20 November,2018

المهنـدس - الفـنـــان جـــاد الخــــــوري: ربـمــــــا بـيــــــــروت غـيــــــر مـسـتـعـــــدة بـعـــــد للـمـضـــــي قـدمــــــا!

 

بقلم عبير انطون

Jad El Khoury

البس برج المر ستائر ملونة، نفخ فيه الروح بعد 35 عاما على الوقوف متجهماً مظلماً، وبعد ان صحا سكان المدينة واهلها على هذا التغيير فوجئوا بالعودة الى نقطة الصفر لأسباب معلومة – مجهولة وعاد الفراغ والظلمة الى مكانهما، فما هي هذه الاسباب؟ وما الذي يجعل الفنان الشاب يحاول مستمراً في مدينته، هو من جابها مستوحياً افكاراً لأبنيتها، معرّضاً نفسه للخطر والجهد؟ ولماذا تقلقه بعد الحرب وآثارها بعد سنوات على انتهائها؟ من هو جاد الخوري الذي يحظى بجوائز عالمية رفيعة من ايطاليا الى فرنسا وغيرهما ويأسف لما يجري معه في لبنان؟ فما الذي يجري، والى متى سيبقى يترجم افكاره وتجاربه الشخصية فناً على الجدران والابنية بدءاً من العزلة التي فرضها على نفسه وجسدها بـ<الرجل الوحيد>، الى <عزلة مرآة> التي جسدها في الكويت، وصولاً الى انتفاضه على تلك العزلة وضرورة <التواصل> في المعهد الفرنسي في لبنان؟

مع المهندس جاد الخوري كان لقاء <الأفكار> وسألناه بداية:

 ــ لنبدأ بالتعريف بك كمهندس ومختص بـ<الفن الحضري>؟

– أنا مهندس داخلي وفنان اعمل منذ خمس سنوات بشكل فني محترف، وكنت في الفترة التي اعمل فيها كمهندس داخلي اقوم بالموازاة بمشاريع فنية تختص بالمدينة حيث اختار منها بنايات محددة تحمل قصصاً تعني محيطها والمنطقة التي انا فيها وترتبط بالواقع الذي اعيشه.

ــ كيف يمكننا التعريف بـ<الفن الحضري>؟ ما موقعه في لبنان، وما ردة فعل الناس عليه؟

– <الفن الحضري> في العموم فن يعمل في المدينة ويكون موجهاً للناس التي تعيش فيها او تستخدم شوارعها أو تتوجه اليها، وهو مسؤولية كبيرة جداً لأن هدفه التغيير. أعطي مثالاً على ذلك مشروع <برج المر> الذي عملت عليه. كانت الناس تمر امام هذا البرج فتراه قاتماً، شبابيكه سوداء، واقفاً متجهماً منذ 35 سنة خلت. ويوم مروا من أمامه ورأوه شبابيكه مليئة بالألوان انكسر الروتين لديهم فتبدل ما سبق وتأقلمت عليه عيونهم وهذا ما حرّك فيهم المشاعر. بالنسبة لي كفنان، اذا ما استطعت من خلال فني أن احرّك شيئاً عند الناس فإنني اعتبر مشروعي ناجحاً.

ــ كيف تختار الابنية التي تعمل عيها، بحسب اية معايير؟

– في غالبية الأوقات لا أختار أنا المبنى انما الموضوع نفسه يدعوني اليه، يجبرني عليه، ولا يكون الاختيار عشوائياً انما بناءً على الفكرة التي أعمل عليها. تعاملي مع البناية يتوقف على قصتها وشكلها وموقعها وتاريخها ومحيطها وما جرى حولها. مثلا في مشروعي السابق تحت عنوان <وار- بيس> (قطعة الحرب) كان الهدف الأساسي الاضاءة على تراث الحرب الذي اعتادت عليه الناس وما عاد يستوقفها حتى، فكنت لما أعثر على بناية عليها آثار الحرب وندوبها من جراء القذائف او القنابل اصعد اليها واحول <جرحها> الى أمر ايجابي وكل <فخت> قذيفة الى شخصية من الشخصيات التي ارسمها.

ويضيف جاد:

– <فخت> القذيفة في الجدار او الحجر المهدّم يمثل كل المشاكل التي لا زالت جاثمة منذ الحرب الاهلية حتى يومنا الحاضر اذ لا زالت الحاجات الاساسية من ماء وكهرباء وضمان غير متاحة، ما معناه اننا لم نشف بعد من الحرب وآثارها. كنت اريد التركيز على ذلك واذكر الناس بأنه <لأ… مش ماشي الحال> وانه بعد 27 سنة لا زلنا نرواح مكاننا ولا نتطور والزعماء هم عينهم منذ ايام الحرب. في احدى البنايات استخدمت اللون الاحمر لتبدو البناية وكأنها تنزف لكن مع الاقتراب منها يكتشف الناظر اليها ان هذا ليس دماً انما شخصيات جاءت تنشر الايجابية عوضاً عن الذكريات البشعة.

 هذه هي بيروت…!

ــ اختيارك لـ<برج المر>… كيف انطلقت الفكرة، ولماذا هذا البرج تحديداً؟

 – شخصياً لم أعش الحرب الاهلية اذ ولدت قبل سنتين من انتهائها. لا اذكر شيئاً منها لكنني عشت آثارها، و<برج المر> تحديداً هو معلم في وسط بيروت مرت به الحرب، وبشبابيكه الأربعمئة السوداء التي لا تنتهي حيث تصطف وكأنها تنشر النحس والسلبية من جراء الاخبار التي سمعناها عن <برج المر> والمعارك التي جرت من حوله والتقنيص الذي صار منه اي منذ توقف العمل فيه منتصف السبعينات، وكل أخباره وما جرى فيه امور بشعة… منذ صغري وانا انظر الى هذا البرج وكأنه وحش ما في هذه المدينة، مارد شرير واقف في وسط بيروت، وقد اردت لمرة ان اغير هذه الصورة، هذه المعادلة، بأن يكون لهذا البرج قصة حلوة جديدة فرحة، ومن هنا كانت فكرة الستائر الملونة على الشبابيك، وهي الستائر الملونة اللي نراها عادة في الاحياء الشعبية من بيروت. هذه هي بيروت بالنسبة لي اي ضواحي الوسط التجاري، هذه المناطق التي فيها حياة، والناس تعيش فيها قريبة من بعضها البعض كمجموعة واحدة، وكانت الفكرة ان أستخدم عنصراً من هذه المناطق الشعبية التي تضج بالحياة واضعه في بناية باردة، ومنطقة من بيروت تبقى شبه خالية وكأنها مدينة اشباح، أما ان تلوّح الستائر مع الهواء فإنني بها وكأن البرج يرقص فرحاً، وبقدر ما هناك باطون في البرج هناك قماش ما يجعل الناظر اليه يشعره راقصاً… وصار <برج المر – برج الهواء>.

 ــ لماذا كان عليك الحصول على إذن من الجيش، ألا يعود ذلك للبلدية ولمالكي المبنى؟

– كان ضرورياً ان أحصل على اذن من وزارة الدفاع لأن هناك ثكنة جيش في قلب المبنى.

ــ كيف كانت ردة فعل البيروتيين الذين تغير عليهم هذا المبنى بألوانه الجميلة؟ وما الذي سمعته من تعليقات ايجابية وأخرى سلبية؟

– ردة فعل الناس كانت بغالبيتها ايجابية وجعلتني أُسعد بما حدث بحيث استطعت ان اعطي فرحة لغالبية الناس الذين مروا من امام المبنى ونظروا اليه، وقد لمست التجاوب الكبير من خلال مواقع التواصل الاجتماعي ومن خلال نقاد فنيين كتبوا بشكل ايجابي جدا عن هذا المشروع.

1ــ ما سبب موقف <سوليدير> السلبي من المشروع وما اسبابه الحقيقية برأيك؟

 – لا استطيـــع ان اتكلــم مكانهـــم. ربمـــا تسألينهــــم ويخبرونــــك عــن سبب هـــذا القرار وانـــــا تفاجــأت للصراحــة، فإذا حللت الأمــــر مــن الناحيــــة الفنيـــــة البحتــــة اقـــــول ربمــــــا ان المدينة غير جاهــــزة للتحرّك الى الامام، خاصــــة وان كل المشاريـــع التــــي عملت عليها وتحمل آثار الحــــرب وتذكّرنـــــا بهـــا يختفــــي عملـــي عليهــــا الواحــــد بعــــد الآخر، فالبناية مثلاً بالقرب من <جسر الرينغ> التي رسمت عليها بالاحمر منذ سنتين تجدونها مغطاة باعلان كبير اليوم، والبناية الثانية <الهوليداي- ان> التي شكلت مشروعا فنيا آخر محوا عملي عليها أيضا، وهــــا هــــم في <بــــرج المـــــــر> يجبروننــــــي على نـــزع الستائر عن شبابيكـــه…. هذا كله له دلالة… <معناها في شي>… وكأن بيروت ليست جاهزة للحركة قدماً <Beirut Is Not Ready To Move>.

ــ هل تعرقل القوانين اللبنانية مهمة من يعملون في الفن الحضري ام تسهل الأمور؟

– القوانين لا تعرقل ولا تسهل، وهذا أمر طبيعي وموجود في كل مجتمع وعلى من يمشي في اللعبة أن يتحمّله، خاصة اذا كان الهدف من خلف المشروع ايحابيا ويرمي الى تحسين وضع المدينة التي يعيش فيها… عندما كنت اتعب واتعذب بخصوص الاذونات والقوانين كنت احفز نفسي بتذكيرها بأنني اقوم بذلك لأجل بيروت وتحسينها ونشر صورة ايجابية عنها.

ــ نلت جوائز عديدة من حول العالم، ايها الابرز حتى اليوم؟ وماذا عن عرض اعمالك لمدة شهر في البندقية في ايطاليا؟

 – موضوع الجوائز من المضحك – المبكي! لأنه في الخارج والبلاد المتقدمة يقدرون العمل الذي اقوم به اكثر من تقديرهم له في بلدي حيث ان المباني التي اشتغلت عليها وتتعلق بموضوع الحرب تم محوها او تغطيتها واجبروني على نزعها كما سبق واشرت… لقد حللت ضمن المتبارين الخمسة النهائيين عن فئة الفنّ الحضري، وعُرِضت أعمالي في مدينة البندقية، وكنت حصلت العام الذي قبله على إقامة فنّية في المدينة نفسها بعد فوزي بالجائزة الخاصة ضمن المسابقة الدولية عن تصويرٍ أعددته لأحد المباني التي نفّذت عليها رسوم مشروع «قطعة الحرب>…

هكذا أتطور…!

ــ كيف تطور نفسك في هذا النوع من الفن؟ وما هي العاصمة الافضل اليوم لناحية <الفن الحضري>؟

– اطور نفسي عندما افكّر بشكل اكبر بالناس التي سترى العمل. قبل مشروعي الأخير كنت استخدم شخصيات كنت ارسمها منذ صغري والتي هي انا… وددت هذه المرة ان لا احصر نفسي بها وهذا ما اعتبره تطوراً مهماً جداً في عملي، فتوجهت الى رسومات يفهمها الجميع ويحبها فأنزع عنها الأنا الموجودة في كل واحد منا، ولا استطيع ان احدد التطور المقبل اين سيكون لكن الأكيد انني دائماً اسعى الى التحسين والتطوير في عملي.

ــ هل ترسم ايضا بالشكل التقليدي (زيت اكواريل) على القماش وهل ممكن أن يكون لك معرض فيها؟

– انا استخدم الطرق التقليدية في الرسم مذ بدأت بالورقة والقلم، واليوم كل مشروع او مفهوم بعد تنفيذه وعرضه في الشارع اعود واعمل عليه من خلال احدى التقنيات كالتصوير او <الاكريليك> او الطباعة بالشاشة او الرسم على القماش او الاداء الحي…. لأحول الفكرة الى <الغاليري> وتراها الناس وتتوقف عندها.

ــ من يدعمك مادياً لتنفيذ مشاريعك وهل من جهات راعية؟

 – كل مشروع له قصة. <اشارات الحرب> انا موّلته اذ دفعت كل شيء كنت ادّخرته لأشتري العدة من حبال وغيرها، وكان من الضروري ان انفّذ هذا المشروع. اليوم <ليستيسيا غاليري> هي الراعية لي وقد تكفلت بمشروع <برج المر – برج الهواء>… كذلك فإنني اتكل على المعارض وبيع اللوحات، وقريبا أي في 28 حزيران/ يونيو السادسة مساءً افتتح معرضي الجديد عن <برج المر – برج الهواء> ويستمر لمدة شهرين في <بلات فورم 39>.

 ــ ماذا عن الاطفال الذين شاركت بمشروع عنهم ايضا؟

– لدي صديقة أسست جمعية وتسافر الى بلدان عدة لترسم فيها، ومن ضمن نشاطاتها جعل الأولاد يشاركون في الرسم، وقد كنت سعيداً ان اعمل مع اولاد عائلات اللاجئين الى بيروت وكانوا احراراً في مخيلتهم وافكارهم، وانا للصراحة شعرت بأنني استفدت منهم اكثر من العكس… عملت معهم في منطقة الحمرا مع الفنان <ارنستو> الذي اشتغل الـ<راينو> وهي بناية مكتوب عليها <راينو> مع ورود وتقع بعد وزارة الداخلية، وعمل الاولاد على لوحة قماشية كبيرة ساعدتهم فيها.

ــ ماذا عن مشروع «حوار بين الهندسة المعمارية التقليدية والحديثة في لبنان> الذي كنت تعد له والى اين افضى؟

– المشروع قيد الدراسة الآن وانا اطوره، واسمحوا لي بأن لا اتكلم عنه مفصلاً لأنه لم يجهز بعد وافضل الانتظار لذلك الحين.