول على تعديل موقفها المتمسك بالاتفاق النووي.

 

قرار الدول الأوروبية سيادي!

وفي هذا السياق، لفتت المصادر الديبلوماسية الى أن موقف الدول الأوروبية حيال موضوع حزب الله هو في النتيجة موقف سيادي خاص بكل دولة من دون أن يعني ذلك أي تأثير على موقف الاتحاد الأوروبي كمجموعة على الحزب، وإن كان ثمة من يرى بأن الضغوط الدولية قد تزداد على لبنان لدفعه الى التشدد في مسألة حزب الله، مع إدراكها – أي هذه الدول – بخصوصية الحزب وحضوره على الساحة السياسية اللبنانية. ولعل الموقف الفرنسي الذي صدر عن الرئيس <ماكرون> شكّل دليلاً على حرص باريس على عدم قطع علاقتها مع حزب الله لأسباب عدة منها وجود قوات فرنسية في جنوب لبنان في إطار <اليونيفيل> وحرص فرنسا على عدم عودة التشنج بين الطرفين كما كان يحصل في السابق. أضف الى ذلك سعي باريس الى <عدم التشويش> على الحكومة اللبنانية المولودة حديثاً والتي تعلق باريس أهمية كبيرة على تمكينها من العمل وترجمة التزاماتها الدولية لاسيما بعد مؤتمر <سيدر> وغيره من المبادرات الفرنسية خصوصاً والأوروبية عموماً لتسهيل عملها بعد المساهمة غير المباشرة بتشكيلها إثر أزمة استمرت قرابة عشرة أشهر. إلا أن هذا الحرص الفرنسي – تضيف المصادر نفسها – لا يلغي متابعة باريس عن قرب <التوازنات> الضرورية داخل الحكومة اللبنانية بحيث لا تجنح الحكومة اللبنانية في قراراتها صوب حزب الله كي يصبح صاحب القرار الأول والأخير في سياساتها الداخلية والخارجية، وفي الشق الاقتصادي خصوصاً ما يؤثر على سياسة <النأي بالنفس> التي أعيد التأكيد عليها في البيان الوزاري الذي نالت حكومة الرئيس سعد الحريري الثقة على أساسه. وتبقى الترجمة العملية لسياسة الحكومة اللبنانية <الموضوعية> من خلال استمرار الاستقرار في الجنوب ورفع منسوب التنسيق بين الجيش اللبناني و<اليونيفيل> وإبقاء اللقاءات الدورية الثلاثية في مقر القيادة الدولية في الناقورة مع الجانب الاسرائيلي، خصوصاً مع اقتراب موعد الانتخابات النيابية الاسرائيلية لئلا يستعمل رئيس وزراء العدو <بنيامين نتنياهو> الورقة اللبنانية مجدداً في مسار العملية الانتخابية الاسرائيلية في الربيع المقبل لتأمين فوز اليمين الاسرائيلي مجدداً في الحكم، علماً أن المعارضة الاسرائيلية لمّحت الى إمكانية استثمار الوضع الجنوبي في هذه الانتخابات بعد <اكتشاف> الأنفاق بين الأراضي اللبنانية والأراضي المحتلة والتي لم تتمكن حكومة <نتنياهو> من استثمارها كما كانت ترغب في الاستحقاقات السياسية الاسرائيلية الداخلية.