22 September,2018

المواجهة الإيرانية - الأميركية إلى تصعيد أو تبريد؟!

 

بقلم خالد عوض

لا يمكن اعتبار أحداث العراق في مصاف ربيع جديد من فصول الربيع العربي فهي أقرب إلى أن تكون وجها من وجوه الصراع الأميركي – الإيراني في المنطقة، ويبدو أن هذا الصراع في طريقه إلى تفاقم خطير لن تسلم منه دول عديدة جعلت إيران منها مؤخرا أوراقا استراتيجية لديها.

ما حصل في مدن العراق من احتجاجات، ولا يزال، بدأ عندما خفضت إيران التغذية الكهربائية لعدة مدن في جنوب العراق في ٨ تموز (يوليو) الماضي. إيران كانت تبيع حوالى ١٤٠٠ ميغاواط للعراق بتعرفة ١٤ سنتا للكيلواط ساعة أي بالدولار الأميركي، ولكن بعد إنسحاب الولايات المتحدة من الإتفاق النووي وإقتراب موعد بدء تنفيذ العقوبات الأميركية الجديدة ضدها لم يعد بإمكان الحكومة العراقية التسديد كما في السابق. إنقطاع التغذية الكهربائية كان شرارة الإحتجاجات والباقي تكفل به واقع الشارع العراقي المأزوم اقتصاديا وإجتماعيا وخدماتيا في ظل فساد سياسي كلف الشعب العراقي مئات مليارات الدولارات في الخمس عشرة سنة الأخيرة. المشكلة المائية في العراق هي أيضا في تفاقم بسبب الجفاف من جهة ولكن ايضاً بسبب السدود الإيرانية والتركية التي تحد من تدفق المياه في نهري دجلة والفرات. بإختصار إيران تتحكم إلى حد كبير بالمياه والكهرباء في العراق.

الحكومة الإيرانية كانت تعرف أن تضييق الخناق الكهربائي على العراق سيؤدي إلى بلبلة في الشارع، وإذا تطورت الإحتجاجات فيمكن أن تؤثر جديا على حجم التصدير النفطي العراقي وبالتالي على أسعار النفط، وهذا ما لا تريده إدارة <ترامب> نهائيا، فصعود أسعار النفط يزيد من التضخم في الولايات المتحدة ويعجل في رفع سعر الفائدة ويزيد من قوة الدولار، يعني عكس ما تهدف إليه الإدارة الأميركية المنغمسة حاليا في حرب تجارية على عدة محاور. بالإضافة إلى كل ذلك يبقى استقرار العراق مصلحة استراتيجية أميركية لأسباب كثيرة منها الاعتبارات النفطية ومنها اعتبارات جيوسياسية لأن العراق، المجاور لإيران وسوريا وتركيا والأردن والكويت، لا يزال محورا رئيسا في الاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط.

وكما ظل العراق على مدى السنوات الأخيرة ساحة تفاهم استثنائي أميركي- إيراني وصل مرات إلى حد التنسيق المباشر، فانه يمكن أن يتحول اليوم إلى مشروع ساحة مواجهة بين الطرفين. وإذا كانت إيران قد حيدت العراق سابقا عن أي مواجهة بينها وبين الولايات المتحدة، فيبدو أنها قررت اليوم، بعد شعورها بأن إلغاء <ترامب> للإتفاق النووي هو تهديد مباشر لكيانها ونظامها وليس فقط لاقتصادها، أن تنسحب من الإتفاق غير

المكتوب بينها وبين الأميركيين حول استقرار العراق.

لم يسبق للرئيس الإيراني <حسن روحاني> أن تحدث بهذه المفردات <الصدامية> قبل ذلك ولا هو معروف بسلوكه الصدامي، فعندما يحذر الولايات المتحدة بأم المعارك ويرد عليه سيد البيت الأبيض بلهجة تهديدية أكثر حدة يكون قد سلك المسار نفسه الذي مشاه من قبله <كيم يونغ أون>، فالرئيس الكوري الشمالي صال وجال في تهديداته منذ سنة ورد <ترامب> عليه بتغريدات على النغمة نفسها حتى إلتقى الإثنان في سنغافورة وكأن شيئا لم يكن… كلام الرئيس الإيراني حمل إشارت مهمة عندما قال في معرض تهديداته أن السلام مع إيران يمكن أن يكون أم كل السلامات… هناك عدة إحتمالات للتصعيد الأميركي – الإيراني، فهو إما يتطور إلى مواجهة مباشرة على عدة جبهات أو يتجه ببطء نحو تسوية تاريخية أبعد بكثير من الإتفاق النووي، ويبدو أن إيران بدأت تلوح بأوراقها في حالة المواجهة. العراق كان الورقة الأولى، ولا يزال لديها الورقة السورية واليمنية و…اللبنانية.

من مظاهر الاستراتيجية السياسية الأميركية على مسار السنين يتبين أن هناك دائما الخطة <ألف> ثم الخطة <باء> والخطة <جيم> وصولا إلى الخطة <ياء>. الرهان الأميركي الأول حاليا ذكره بوضوح وزير الخارجية الأميركي <مايك بومبيو> الأحد المنصرم عندما تحدث عن نظام إيراني إرهابي، واعدا بدعم الشعب الإيراني المعارض مما يعني أن الخطة <ألف> هي ضعضعة النظام من الداخل. حزمة العقوبات المنتظرة والتضييق الأميركي الكامل على شركاء إيران التجاريين هما البداية، فيما إيران بدأت بالرد من العراق بعدما تمكن الروس من تحييدها مؤقتا في سوريا. الورقة الأخرى الممكنة هي الورقة اللبنانية حيث أصبح من الواضح أن تعثر التأليف الحكومي مرتبط بالخارج وليس بالعقدة الدرزية أو المسيحية، فلو كان في نية حزب الله إنضاج الحكومة لتمكن من ذلك، ولذلك لن يكون مستغربا أن يطاح برئيس الحكومة المكلف سعد الحريري ويكلف سني آخر غيره كما حصل عام ٢٠١١ عندما كلف الرئيس نجيب ميقاتي بتأليف الحكومة.

من الواضح أن إيران استجمعت أوراقها في المنطقة، من اليمن إلى لبنان، لأسباب توسعية ولكن يبدو اليوم أن هذه الأوراق هي خط الدفاع الأول عن النظام في طهران.